عبد الكريم مصطفى
تواصل الهند تعزيز انخراطها في الملف الأفغاني عبر المساعدات الإنسانية والتعليم والتواصل الدبلوماسي، في مسار يمنح كابل فرصاً لتوسيع شراكاتها وتنويع خياراتها الاقتصادية. ويكتسب هذا التقارب أهمية متزايدة مع تصاعد التوتر بين السلطات الأفغانية وباكستان، وما يرافقه من اضطراب التجارة وإغلاق المعابر وارتفاع تكاليف النقل.
ويعكس اللقاء بين فيكرام ميسري ورباب فاطمة، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، استمرار اهتمام نيودلهي بأفغانستان. وبحسب الخارجية الهندية، أكد ميسري ضرورة مواصلة الاستجابة الدولية للاحتياجات الإنسانية للأفغان، ودعم دور بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان «يوناما».
وتبرز أهمية هذا التواصل في ظل ضغوط متراكمة على المجتمع الأفغاني، تشمل تراجع المساعدات الخارجية والصعوبات الاقتصادية والعودة الواسعة للاجئين. وتضاف إليها تداعيات الخلاف مع إسلام آباد، التي تتجاوز الجانب الأمني إلى سلاسل الإمداد وأسعار السلع وقدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق.
علاقات تحافظ على الاستمرارية
منذ أغسطس/آب 2021، سعت الهند إلى الحفاظ على صلاتها بالشعب الأفغاني، مستندة إلى علاقات تاريخية وبرامج تعاون في مجالات الصحة والتعليم والتدريب. وقد شكّلت هذه المجالات قنوات لاستمرار العلاقة رغم التحولات السياسية والتحديات المحيطة بالتعامل مع السلطات الجديدة.
وشملت المساعدات الهندية شحنات من القمح والأدوية والمعدات الصحية. ووفق البيانات الحكومية الواردة في التقارير الهندية، تعهدت نيودلهي بتقديم خمسين ألف طن من القمح، سُلّم منها أربعون ألف طن بحلول أغسطس/آب 2022.
وفي التعليم، أتاحت الهند، منذ عام 2023، منحاً دراسية عبر الإنترنت لنحو ألفي طالب أفغاني، بينهم 580 فتاة، إلى جانب مواصلة برامج التدريب الزراعي وبناء القدرات.
وتمنح هذه المبادرات العلاقات الأفغانية الهندية بعداً مجتمعياً طويل الأمد. فالتعاون في التعليم والعلاج والزراعة يحافظ على التواصل بين البلدين، ويتيح تطوير مصالح مشتركة تتجاوز المساعدات الطارئة.
حضور عبر المؤسسات الدولية
إلى جانب التعاون المباشر، توظف نيودلهي مشاركتها في الأطر الدولية لإبقاء احتياجات أفغانستان ضمن النقاش الدبلوماسي. ويتيح دعم «يوناما» والتعاون مع الأمم المتحدة معالجة جوانب من الأزمة الأفغانية في سياق أوسع من العلاقات الثنائية والتنافس الإقليمي.
وتبرز هنا مشاركة الهند في رئاسة «مجموعة أصدقاء الدول غير الساحلية»، التي تهتم بتقليل عوائق العبور وتطوير البنية التحتية وتحسين الوصول إلى الأسواق العالمية.
وتكتسب هذه القضايا أهمية خاصة لأفغانستان، التي يعتمد اتصالها التجاري بالعالم على الدول المجاورة. فاستقرار اقتصادها يحتاج، إلى جانب المساعدات، إلى طرق نقل منتظمة ومتعددة، وتكاليف عبور يمكن للتجار والمنتجين تحملها.
ومن هذا المنظور، تستطيع الهند الإسهام في دعم ترتيبات دولية وإقليمية تقلل تأثر حركة التجارة بالتوترات السياسية. لكن تحويل هذا الدور إلى نتائج ملموسة يظل مرتبطاً بتعاون دول العبور والمؤسسات الدولية.
تشابهار وتنويع المنافذ
أظهرت الأزمات الحدودية مع باكستان مخاطر الاعتماد على عدد محدود من المسارات التجارية. فعندما تتوقف حركة الشحن، يتحمل المزارعون والتجار والمستهلكون كلفة التأخير والتلف وارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، يبرز ميناء تشابهار الإيراني بوصفه أحد الخيارات التي دعمت الهند تطويرها لتسهيل اتصال أفغانستان بالأسواق الإقليمية. وقد وفر الاتفاق الثلاثي بين الهند وإيران وأفغانستان إطاراً للتعاون في هذا المجال.
وتكمن القيمة الاقتصادية للميناء في إضافة مسار تجاري يوسّع خيارات كابل. فتعدد المنافذ يمكن أن يقلل تعرض الاقتصاد الأفغاني للاضطرابات على طريق بعينه، ويمنح التجار مرونة أكبر في نقل بضائعهم.
غير أن الاستفادة من هذا الخيار ترتبط بقدرة البنية التحتية وكلفة الشحن والقيود المالية والظروف الأمنية. لذلك، يصعب افتراض أن تشابهار قادر على تعويض جميع المسارات الأخرى في المدى القريب.
حدود الدور الهندي
يفتح تحسن العلاقات مع الهند مجالاً أوسع أمام الدبلوماسية الأفغانية، لكنه لا يوفر حلاً تلقائياً للخلاف مع باكستان. كما أن مشاركة نيودلهي في الأطر الأممية لا تعني بالضرورة نشوء ضغط دولي مباشر على إسلام آباد.
وقد يسهم تنويع طرق التجارة في تقليل اعتماد أفغانستان على منفذ محدد، بما يؤثر تدريجياً في حساباتها الاقتصادية وعلاقاتها الإقليمية. إلا أن إدارة الخلافات الحدودية والأمنية تتطلب حواراً بين كابل وإسلام آباد، وجهوداً إقليمية ودولية مساندة.
وتقتضي هذه المعادلة تجنب تحويل احتياجات الأفغان إلى امتداد للتنافس الهندي الباكستاني. فاستدامة التعاون ترتبط بقدرته على تحسين حياة السكان، وتسهيل التجارة، وتوفير فرص التعليم والعلاج والعمل.
يتجلى التقارب الأفغاني الهندي، حتى الآن، في استمرارية التواصل وتعدد مجالات التعاون. أما انتقاله إلى شراكة أوسع، فسيُقاس بقدرته على تحويل هذا الحضور الدبلوماسي إلى منافع عملية، تمنح أفغانستان خيارات أكثر استقراراً واتصالاً بمحيطها.

