عبد الكريم مصطفى
تكشف زيارتا المسؤولين الأمنيين التركي والقطري إلى أفغانستان اهتمامًا بإدارة المخاطر المحيطة بها، لكنهما لا تثبتان قيام تحالف جديد أو وجود مهمة مشتركة. وبين التوتر مع باكستان والحرب على إيران والمخاوف من الجماعات المسلحة، تحاول طالبان تحويل الحاجة إلى التواصل معها إلى مكاسب سياسية، من دون الانجرار إلى التزامات تتجاوز قدرتها.
زيارتان متزامنتان لا مهمة واحدة
أعادت زيارة رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين إلى كابول وقندهار، بالتزامن مع زيارة المسؤول الأمني القطري حمد بن خميس الكبيسي، طرح سؤال موقع أفغانستان في الحسابات الإقليمية. فقد شملت الاتصالات مسؤولين يتولون ملفات الاستخبارات والدفاع والداخلية والاقتصاد، في وقت تتداخل فيه الأزمات على حدود البلاد مع صراعات أوسع في المنطقة.
لكن تقارب التوقيت لا يكفي لاعتبار الزيارتين مهمة تركية قطرية مشتركة. فالمعلومات المتاحة تشير إلى لقاءات منفصلة، ولا تقدم تأكيدًا على وجود جدول أعمال موحد أو توزيع متفق عليه للأدوار.
لهذا التمييز أهمية تحليلية؛ إذ قد تتقاطع مصالح أنقرة والدوحة من دون أن تتطابق، وقد تتحرك كل منهما استنادًا إلى قنواتها وعلاقاتها وأولوياتها. وما يمكن استخلاصه بثقة أكبر هو أن دولتين تملكان صلات مباشرة بطالبان اختارتا تفعيل التواصل الأمني معها في توقيت متقارب.
أما الانتقال من هذه الحقيقة إلى افتراض صفقة كبرى، فيحتاج إلى أدلة تتجاوز طبيعة المسؤولين المشاركين أو حساسية المرحلة.
لماذا تتقدم القنوات الأمنية؟
التقى كالين في كابول عبد الحق واثق، ومحمد يعقوب مجاهد، وسراج الدين حقاني، وعبد الغني برادر. ووفق المعلومات المنشورة عن الجانب التركي، تناولت المحادثات التعاون الأمني والاستخباري، ومكافحة الإرهاب وتهريب البشر والمخدرات، والعلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، بما فيها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
يشير هذا النطاق إلى تداخل الملفات الأمنية والاقتصادية. فأمن الحدود يؤثر في التجارة، وحركة الأشخاص تتصل بالهجرة والتهريب، والاضطراب الإقليمي ينعكس على طرق الإمداد. ولذلك فإن حضور المسؤولين الأمنيين قد يعكس الحاجة إلى معالجة قضايا تنفيذية حساسة، إلى جانب التشاور السياسي.
غير أن الطابع الاستخباري لا يبرر ملء الفراغ المعلوماتي بافتراضات. فعدم إعلان تفاصيل المحادثات أمر مفهوم، لكنه لا يثبت أن ما خفي منها يتضمن بالضرورة ترتيبات عسكرية أو رسائل أمريكية أو تفاهمات بشأن تغيير التحالفات.
والأهم في هذه الاتصالات هو ما إذا كانت ستنتج التزامات محددة وقنوات متابعة، أم ستبقى في حدود تبادل التقديرات واستطلاع المواقف.
قندهار: الوصول إلى مرجعية القرار
تكتسب زيارة كالين إلى قندهار دلالة تتصل ببنية السلطة لدى طالبان. فالاتصال بمسؤولي الحكومة في كابول يتيح مناقشة الإجراءات والملفات اليومية، بينما قد تتطلب التفاهمات الأوسع موافقة القيادة العليا أو التواصل مع دائرتها المقربة.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الانتقال إلى قندهار بوصفه سعيًا إلى معرفة حدود الالتزامات التي تستطيع أجهزة الحكومة تقديمها، وضمان اتساقها مع توجهات القيادة.
لكن تفاصيل البرنامج في قندهار لم تُعلن رسميًا بصورة كافية. والتقارير عن لقاء شخصيات مقربة من هيبة الله أخوند زاده لا تعادل تأكيد لقائه شخصيًا، كما لا تكشف مضمون ما نوقش.
تكمن الدلالة الأوضح في أن الأطراف الخارجية تدرك أهمية الاتصال بمستويات القرار المختلفة. فأي تفاهم أمني يفقد قيمته إذا لم يكن الطرف الذي يقدمه قادرًا على تنفيذه، أو إذا اصطدم لاحقًا باعتراض من مرجعية أعلى.
باكستان: الملف الأقرب إلى الوساطة العملية
من بين التفسيرات المحتملة للزيارتين، يبدو السعي إلى تخفيف التوتر بين كابول وإسلام آباد متسقًا مع خبرة تركيا وقطر السابقة في الوساطة. فالخلاف يتصل باتهامات باكستان لطالبان بشأن الجماعات المسلحة، وأمن الحدود، وتعطل التجارة، وهي ملفات تجمع بين الضرر المباشر والحاجة إلى قنوات تفاوض مستمرة.
ولا يعني تعثر التفاهمات السابقة أن الوساطة فقدت جدواها بالكامل. فقد تنجح في وقف التصعيد مؤقتًا من دون أن تحل أسباب النزاع، أو تعيد فتح الاتصال من دون أن تنتج تسوية دائمة. والمشكلة هنا هي الانتقال من تهدئة قابلة للانهيار إلى ترتيبات يمكن مراقبة تنفيذها.
إذا كان هذا الملف حاضرًا في المحادثات، فقد تكون الأولوية الواقعية وضع إجراءات لمعالجة الحوادث الحدودية، وتبادل المعلومات بشأن التهديدات، وتخفيف القيود على الحركة التجارية. وهذه خطوات أقل طموحًا من المصالحة الشاملة، لكنها أكثر قابلية للاختبار.
أما العقبة الأساسية فتبقى انعدام الثقة: تطلب باكستان إجراءات تجاه تهديدات تقول إنها تنطلق من الأراضي الأفغانية، بينما يتعين على أي تفاهم أن يراعي حساسية السيادة لدى كابول. ويحتاج الوسيط إلى صياغة التزامات تعالج المخاوف الأمنية من دون أن تتحول إلى مطالب مفتوحة يصعب تنفيذها أو التحقق منها.
الحرب على إيران: استطلاع الموقف لا إثبات تغيير المعسكر
وردت الحرب على إيران ضمن الموضوعات التي ناقشها كالين، بحسب المصادر التركية. وهذا يجعل بحث تداعياتها جزءًا معلومًا من الزيارة، لكنه لا يثبت أن أنقرة جاءت لإقناع طالبان بالانضمام إلى طرف أو تغيير موقفها السياسي.
فالتشاور قد يتعلق بالتجارة والحدود وحركة السكان، أو باحتمالات انتقال الاضطراب، أو بتجنب خطوات تزيد التوتر. ولا يتطلب الاهتمام بهذه القضايا وجود خطة لجر أفغانستان إلى الحرب.
كذلك لا تكفي علاقات تركيا وقطر بواشنطن لإثبات حملهما رسائل أمريكية في هذه الزيارة تحديدًا. فالقدرة على نقل الرسائل تختلف عن ثبوت نقلها، كما أن للدولتين مصالح مباشرة تفسر اتصالاتهما من دون الحاجة إلى افتراض تفويض خارجي.
وبالنسبة إلى طالبان، تنطوي الأزمة على معادلة صعبة: الحفاظ على علاقاتها مع إيران، وإبقاء قنواتها مع الدول العربية وتركيا مفتوحة، وتجنب التزامات قد تجعل أفغانستان طرفًا في صراع أوسع. ويصبح هامش المناورة مرهونًا بقدرتها على الفصل بين المواقف السياسية والتورط العملي.
مكة والبيان الأفغاني: موقف ديني لا يكشف صفقة
أثار صدور بيان الخارجية الأفغانية بشأن التقارير عن محاولة هجوم بطائرة مسيرة قرب مكة، عقب الزيارة التركية، تساؤلات حول احتمال وجود صلة بين الحدثين.
غير أن التسلسل الزمني لا يثبت السببية. فقد يكون البيان تعبيرًا مستقلًا عن موقف يتعلق بحرمة الأماكن المقدسة، وقد يكون الموضوع طُرح في المشاورات، لكن لا تتوافر معلومات معلنة تحسم ذلك.
وتحمل صياغة البيان نفسها دلالة: فقد ركزت على رفض تهديد الحرمين الشريفين، من دون تسمية الحوثيين أو تبني اتهام مباشر لهم. ويمكن قراءة هذا الأسلوب بوصفه محاولة للجمع بين إظهار التضامن الديني وتجنب الانحياز التفصيلي في نزاع إقليمي.
كما أن الدفاع عن حرمة الأماكن المقدسة لا يساوي التزامًا بالمشاركة العسكرية. فالانتقال إلى الحديث عن إرسال قوات أو دعم عملياتي يحتاج إلى طلبات واتفاقات وترتيبات واضحة، لا إلى استنتاجات من بيان إدانة.
وبالمثل، فإن وصف الاتهام السعودي بأنه محاولة لحشد التأييد يظل تفسيرًا لدوافع محتملة، ولا يجوز تقديمه بوصفه حقيقة مثبتة. فالتحليل الرصين يفصل بين رواية الواقعة، والموقف منها، والاستخدام السياسي الممكن لها.
القاعدة: مخاوف أمنية لا يحسمها تسجيل دعائي
تطرح المادة احتمال اتصال الزيارة القطرية بالمخاوف الأمريكية من تنظيم القاعدة، خصوصًا بعد نشر مشاهد لحمزة بن لادن في إصدار دعائي جديد. وهو احتمال يمكن مناقشته في ضوء دور الدوحة في التواصل بين واشنطن وطالبان، لكنه لا يرتقي إلى معلومة مؤكدة عن هدف الزيارة.
كما أن التسجيل نفسه لا يثبت وجود حمزة حاليًا في أفغانستان، ولا يحسم تاريخ تصويره أو مصيره. وخلط هذه الأسئلة قد يمنح الدعاية دلالة استخبارية لا تسندها المادة المنشورة.
إذا نوقش ملف الجماعات المسلحة، فالأكثر أهمية سيكون المعلومات المتعلقة بالشبكات والأفراد والتمويل والتحركات والقدرة على تنفيذ هجمات. أما الأثر الإعلامي لإصدار دعائي فقد يرفع مستوى الاهتمام، لكنه لا يغني عن التحقق.
وتواجه طالبان هنا اختبارًا متكررًا: مدى قدرتها واستعدادها لتقديم ضمانات عملية بشأن التهديدات العابرة للحدود. وتبقى قيمة هذه الضمانات مرتبطة بالسلوك القابل للرصد، لا بصياغتها السياسية وحدها.
أهمية أفغانستان لا تعني اتساع نفوذ طالبان بالقدر نفسه
تؤكد الزيارتان أن أفغانستان حاضرة في الحسابات الأمنية الإقليمية. لكن الاهتمام الخارجي بها قد ينشأ من المخاطر التي يخشى الآخرون انتقالها منها أو إليها، بقدر ما ينشأ من فرص التعاون معها.
ولهذا ينبغي التمييز بين أهمية البلد، والحاجة إلى التواصل مع سلطته القائمة، وقدرة تلك السلطة على فرض شروطها. فقد تستقبل طالبان مسؤولين رفيعي المستوى، بينما تبقى مقيدة بالضعف الاقتصادي والحاجة إلى التجارة والمساعدات والعلاقات الخارجية.
مع ذلك، تمنحها كثافة الاتصالات مكسبًا سياسيًا محتملًا؛ إذ تستطيع تقديم نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه. والتحدي هو تحويل هذا الحضور إلى نتائج تفيد السكان، بدل الاكتفاء باستثماره لإظهار القبول الخارجي.
أما الدول الزائرة فتواجه اختبارًا مقابلًا: أن يؤدي الانخراط إلى تقليل المخاطر وتحسين التعاون، من دون أن يصبح مجرد توسيع للعلاقات لا تقابله استجابة للملفات التي دفعت إلى التحرك.
ما الذي سيحدد قيمة الزيارتين؟
لن تتضح النتائج من صور الاجتماعات أو العبارات العامة عن تعزيز العلاقات. وستظهر بصورة أدق في استئناف مسار تفاوضي مع باكستان، أو إجراءات لتسهيل التجارة، أو آليات أمنية معلنة، أو تغيرات قابلة للتحقق في معالجة التهديدات.
وفي غياب ذلك، تبقى القراءة الأكثر اتزانًا أن تركيا وقطر تتحركان لإبقاء قنوات التأثير مفتوحة وسط أزمات متداخلة، وأن طالبان تسعى إلى الاستفادة من الحاجة الإقليمية إلى التواصل معها مع تجنب كلفة الانحياز الكامل.
تكشف الزيارتان حدود عزل أفغانستان عن محيطها، لكنهما لا تحسمان شكل اندماجها فيه. فالفارق بين أن تكون كابول محطة لتبادل الرسائل وأن تصبح شريكًا موثوقًا يتحدد بقدرة سلطتها على تنفيذ التفاهمات، وإدارة العلاقات المتعارضة، ومنع تحوّل هشاشتها الداخلية إلى مصدر دائم للقلق الإقليمي.

