عادت الغارات الجوية الباكستانية إلى الأجواء الأفغانية، في جولة جديدة من التصعيد بين كابل وإسلام آباد، مع تسجيل ضربات في ولايتي بكتيكا وكونر، وسط تقارير محلية عن سقوط قتلى وجرحى وأضرار في منشآت مدنية.
وبحسب مصادر محلية، نفذت طائرات باكستانية، فجر اليوم، غارتين في منطقتي «رخه» و«توركندي» بمديرية برمل في ولاية بكتيكا، جنوب شرقي أفغانستان. وأفادت المعلومات الأولية بأن إحدى الغارتين استهدفت منزلًا خاليًا، فيما أصابت الثانية متجرًا قديمًا، من دون تسجيل خسائر بشرية في الموقعين وفق المعطيات المتاحة حتى الآن.
وفي ولاية كونر، أفادت السلطات المحلية بأن غارة جوية استهدفت منطقة في مديرية نورغل، ما أدى، وفق الرواية المحلية، إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين، إضافة إلى تدمير منزل بالكامل.
وتأتي هذه الضربات في ظل تصاعد متواصل في التوتر الأمني بين البلدين، خصوصًا على امتداد المناطق الحدودية المحاذية لخط «ديوراند»، حيث تكررت خلال الأشهر الماضية الاشتباكات والضربات المتبادلة والاتهامات بشأن نشاط الجماعات المسلحة عبر الحدود.
سجل متزايد للضحايا المدنيين
وتعيد الغارات الأخيرة إلى الواجهة مسألة الخسائر المدنية الناتجة عن العمليات العسكرية الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية.
ففي 29 يونيو/حزيران الماضي، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان «يوناما» أنها تحققت من مقتل ما لا يقل عن 28 مدنيًا وإصابة 49 آخرين في غارات نفذت في ولايات بكتيكا وبكتيا وكونر في 28 يونيو، مشيرة إلى أن النساء والأطفال كانوا من بين الضحايا. كما دعت إلى الالتزام بمبادئ القانون الدولي الإنساني، ولا سيما التمييز والاحتياط والتناسب وحماية المدنيين.
وتتباين روايات الطرفين بشأن طبيعة الأهداف. فإسلام آباد تقول إن عملياتها تستهدف جماعات مسلحة ومواقع تستخدم، بحسب روايتها، لشن هجمات داخل الأراضي الباكستانية، فيما تنفي السلطات الأفغانية الاتهامات المتعلقة باستخدام أراضيها قاعدة لشن هجمات على باكستان، وتعتبر الضربات انتهاكًا لسيادتها.
من الحدود إلى العمق الأفغاني
لم يعد التوتر بين البلدين محصورًا في الاشتباكات على الخط الحدودي. فتنفيذ ضربات جوية داخل الأراضي الأفغانية ينقل المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه اعتبارات الأمن الحدودي مع قضايا السيادة ومكافحة الجماعات المسلحة وحماية السكان المدنيين.
وتكتسب المناطق المحاذية لخط «ديوراند» أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها أكثر المناطق تعرضًا لتداعيات الخلاف الأمني بين البلدين. وقد شهدت ولايات بكتيكا وكونر وخوست وننغرهار وغيرها حوادث متكررة مرتبطة بالتوتر الحدودي والنشاط العسكري.
وفي يونيو/حزيران الماضي، أكدت الأمم المتحدة سقوط عشرات المدنيين في غارات باكستانية على ثلاث ولايات أفغانية، بينما أعلنت باكستان أن قواتها استهدفت مواقع لمسلحين. ويعكس هذا التباين استمرار الفجوة بين روايتي الطرفين بشأن طبيعة التهديدات وأهداف العمليات العسكرية
معادلة أمنية تتجه نحو مزيد من التعقيد
تأتي الضربات الجديدة في وقت تشهد فيه العلاقات الأفغانية ـ الباكستانية توترًا متراكمًا، تغذيه اتهامات متبادلة بشأن نشاط الجماعات المسلحة، فضلًا عن الخلافات المرتبطة بالحدود وخط «ديوراند».
وتقول باكستان إن استمرار الهجمات المسلحة داخل أراضيها يمنحها مبررًا للتحرك ضد ما تصفه بمراكز ومخابئ للمسلحين داخل أفغانستان، بينما ترفض كابل هذه المقاربة وتعتبرها تجاوزًا لسيادتها.
وبذلك، تتشكل تدريجيًا معادلة أمنية أكثر تعقيدًا: هجمات مسلحة داخل باكستان، اتهامات بوجود ملاذات للمسلحين داخل أفغانستان، ردود عسكرية باكستانية عبر الحدود، ثم احتجاجات أفغانية وتحذيرات بشأن السيادة وسقوط ضحايا مدنيين.
خطر اتساع دائرة التصعيد
تكمن الخطورة في أن يتحول هذا النمط من العمليات من ضربات متفرقة إلى مسار متكرر من العمل العسكري عبر الحدود، بما قد يوسع دائرة المواجهة ويزيد الضغط على السكان في الولايات الشرقية والجنوبية الشرقية لأفغانستان.
ومع استمرار الضربات الجوية والاشتباكات الحدودية، يبقى التحدي الأساسي أمام الطرفين هو منع انتقال الخلاف من مستوى أمني قابل للاحتواء إلى مواجهة أوسع تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والحدودية والسياسية.
أما بالنسبة للسكان في المناطق الحدودية، فإن استمرار هذا المسار يعني ارتفاع مخاطر النزوح والخسائر البشرية والأضرار في الممتلكات المدنية، خصوصًا إذا استمرت العمليات العسكرية داخل مناطق مأهولة.
وفي ظل غياب آلية مستقرة لمعالجة الخلافات الأمنية بين كابل وإسلام آباد، فإن خط «ديوراند» لا يبدو مجرد خط حدودي في المشهد الحالي، بل أصبح أحد أبرز مسارح التوتر الإقليمي الذي تتقاطع عنده قضايا الأمن والسيادة وحماية المدنيين.

