الملف الأفغاني
يضع تنامي الاتصالات العسكرية بين موسكو وكابل روسيا أمام معادلة استراتيجية دقيقة: دعم قدرات السلطات الأفغانية في مواجهة تنظيم الدولة، مع تجنب تحوّل هذا الدعم إلى عامل يؤجج المواجهة بين أفغانستان وباكستان ويقوّض التقارب الروسي مع إسلام آباد.
وفي هذه المعادلة، لا يتوقف مستقبل التعاون على حجم المعدات التي قد تقدمها موسكو، بل على طبيعتها، وضوابط استخدامها، وقدرة الطرفين على الفصل بين احتياجات مكافحة التنظيم والتوترات على الحدود الأفغانية الباكستانية.
من صيانة المعدات إلى توسيع التعاون
أعلنت وزارة الدفاع الأفغانية مشاركة وفد رفيع المستوى في مناورات «مركز 2026» الروسية، مشيرة إلى اهتمامه بأساليب الحرب الحديثة، ولا سيما الطائرات المسيّرة والأنظمة الآلية.
وتأتي المشاركة في سياق تقارب عسكري تقني يتضمن، وفق نطاقه المعلن، إصلاح المعدات روسية الصنع. ورغم أن حضور المناورات لا يعني بالضرورة إبرام صفقات تسليح، فإنه يتيح للجانب الأفغاني الاطلاع على قدرات عسكرية جديدة، ويفتح المجال أمام اتصالات أوسع بشأن التدريب والصيانة والتجهيز.
أما التقارير التي تتحدث عن تمويل هندي لشراء طائرات مسيّرة بيلاروسية لصالح طالبان بموافقة روسية، فلا تزال غير مؤكدة، ولا تكفي للبناء عليها بوصفها دليلاً على وجود ترتيبات تسليح مشتركة.
مكافحة تنظيم الدولة بوصفها مصلحة مشتركة
يشكل التصدي لتنظيم الدولة أحد أبرز مجالات تقاطع المصالح بين موسكو وكابل. فمن منظور استراتيجي، يمكن لروسيا أن ترى في تحسين قدرات السلطات الأفغانية على الرصد وجمع المعلومات وسيلة للحد من مخاطر التنظيم وامتداد نشاطه خارج أفغانستان.
ويتيح هذا الهدف مساحة للتعاون في صيانة المعدات والتدريب وتوفير وسائل الاستطلاع والاتصال، من دون الانتقال بالضرورة إلى تزويد طالبان بأسلحة هجومية متقدمة.
لكن ارتباط التعاون بمكافحة الإرهاب لا يحسم مسألة استخدام المعدات لاحقاً؛ فالقدرات التي تساعد على تعقب خلايا التنظيم قد تُستخدم أيضاً لمراقبة الحدود أو دعم عمليات عسكرية في مواجهة أطراف أخرى. ومن ثم، تصبح متابعة الاستخدام النهائي عنصراً أساسياً في حسابات موسكو.
باكستان قيد استراتيجي على خيارات التسليح
يمثل التوتر الأفغاني الباكستاني عاملاً ضاغطاً على أي توسع محتمل في التعاون العسكري. فحصول القوات الأفغانية على طائرات مسيّرة مسلحة أو قدرات هجومية إضافية قد يُنظر إليه في إسلام آباد باعتباره تطوراً يمس أمنها، خصوصاً إذا استُخدمت هذه المعدات في مواجهات حدودية.
وقد تمنح تلك القدرات الجانب الأفغاني وسائل لزيادة كلفة العمليات الباكستانية، لكنها لا تضمن تغيير ميزان القوة، وقد تدفع في المقابل إلى تصعيد عسكري أوسع.
وبالنسبة إلى روسيا، فإن استخدام معدات تقدمها لكابل ضد باكستان قد يضع علاقاتها مع الطرفين تحت ضغط، ويثير تساؤلات بشأن حدود التزاماتها وقدرتها على ضبط وجهة الدعم العسكري. كما أن احتمال انتقال المعدات إلى جهات مسلحة أخرى، ومنها حركة طالبان باكستان، يمثل مخاطرة محتملة ينبغي تمييزها عن أي ادعاء بحدوث نقل فعلي، وهو ما لا تثبته المعلومات الواردة.
ثلاثة مسارات محتملة
يمكن تصور ثلاثة مسارات لمستقبل التعاون. أولها استمرار الشراكة ضمن نطاق محدود يشمل الصيانة والتدريب والدعم التقني، وهو المسار الأقل كلفة سياسياً والأكثر اتساقاً مع تجنب الانخراط في التوترات الإقليمية.
أما المسار الثاني، فيتمثل في توسيع الدعم ليشمل طائرات استطلاع مسيّرة وأنظمة مراقبة واتصال. وقد يمنح ذلك كابل قدرات أفضل لمواجهة تنظيم الدولة، لكنه يظل حساساً، لأن وسائل الاستطلاع يمكن أن تدعم عمليات قتالية حتى إن لم تكن مسلحة.
ويتمثل المسار الثالث في تقديم أسلحة فتاكة أو مسيّرات هجومية. وسيحمل هذا الانتقال دلالة استراتيجية أكبر، وقد يشير إلى أن موسكو ترى في التهديدات الأمنية داخل أفغانستان ما يبرر تحمل مخاطر إضافية في علاقتها مع باكستان. لكنه سيحتاج إلى ضمانات أشد بشأن الاستخدام النهائي، ولن يكون بمفرده دليلاً على توجه روسي لاستهداف إسلام آباد.
وعليه، يبدو التعاون التدريجي والمحدود الاحتمال الأكثر اتساقاً مع المصالح المتداخلة لموسكو، استناداً إلى المعطيات الواردة. وسيبقى الاختبار الحقيقي في نوع المعدات التي يجري الاتفاق عليها، وشروط تسليمها، وطبيعة استخدامها؛ فهذه العناصر ستحدد ما إذا كانت الشراكة ستظل أداة لمواجهة تهديد مشترك، أم ستصبح جزءاً من توازنات الصراع بين كابل وإسلام آباد.

