عبد الكريم مصطفى
بعد خمس سنوات على عودة طالبان إلى السلطة، لا يزال أبرز القادة الطاجيك المعارضين عاجزين عن بناء جبهة متماسكة، رغم ما يمتلكونه من خبرات سياسية وعسكرية وعلاقات تراكمت على امتداد عقود. ويكشف هذا التعثر ضعفًا في القيادة وقصورًا في الكفاءة التنظيمية والسياسية؛ إذ لم يتحول الرصيد التاريخي لهؤلاء القادة إلى برنامج مشترك أو مؤسسة تستطيع إدارة خلافاتهم وتنسيق تحركاتهم.
وقد أعاد الاجتماع الافتراضي بمناسبة «أسبوع الشهداء»، وفق الكلمات والمواقف المنقولة في المادة الأصلية، إظهار هذا المأزق. فالمناسبة المرتبطة بإحياء ذكرى أحمد شاه مسعود بدت مساحة لتكرار الدعوات إلى الوحدة، فيما ظلت المسافة واسعة بين خيارات المشاركين بشأن الحرب والتفاوض والقيادة.
ولا يتعلق تقييم ضعف هؤلاء القادة بانتمائهم القومي، ولا ينسحب على المجتمع الطاجيكي الذي لا تختزله هذه الشخصيات. إنه تقييم لأداء قيادات سياسية محددة، يُقاس بقدرتها على بناء التحالفات، وإدارة الموارد، وصياغة بديل قابل للتطبيق.
الحرب والتفاوض: خلاف يكشف غياب الاستراتيجية
أظهرت المواقف المنقولة عن الاجتماع تباينًا واضحًا في كيفية التعامل مع طالبان. فقد دعا أحمد مسعود، زعيم جبهة المقاومة الوطنية، إلى المقاومة الجماعية، مع إبقاء باب التسوية مفتوحًا إذا أنهت الحركة احتكار السلطة وقبلت الاحتكام إلى إرادة الشعب. وأبدى استعداده لقبول نتائج اختيار شعبي حتى لو انتهى إلى فوز زعيم طالبان.
في المقابل، شدد ياسين ضياء، زعيم جبهة الحرية، على استمرار القتال، رافضًا المفاوضات أو السلام مع الحركة. أما عبد الرشيد دوستم، الزعيم الأوزبكي وأحد أقطاب المعارضة الأوسع، فدعا إلى التفاوض لتجنب المزيد من إراقة الدماء، وأشار إلى استعداد فرق المعارضة للحوار.
وجود هذه الخيارات المختلفة ليس في ذاته دليلًا على سوء الكفاءة؛ فالتحالفات السياسية قد تضم أنصار التفاوض والعمل العسكري معًا. لكن القصور يظهر في العجز عن تنظيم العلاقة بين هذه الخيارات: متى يكون التفاوض مجديًا؟ وما شروطه؟ وما الأهداف السياسية للعمل المسلح؟ ومن يملك تفويض اتخاذ القرار؟
لا تقدم المواقف المنقولة إجابات مشتركة عن هذه الأسئلة. ولذلك تبدو المعارضة أقرب إلى قيادات تعلن تفضيلاتها بصورة منفصلة منها إلى تحالف يوزع الأدوار وفق استراتيجية متفق عليها. وهذه فجوة أساسية بين امتلاك موقف من طالبان وامتلاك سياسة فعالة لمواجهتها.
الوحدة المتكررة في الخطابات والغائبة عن التنظيم
دعا صلاح الدين رباني إلى الالتقاء حول قضية مشتركة، وأكد أحمد مسعود ضرورة مواجهة الفرقة وانعدام الثقة، بينما حثت فوزية كوفي المعارضين على تحويل اختلافاتهم الفكرية إلى مصدر قوة.
لكن تكرار الدعوة إلى الوحدة، من دون إظهار ترتيبات عملية لتحقيقها، يكشف محدودية القدرة على التنفيذ. فالقيادة الكفؤة تُقاس بقدرتها على تحويل الشعارات إلى قواعد عمل: آلية لاتخاذ القرار، وحدود لصلاحيات الزعماء، وضمانات للشركاء، وإجراءات لحل النزاعات.
هنا يتجلى ضعف القادة الطاجيك المعنيين بهذا المشهد. فهم يدركون مشكلة التشتت ويعلنون الاعتراض عليها، لكنهم لم ينجحوا في بناء إطار يستطيع احتواء طموحاتهم المتنافسة. ويصبح خطاب الوحدة، في هذه الحالة، وصفًا للحاجة القائمة أكثر مما يكون دليلًا على قرب تلبيتها.
أزمة ثقة تحتاج إلى إدارة
أثار غياب أمر الله صالح وعطا محمد نور عن الاجتماع تساؤلات بشأن مستوى التفاهم بين أبرز شخصيات المعارضة. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار الغياب وحده دليلًا قاطعًا على المقاطعة أو الجزم بأسبابه في غياب تفسير موثق.
كما حملت رسالة نور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي شددت على الاقتداء بفكر أحمد شاه مسعود وسلوكه، دلالات محتملة في سياق التنافس على إرثه. لكن تحديد شخص بعينه بوصفه المقصود بهذه الرسالة يتجاوز ما تسمح به المعطيات المتاحة.
المشكلة السياسية الأوسع هي هشاشة الثقة التي تجعل الغياب أو التلميح قابلًا للقراءة باعتباره فصلًا جديدًا من الصراع الداخلي. ومواجهة هذا الوضع تتطلب تواصلًا مؤسسيًا وشفافية في إدارة العلاقات. أما ترك الخلافات للتأويلات والرسائل غير المباشرة فيزيد ارتباك الجمهور ويضعف صدقية الدعوات إلى العمل المشترك.
إرث مسعود: رمزية لا تعوض الكفاءة
يمنح إرث أحمد شاه مسعود حضورًا معنويًا مهمًا للقوى التي تنتسب إلى تجربته، لكنه لا يوفر بمفرده حلولًا لمشكلات الحاضر. فالمكانة التاريخية لا تضع برنامجًا سياسيًا، ولا توحد أجهزة القيادة، ولا تحسم شروط التحالف والتفاوض.
ويواجه أحمد مسعود، بحكم انتسابه المباشر إلى هذا الإرث، اختبارًا يتعلق بقدرته على تحويل الرمزية إلى تنظيم فعال. كما يواجه رفاق والده والقادة الآخرون اختبارًا مماثلًا: هل يستطيعون تجاوز الاستناد إلى أدوارهم السابقة وبناء شرعية قائمة على الأداء الراهن؟
إن ضعف القيادة يظهر حين يصبح الماضي المصدر الأساسي للمطالبة بالمكانة، بينما تظل النتائج الحالية محدودة. فاستحضار تاريخ المقاومة قد يحافظ على التعبئة، لكنه لا يغني عن مراجعة الأخطاء، وتوسيع المشاركة، وبناء مؤسسات يمكن مساءلتها.
ما بعد رباني: انكشاف أزمة المرجعية
ساعد الوزن التاريخي والتنظيمي لبرهان الدين رباني على احتواء جانب من التنافس داخل الجمعية الإسلامية، من دون أن يلغي تعدد مراكز النفوذ. وبعد اغتياله عام 2011، ازدادت تعقيدات الخلافة والتمثيل، وبرز التنافس بين صلاح الدين رباني وعطا محمد نور بوصفه أحد تعبيرات أزمة القيادة.
تكشف هذه التجربة مشكلة تتجاوز الأشخاص: فقد ظل التماسك مرتبطًا بقدرة زعيم ذي مكانة تاريخية على موازنة الأطراف، أكثر من ارتباطه بمؤسسات مستقرة تنظم انتقال القيادة وتوزيع الصلاحيات.
ولهذا فإن غياب مرجعية متفق عليها لا يفسر الأزمة وحده. الأهم هو إخفاق القيادات اللاحقة في تطوير قواعد تجعل العمل المشترك ممكنًا حتى في غياب شخصية جامعة. وهذا قصور مؤسسي تتحمل مسؤوليته القوى التي احتفظت بمواقع القيادة من دون أن تنجح في تجديد آلياتها.
نفوذ فردي لم يتحول إلى قدرة جماعية
خلال سنوات الجمهورية، راكمت شخصيات بارزة مواقع حكومية وأمنية وعلاقات اقتصادية وتحالفات انتخابية. لكن هذه الموارد لم تتحول، بعد انهيار النظام، إلى بنية معارضة مشتركة بالقدر الذي تقتضيه المواجهة الجديدة.
احتفظ كل طرف برصيد مختلف: حضور محلي، أو خبرة عسكرية وأمنية، أو شبكة حزبية، أو رمزية عائلية وسياسية. ومع سقوط المؤسسات التي كانت تجمع هذه القوى أو تنظم تنافسها، أصبحت الحاجة أشد إلى إطار بديل للتنسيق.
ويشير استمرار التشتت إلى ضعف القدرة على التكيف مع هذا التحول. فالخبرة في شغل المناصب أو إدارة شبكة نفوذ لا تعني تلقائيًا الكفاءة في قيادة معارضة. وهذه الأخيرة تحتاج إلى بناء الثقة، وتقاسم القرار، وترتيب الأولويات، وقبول التنازلات داخل التحالف نفسه.
الجغرافيا والمصالح
تتقاطع المنافسة بين القادة مع اختلاف شبكات النفوذ في بنجشير وبدخشان وشمال أفغانستان. غير أن هذه المناطق ليست كتلًا متجانسة، كما أن الانتماء الطاجيكي لا يفرض وحدة سياسية تلقائية.
التحدي القيادي هو استيعاب هذا التنوع ضمن ترتيبات واضحة للتمثيل والمشاركة. أما التعامل معه بوصفه عائقًا دائمًا فيحول الاختلاف الطبيعي إلى ذريعة لاستمرار الانقسام.
ومن هذه الزاوية، يتجسد سوء الكفاءة السياسية في عدم القدرة على بناء تحالف يحفظ خصوصيات الأطراف ويُلزمها في الوقت نفسه بحد أدنى من الانضباط المشترك. فليس مطلوبًا إلغاء المصالح المتباينة، بل التوصل إلى قواعد تمنعها من تعطيل المشروع بأكمله.
بديل الحكم: السؤال الذي لا يكفي رفض طالبان للإجابة عنه
يواجه القادة الطاجيك، إلى جانب سائر أطراف المعارضة، اختبارًا يتجاوز مقاومة السلطة القائمة: ما الذي يعرضونه على الأفغان بوصفه بديلًا؟
يتطلب الجواب تصورًا واضحًا للمشاركة السياسية، وضمانات الحقوق، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وحدود السلطة وآليات تداولها. كما يحتاج إلى تفسير مقنع لكيفية تجنب أوجه القصور التي أسهمت في إضعاف التجربة الجمهورية.
وحين تعجز القيادات عن إدارة خلافاتها داخل المعارضة، فإنها تثير تساؤلات مشروعة بشأن قدرتها على إدارة التعدد داخل الدولة. لذلك تصبح الكفاءة التنظيمية جزءًا من صدقية المشروع السياسي نفسه، وليست مسألة داخلية تخص الزعماء وحدهم.
ظروف صعبة وأخطاء قابلة للمراجعة
لا يصح رد ضعف المعارضة كله إلى أداء قياداتها؛ فمواجهة حركة تسيطر على أجهزة الحكم تفرض اختلالًا كبيرًا في الموارد والقدرة على العمل. لكن صعوبة الظروف لا تعفي القادة من مسؤولية القرارات التي تقع ضمن نطاق سيطرتهم، وفي مقدمتها تنظيم العلاقات بينهم وتحديد أهداف مشتركة.
ولا يكفي تفسير الإخفاق بتدخلات طالبان أو محاولاتها تفكيك خصومها. فهذه المحاولات، إن وقعت، تستفيد من ثغرات قائمة أصلًا. وتبدأ المعالجة بالاعتراف بأن استمرار الزعامة لا يثبت نجاحها، وأن الخبرة الطويلة لا تحصّن أصحابها من المساءلة.
ما يكشفه هذا المشهد هو ضعف سياسي وتنظيمي لدى قيادات لم تستطع حتى الآن تحويل تعدد مواردها إلى قوة مشتركة. وسيبقى الحكم على كفاءتها مرتبطًا بما تنجزه: اتفاق قابل للتنفيذ، ومؤسسات لإدارة الخلاف، وبرنامج يتجاوز استعادة المواقع السابقة. ومن دون ذلك، ستظل كثرة الزعماء عنوانًا لاتساع المنافسة داخل المعارضة، فيما تبقى قدرتها على تغيير موازين القوى محدودة.

