تدفع أحداث نورستان العلاقات الأفغانية الباكستانية نحو مرحلة أشد خطورة، يتسع فيها تبادل الاتهامات من إيواء الجماعات المسلحة إلى اتهام مؤسسات الدولة بتجنيدها وتدريبها وتوجيهها. والتقدير الأرجح خلال الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة هو استمرار المواجهات المتقطعة والضغط الأمني والدبلوماسي، مع بقاء قنوات الوساطة مفتوحة. أما التسوية المستقرة فتبدو أصعب من التوصل إلى تهدئة مؤقتة، لأن الخلاف يتعلق بمن يتحمل مسؤولية العنف وكيف يمكن التحقق من وقف دعمه.
هذا ترجيح تحليلي، وليس نتيجة محسومة؛ فحادثة كبيرة توقع خسائر واسعة، أو تقديم أدلة قابلة للتحقق على تورط رسمي في عمليات عابرة للحدود، قد يغيّران حسابات الطرفين سريعًا.
ما الذي غيّرته أحداث نورستان؟
أعلنت وزارة الدفاع الأفغانية، في 27 سبتمبر/أيلول، مقتل 28 مسلحًا وأسر 32 آخرين في مديرية كامديش بولاية نورستان، وقالت إنهم عبروا من باكستان، وإن بينهم عناصر مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية. وتبقى الأعداد والانتماءات المعلنة منسوبة إلى الجانب الأفغاني.
وفي 29 سبتمبر/أيلول، استدعت الخارجية الأفغانية القائم بأعمال السفارة الباكستانية وسلّمته مذكرة احتجاج. واتهمت الجيش الباكستاني بدعم محاولة العبور وتوجيهها، وبتوفير مراكز لاستقطاب المسلحين وتنظيمهم وتدريبهم وتجهيزهم داخل مناطق خاضعة لسيطرته.
في المقابل، رفضت وزارة الإعلام الباكستانية الاتهامات، ونفت تورط قواتها أو أجهزتها الاستخباراتية في أحداث نورستان، وكذلك تجنيد عسكريين أفغان سابقين أو تدريبهم أو تسهيل نشاط تنظيم الدولة وغيره من الجماعات داخل أفغانستان.
إذًا، نحن أمام اتهام رسمي مباشر ونفي رسمي مقابل. أما مسؤولية إدارة عملية التجنيد والتسلل، فتظل بحاجة إلى أدلة مستقلة تتجاوز بيانات الطرفين.
وتأتي الحادثة في سياق تصعيد قائم بالفعل؛ فقد شهد سبتمبر/أيلول ضربات جوية باكستانية داخل أفغانستان واشتباكات حدودية، وسط روايات متعارضة بشأن المسؤولية والخسائر. وهذا يجعل السؤال متعلقًا بمدى اتساع المواجهة وقدرة الطرفين على ضبطها.
من يتحمل مسؤولية الجماعات المسلحة؟
تتمثل العقدة الأساسية في أن كل طرف يقدّم نفسه بوصفه المتضرر من نشاط مسلح ينطلق من أراضي الطرف الآخر. فإسلام آباد تتهم كابل بإيواء حركة طالبان باكستان، بينما تنفي السلطات الأفغانية السماح باستخدام أراضيها لمهاجمة دول أخرى. وحركة طالبان باكستان تنظيم منفصل عن طالبان الأفغانية، رغم الروابط بينهما.
وتتيح قضية نورستان لكابل تقديم اتهام مضاد: أن مصدر التهديد داخل أفغانستان مرتبط، وفق روايتها، بعمليات منظمة على الجانب الباكستاني.
سياسيًا، قد تستخدم كابل هذا الملف لمطالبة الوسطاء بمعالجة التزامات البلدين معًا، بحيث تشمل أي ترتيبات أمنية منع التجنيد والتدريب والتسلل في الاتجاهين. لكن تبادل الاتهامات يحمل خطرًا آخر: أن يصبح كل هجوم مبررًا لرد عسكري، من دون اتفاق على جهة تتحقق من مصدره أو المسؤولين عنه.
ماذا تثبت شهادات المجنّدين؟
تتضمن المقابلات الثلاث المقدمة لهذا التقرير تفاصيل عن استقطاب أفغان في إيران بوعود مالية، ونقلهم إلى باكستان، وإيوائهم وتسليحهم، فيما يصف اثنان منهم تدريبًا تلقياه هناك. وتورد إحدى الشهادات استخدام مركبات قيل إنها تابعة للجيش الباكستاني.
تصلح هذه الإفادات نقطة انطلاق للتحقيق في أسماء الوسطاء، ومواقع المعسكرات، ووسائل النقل والتمويل. لكنها لا تثبت بمفردها صدور أوامر من قيادة عسكرية أو سياسية باكستانية، كما لا تثبت انتماء أصحابها إلى تنظيم الدولة، أو ارتباطهم المباشر بحادثة كامديش الأخيرة.
وتزداد أهمية هذا التحفظ مع غياب تواريخ المقابلات وظروف إجرائها، وقول اثنين من المتحدثين إنهما سلّما نفسيهما إلى القوات الأفغانية. كذلك، فإن بدء الاستقطاب في إيران لا يثبت تورط السلطات الإيرانية.
وتعتمد القيمة السياسية المقبلة لهذا الملف على قدرة كابل على إسناد الشهادات بوثائق واتصالات وسجلات أو معلومات يمكن التحقق منها. كلما اتسعت الأدلة المستقلة، زادت قدرتها على تحويل الاتهام إلى ضغط دبلوماسي مؤثر.
الردع قد يوسّع المواجهة
يمكن قراءة سلوك الطرفين باعتباره محاولة لرفع كلفة تصرفات الطرف الآخر. فإسلام آباد تريد إجراءات أفغانية تمنع الهجمات التي تتهم طالبان باكستان بتنفيذها انطلاقًا من الأراضي الأفغانية، بينما تريد كابل وقف الضربات والتدخلات التي تعدّها انتهاكًا لسيادتها.
لكن هذه الحسابات قد تنتج أثرًا معاكسًا: فالضربات الخارجية قد تزيد صعوبة تقديم تنازلات علنية بالنسبة إلى كابل، كما أن استمرار الهجمات داخل باكستان قد يدفع إسلام آباد إلى تشديد مطالبها واستخدام القوة مجددًا.
ويضيف إدخال تنظيم الدولة إلى الاتهام الأفغاني حساسية خاصة؛ لأنه يرفع الكلفة السياسية والأمنية للاتهام. ومع ذلك، فإن خطورته تستوجب مستوى أعلى من الإثبات، ولا تجعل صحته أمرًا مفروغًا منه.
ثلاثة مسارات محتملة
المسار الأرجح: تصعيد متقطع تتخلله وساطات.
تستمر الاشتباكات والضربات المحدودة والاحتجاجات الدبلوماسية، ثم تتدخل قنوات الوساطة لمنع توسع كل جولة. يرجّح هذا المسار استمرار الخلاف الأمني، إلى جانب وجود سوابق للتفاوض حتى أثناء المواجهة. ومشكلته أن كل تهدئة تبقى عرضة للانهيار مع الهجوم التالي.
المسار الأخطر: اتساع المواجهة المباشرة.
قد تدفع عملية كبيرة ذات خسائر مرتفعة أحد الطرفين إلى رد أوسع، يعقبه رد مقابل. ولا يتطلب هذا السيناريو قرارًا مسبقًا بحرب طويلة؛ فقد ينشأ من سوء تقدير حدود تحمل الطرف الآخر، أو من فشل الاتصالات في احتواء حادث حدودي. وتتمثل علاماته في اتساع نطاق الضربات، واستمرارها، وتراجع قنوات الاتصال، وارتفاع الخسائر المدنية.
المسار الأقل ترجيحًا قريبًا: تفاهم أمني قابل للتحقق.
يمكن التوصل إلى تهدئة أكثر صلابة إذا انتقل التفاوض من التعهدات العامة إلى إجراءات محددة: تبادل معلومات عن الحوادث، والتحقق من مواقع وأنشطة الجماعات المتهمة، وتفعيل اتصال عسكري عاجل، ووضع آلية لمتابعة الخروقات.
ولهذا المسار أساس دبلوماسي سابق؛ فقد نص بيان محادثات إسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2025 على آلية للمراقبة والتحقق، كما رحبت باكستان لاحقًا بالدور الصيني في توفير منصة للحوار. لكن الاتفاق على آلية لا يعني أنها أصبحت فعالة أو قادرة على منع التصعيد.
أين تقف فرص التهدئة؟
تملك الوساطات فرصة لمنع اتساع المواجهة، لكن قدرتها على إنتاج تسوية ستظل محدودة ما لم تعالج الخلاف حول الأدلة والمسؤولية. وقد أشارت الخارجية الباكستانية، في سبتمبر/أيلول، إلى الدور البنّاء لقطر وتركيا في الوساطة، بما يدل على أن المجال الدبلوماسي لم يُغلق.
والصيغة الأكثر قابلية للعمل هي التزامات متبادلة قابلة للقياس، تتيح لكابل تأكيد حماية سيادتها، وتتيح لإسلام آباد إظهار نتائج أمنية. أما الاكتفاء بتبادل مطالب قصوى ونفي شامل، فيُبقي الوسطاء في موقع احتواء الأزمات بعد وقوعها.
علاقة مفتوحة على المواجهة والتفاوض
تشير أحداث نورستان إلى تعمّق أزمة الثقة بين كابل وإسلام آباد. والتوقع الأقرب هو بقاء العلاقة في حالة خصومة أمنية حادة، تتعايش فيها المواجهات مع الاتصالات، وتؤجل فيها الوساطات الانفجار الأوسع من دون إزالة أسبابه.
وستتحدد وجهتها المقبلة بثلاثة مؤشرات: هل تقدم كابل أدلة مستقلة على اتهاماتها؟ وهل يتسع نطاق العمليات العسكرية؟ وهل ينتج التفاوض آلية فعلية للتحقق من الخروقات؟
إذا بقيت الإجابة عن السؤال الأخير سلبية، فستظل كل حادثة حدودية مرشحة لإشعال جولة جديدة، وسيبقى ما جرى في نورستان جزءًا من أزمة تتكرر، بدل أن يصبح مدخلًا لمعالجتها.

