خاص بالملف الأفغاني
تواجه جماعات المعارضة المسلحة في أفغانستان صعوبة في تحويل نشاطها العسكري إلى تحدٍّ فعلي لسلطة طالبان، في ظل تفوق الحركة في القوة والتنظيم والموارد، واستمرار الانقسامات بين خصومها وغياب رؤية سياسية مشتركة تجمعهم. ورغم الهجمات التي تعلنها جبهات معارضة في مناطق مختلفة، لم تتمكن هذه الجماعات من فرض سيطرة جغرافية مستدامة أو إحداث تحول ملموس في موازين القوى.
وتكشف المواجهة عن فجوة تتجاوز الإمكانات العسكرية؛ فطالبان تستند إلى قيادة مركزية وأجهزة أمنية وموارد الدولة، بينما تتحرك المعارضة عبر تشكيلات متعددة، تلتقي على رفض حكم الحركة، لكنها لا تقدم مشروعاً موحداً بشأن البديل السياسي أو كيفية الوصول إليه.
طالبان تحتفظ بعناصر القوة
تمنح السيطرة على مؤسسات الدولة ومراكز الولايات والطرق الرئيسية طالبان أفضلية واضحة في مواجهة خصومها. وتتيح لها هذه السيطرة حشد القوات ونقل التعزيزات وتوفير الإمدادات، فيما تواجه جماعات المعارضة صعوبات في تأمين موارد مستقرة والحفاظ على وجود ميداني متصل.
وتستفيد الحركة كذلك من خبرة قتالية راكمتها خلال سنوات طويلة، ومن معرفتها بأساليب حرب العصابات التي تعتمد عليها بعض الجبهات المعارضة. ويضاف إلى ذلك امتلاكها معدات عسكرية آلت إليها بعد انهيار الحكومة السابقة، وشبكات أمنية تساعدها على مراقبة تحركات خصومها وملاحقتهم.
ولا تمنع هذه القدرات وقوع هجمات أو خسائر في صفوف طالبان، لكنها تمنحها قدرة أكبر على احتواء آثارها ومنع تحولها إلى تهديد مستمر لسيطرتها.
هجمات لا تتحول إلى مكاسب ثابتة
يتركز جانب كبير من نشاط المعارضة على هجمات محدودة ضد نقاط تفتيش ومقار أمنية وأفراد ومسؤولين في الحركة، إلى جانب محاولات للاشتباك والسيطرة المؤقتة على مواقع، خصوصاً في شمال البلاد.
وقد تتيح هذه العمليات للمعارضة إثبات استمرار حضورها وإرباك القوات المحلية، لكنها لم تتحول إلى مناطق نفوذ مستقرة تستطيع من خلالها إدارة السكان أو تأمين خطوط إمداد دائمة.
كما أن تعدد البيانات التي تعلن تنفيذ هجمات لا يكفي وحده لقياس القوة الفعلية للجبهات، خصوصاً مع صعوبة التحقق المستقل من بعض الحصائل وتضارب روايات الأطراف. ويبقى الاحتفاظ بالمواقع واستمرار التنظيم والقدرة على تعويض الخسائر مؤشرات أكثر دلالة من عدد العمليات المعلنة.
جبهات متفرقة وقيادة غائبة
تبرز جبهة المعارضة الوطنية وجبهة تحرير أفغانستان بين التشكيلات المسلحة المناوئة لطالبان، إلى جانب مجموعات أصغر تختلف في قياداتها ومناطق نشاطها وارتباطاتها السياسية.
لكن هذا التعدد لم ينتج قيادة مشتركة أو استراتيجية متفقاً عليها. وتظل قدرة الجبهات على تنسيق عملياتها وتجميع مواردها محدودة، ما يتيح لطالبان التعامل مع تهديدات متفرقة بدلاً من مواجهة قوة موحدة.
ويزيد الاعتماد على قواعد محلية ومناطقية من صعوبة بناء حضور وطني واسع. كما تؤثر الخلافات السياسية وتباين الأولويات في فرص التقارب بين التشكيلات، وتضعف قدرتها على تقديم نفسها بديلاً متماسكاً.
رفض طالبان لا يشكل برنامجاً للحكم
تتمثل إحدى أبرز مشكلات المعارضة في غياب رؤية سياسية مشتركة ومعلنة تحظى بتوافق جبهاتها الرئيسية. فالموقف الرافض لحكم طالبان لا يصاحبه اتفاق واضح على طبيعة النظام المنشود، أو قواعد انتقال السلطة، أو ضمانات تمثيل مكونات المجتمع.
ولا يعني ذلك غياب التصورات لدى كل طرف على حدة، بل عدم تحولها إلى برنامج جامع يمكن عرضه على الأفغان بوصفه بديلاً قابلاً للتطبيق.
ويترك هذا الفراغ أسئلة أساسية من دون إجابات مشتركة، تتعلق بإدارة الدولة وتوزيع الصلاحيات وحماية الحقوق ومعالجة الخلافات بين القوى التي تسعى إلى تغيير الحكم. كما يحد من قدرة المعارضة على توسيع التأييد الشعبي وكسب ثقة الأطراف الخارجية.
تفوق مستمر وتسوية غائبة
لا تخلو طالبان من خلافات داخلية وتحديات أمنية، لكن المعارضة لم تتمكن من استثمارها بما يغير ميزان المواجهة. وفي المقابل، تواصل الحركة الاستفادة من تماسك بنيتها القيادية وقدرتها على الجمع بين الضغط الأمني والتفاوض لاحتواء بؤر التوتر.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى استمرار تفوق طالبان الاحتمال الأرجح في المدى المنظور، مع بقاء نشاط مسلح متقطع للمعارضة. فتغيير هذا التوازن يتطلب من خصوم الحركة معالجة تشتتهم وبناء قاعدة اجتماعية أوسع وصياغة مشروع سياسي مشترك؛ وهي متطلبات لم تنجح العمليات العسكرية وحدها في تحقيقها.

