ياسر داود
بعد خمس سنوات على عودتها إلى السلطة في أغسطس/آب 2021، نجحت حركة طالبان في توسيع علاقاتها الخارجية وتثبيت حضورها الدبلوماسي، من دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات التي طالما ربط المجتمع الدولي الانفتاح عليها بإحراز تقدم فيها، وفي مقدمتها حقوق النساء والفتيات والعلاقات مع الجماعات المسلحة.
ويرى تحليل صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن الحركة استطاعت تحويل الاتصالات الأولية مع الدول إلى علاقات أكثر انتظاماً، شملت قبول دبلوماسيين يمثلونها، وتأسيس آليات تعاون، وإبرام اتفاقيات اقتصادية وأمنية. وتُوّج هذا المسار باعتراف روسيا رسمياً بحكومتها في يوليو/تموز 2025.
غير أن هذه المكاسب لم تُنهِ حاجة كابل إلى التمويل والاستثمارات والانفتاح المالي. ومن هنا، يجادل التحليل بأن واشنطن ما تزال تمتلك أدوات للتأثير، شريطة توظيفها ضمن سياسة واضحة تربط توسيع العلاقات بخطوات محددة يمكن التحقق منها.
من توسيع الاتصالات إلى ترسيخ العلاقات
يستند التحليل إلى بيانات عن الأنشطة الدبلوماسية التي أعلنتها طالبان خلال الفترة من 15 أغسطس/آب 2021 إلى 15 أغسطس/آب 2026. وبحسب هذه البيانات، سجّلت الحركة 3651 لقاءً وتفاعلاً دبلوماسياً مع 103 دول وكيانات.
وارتفع عدد التفاعلات من 387 في السنة الأولى إلى 952 في السنة الثالثة، قبل أن يبلغ 844 في السنة الخامسة. ويشير هذا المسار، وفق قراءة التحليل، إلى انتقال دبلوماسية طالبان من مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة تثبيت العلاقات وتعميقها.
ويدعم هذا الاستنتاج تراجع عدد الشركاء الجدد، بالتزامن مع تنامي حضور القنصليات واللجان المشتركة ومجالس الأعمال في تقارير الحركة. فقد ارتفعت نسبة الإشارات إلى القنصليات من 2 في المئة في السنة الأولى إلى 14 في المئة في السنة الخامسة، وظهرت آليات تعاون دائمة مع دول في آسيا الوسطى.
ومع ذلك، تعكس هذه الأرقام الأنشطة المعلنة في تقارير طالبان؛ فهي تقيس وتيرة التواصل، ولا تكفي بمفردها لتحديد مستوى الاعتراف السياسي أو حجم الاتفاقيات المنفّذة فعلياً.
الجغرافيا والمصالح تعيدان ترتيب الشركاء
تصدّرت إيران قائمة شركاء طالبان من حيث عدد التفاعلات الدبلوماسية خلال السنوات الخمس، بواقع 494 تفاعلاً، تلتها الصين بـ432، ثم تركيا بـ394، وقطر بـ347، وأوزبكستان بـ316.
كما اتسع التواصل مع الهند، فيما شهدت العلاقة مع باكستان تراجعاً حاداً على خلفية التوترات الأمنية. ووفق البيانات الواردة في التحليل، انخفضت التفاعلات مع إسلام آباد من 86 في السنة الرابعة إلى 33 في السنة الخامسة.
وتكشف هذه التحولات أن العلاقات مع كابول تحكمها، بدرجة كبيرة، اعتبارات الجوار وأمن الحدود والتجارة والعبور والموارد، أكثر مما يحكمها التقارب الأيديولوجي.
في المقابل، تراجعت حصة الدول الغربية من إجمالي التفاعلات الدبلوماسية المعلنة لطالبان من نحو 16 في المئة في السنة الأولى إلى 5 في المئة في السنة الخامسة. ويربط التحليل هذا التراجع بتقليص الانخراط الغربي عقب القيود التي فرضتها الحركة على تعليم النساء والفتيات وعملهن.
ويرى أن أحد تداعيات هذا الانحسار تمثّل في تراجع حضور الأولويات الغربية في الاتصالات مع كابول، مقابل تقدّم ملفات التجارة والاستثمار والتعاون الإقليمي.
لكن انخفاض الإشارات إلى حقوق النساء أو مكافحة الإرهاب في البيانات المنشورة لا يعني بالضرورة غيابها عن المحادثات المغلقة؛ بل يوضح حدود ما تكشفه المصادر المعتمدة في الدراسة.
انفتاح دبلوماسي لا يبدّد الأزمة الاقتصادية
شكّل الاعتراف الروسي خطوة بارزة في مسار طالبان نحو توسيع قبولها الدولي. وبالتوازي، عزّزت الحركة وجودها الدبلوماسي في دول الخليج وتركيا وآسيا الوسطى، من دون أن يقترن ذلك بالضرورة باعتراف رسمي بحكومتها.
ويورد التحليل اتفاقيات وتعهدات اقتصادية في قطاعات الطاقة والنقل وإدارة المعابر والاستثمار، من بينها مشروع خط أنابيب الغاز بين تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند «تابي»، ومشروعات مرتبطة بالإمارات وكازاخستان.
غير أن الاتفاقيات المعلنة والتعهدات الاستثمارية لا تعادل تلقائياً تدفقات مالية فعلية. فرغم اتساع شبكة العلاقات، ما تزال أفغانستان تواجه احتياجات إنسانية واسعة، وضغوطاً ناجمة عن عودة أعداد كبيرة من اللاجئين، وتعطّل التجارة عبر الحدود، واستمرار تجميد احتياطيات مالية خارج البلاد.
وفي هذا السياق، يقرأ التحليل دعوة وزير خارجية طالبان، أمير خان متقي، الولايات المتحدة إلى إعادة فتح سفارتها والاستثمار في التعدين والسدود والطرق، باعتبارها محاولة للاستفادة من رأس المال الأمريكي لسد فجوات لم تعالجها الشراكات الإقليمية.
اتصالات أمريكية تفتقر إلى إطار شامل
ينتقد التحليل طريقة إدارة واشنطن اتصالاتها الأخيرة مع طالبان، معتبراً أنها انحصرت إلى حد كبير في ملفات محددة، أبرزها إطلاق سراح أمريكيين محتجزين.
ورغم أن هذه الاتصالات أسهمت في الإفراج عن بعض المحتجزين، فإنها، وفق تقييمه، لم تتحول إلى مسار تفاوضي مستدام يربط مطالب الطرفين بالتزامات واضحة في قضايا مكافحة الإرهاب والخدمات القنصلية وحقوق النساء.
وتكمن المشكلة، بحسب هذه القراءة، في غياب جدول أعمال متفق عليه وآلية لمتابعة التعهدات وقياس تنفيذها. فواشنطن تطرح مطالب أمنية وسياسية، بينما تسعى كابول إلى توسيع الحضور الدبلوماسي والاستثمارات، من دون إطار يحدد خطوات متبادلة قابلة للتنفيذ.
المقارنة السورية وحدودها
يستعين التحليل بالحالة السورية للمقارنة بين مسارين مختلفين للانفتاح الدولي. ووفق الأرقام التي يوردها، سجّلت السلطات السورية الجديدة ما لا يقل عن أربعة آلاف تفاعل خارجي خلال نحو عشرين شهراً، مع حضور غربي وآسيوي أوسع من ذلك الذي حظيت به طالبان.
ويعزو التحليل هذا الفارق إلى طبيعة الرسائل والخطوات التي اتخذتها دمشق، وإلى وجود تنسيق أوضح بين الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين والأوروبيين في إدارة الانفتاح عليها.
وتتمثل الفكرة الأساسية لهذه المقارنة في أن التطبيع يمكن أن يسير بوتيرة أسرع عندما يرتبط بخطوات سياسية وأمنية محددة. ومع ذلك، فإن اختلاف السياقات الداخلية والإقليمية يحدّ من إمكان التعامل مع التجربتين باعتبارهما نموذجين متطابقين.
أدوات التأثير المتاحة لواشنطن
يقترح التحليل إعادة تنظيم السياسة الأمريكية تجاه أفغانستان حول حوافز تدريجية ومشروطة، بدلاً من الاتصالات المنفصلة أو الانفتاح غير المرتبط بالتزامات. وتتركز توصياته في ستة مسارات:
أولاً، توضيح شروط اعتماد ممثلي طالبان لدى الأمم المتحدة. يدعو التحليل واشنطن إلى إعلان معايير تتعلق بتعليم الفتيات وعمل النساء والتعامل مع المقاتلين الأجانب. والمقصود هنا تمثيل أفغانستان داخل المنظمة، وليس عضويتها القائمة، كما أن القرار يخضع لآليات أممية متعددة الأطراف.
ثانياً، تنظيم قناة اتصال دائمة عبر الدوحة. يقترح تعيين مبعوث أمريكي خاص وفريق يتابع ملفات المحتجزين والخدمات القنصلية ومكافحة الإرهاب والمخدرات، إلى جانب مناقشة مطالب كابول بشأن الحضور الدبلوماسي والاستثمار. ويشدد على أهمية رفع تقارير دورية إلى الكونغرس لضمان استمرارية هذا المسار.
ثالثاً، ربط التسهيلات المالية بنتائج قابلة للتحقق. يدعو إلى استخدام تراخيص محددة المدة والنطاق من وزارة الخزانة، وربط توسيع بعض الأنشطة الاقتصادية بخطوات موثقة في المجالات المستهدفة، مع الاحتفاظ بإمكان مراجعة التسهيلات أو سحبها عند عدم الالتزام.
رابعاً، توسيع التعاون مع آسيا الوسطى. يقترح توظيف إطار «الدول الخمس زائد الولايات المتحدة» لدعم مشروعات الربط الإقليمي، بما فيها السكك الحديدية والطاقة وتحديث الجمارك، وفق معايير للشفافية ومشاركة النساء.
خامساً، إعداد خريطة طريق معلنة. يوصي بتحديد ما يمكن أن تحصل عليه كابول في كل مرحلة، مقابل إجراءات واضحة في التعليم وعمل النساء والملفات الأمنية، والتنسيق بشأنها مع الدول المؤثرة في علاقات طالبان الخارجية.
سادساً، تعزيز مصادر المعلومات المستقلة. يدعو إلى تقارير دورية ورصد أكثر انتظاماً للمصادر المفتوحة، ودعم آليات الإبلاغ الأممية، بما يتيح تقييم الالتزامات بعيداً عن الاكتفاء بالبيانات الصادرة عن طالبان.
المكاسب الدبلوماسية واختبار المقابل
يخلص التحليل إلى أن طالبان نجحت في توظيف الوقت والمصالح الإقليمية لتوسيع علاقاتها، بينما ظل التغيير في سياساتها الداخلية والأمنية محدوداً قياساً إلى المكاسب التي حققتها.
إلا أن اتساع حضورها الخارجي لم يوفّر بعد حلولاً كافية لأزمتها الاقتصادية أو يحقق قبولاً دولياً شاملاً بحكومتها. وفي هذه المساحة، يرى المعهد أن واشنطن ما تزال قادرة على التأثير عبر مسار يوضح الحوافز المتاحة، والالتزامات المطلوبة، وآليات التحقق من تنفيذها.
وبذلك، يتمحور السؤال حول كيفية إدارة الانخراط مع كابول، ومدى القدرة على تحويله إلى نتائج ملموسة تتجاوز توسيع العلاقات الدبلوماسية وحده.

