الملف الأفغاني
يفتح مقترح تقسيم الأقاليم الباكستانية الأربعة إلى وحدات أصغر نقاشًا يتجاوز كفاءة الإدارة وتوزيع الخدمات إلى مستقبل السلطة في البلاد. فبينما يقدّمه مؤيدوه بوصفه مدخلًا لتقريب الحكومة من المواطنين، يخشى منتقدوه أن يتحول إلى أداة لإضعاف القوى الإقليمية وتعزيز نفوذ المركز، وفي قلبه المؤسسة العسكرية.
وبحسب مادة تحليلية نشرتها مجلة «ذي إيكونوميست»، يدور الطرح حول إعادة تنظيم أقاليم البنجاب والسند وخيبر بختونخوا وبلوشستان فيما بين 12 و15 وحدة إدارية، وربما أكثر. وترى المجلة أن المشروع قد يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز مبرراته الإدارية، إذ يمكن أن يعيد توزيع مراكز النفوذ ويحدّ من قدرة الأحزاب ذات القواعد الإقليمية الراسخة على موازنة سلطة الجيش.
غير أن التمييز بين المبررات المعلنة والمخاوف السياسية يظل ضروريًا؛ فجدوى التقسيم، كما تداعياته، تتوقف على طبيعة الوحدات المقترحة وصلاحياتها ومواردها وآليات إقرارها، لا على عددها وحده.
تفتيت الأقاليم وحجج الإصلاح
يستند أنصار التقسيم إلى التفاوت الكبير بين الأقاليم من حيث السكان والمساحة والقدرة على إدارة الخدمات. فالبنجاب يضم نحو 128 مليون نسمة، مقابل نحو 15 مليونًا في بلوشستان، وفق الأرقام التي أوردتها المادة. ويثير هذا التباين، إلى جانب اتساع الرقعة الجغرافية لبعض الأقاليم، تساؤلات بشأن قدرة الهياكل القائمة على الاستجابة للاحتياجات المحلية.
ومن هذا المنظور، قد تتيح الوحدات الأصغر إدارة أقرب إلى السكان، وتوزيعًا أكثر توازنًا للموارد، ومساءلة أوضح للمسؤولين. لكن تحقيق هذه المكاسب ليس نتيجة تلقائية لتعديل الحدود؛ إذ يحتاج إلى نقل فعلي للصلاحيات، وتمويل مستقر، ومؤسسات قادرة على تنفيذ السياسات العامة.
أما إذا اقتصر التغيير على استحداث حكومات وأجهزة إدارية، مع بقاء القرار والموارد في يد المركز، فقد ينتهي إلى توسيع البيروقراطية ورفع تكاليفها من دون تحسين ملموس في الخدمات.
حدود إدارية بمفاعيل سياسية
تنبع حساسية المقترح من مكانة الأقاليم في الحياة السياسية الباكستانية. فقد شكّل البنجاب والسند، على وجه الخصوص، قاعدتين رئيسيتين للرابطة الإسلامية الباكستانية ـ جناح نواز، وحزب الشعب الباكستاني. وأتاحت هذه القواعد للأحزاب بناء شبكات انتخابية وتنظيمية، والاحتفاظ بهامش من النفوذ في مواجهة السلطة المركزية.
وقد يؤدي تقسيم الأقاليم إلى إعادة توزيع تلك القواعد ومواردها على وحدات متعددة، بما يغيّر قدرة الأحزاب على التنسيق والتأثير. وهنا تتركز مخاوف «ذي إيكونوميست»: أن يصبح تعديل الخريطة الإدارية وسيلة لإعادة ترتيب المشهد السياسي لصالح المؤسسة العسكرية.
لكن هذا الاحتمال لا يعني أن كل تقسيم يفضي بالضرورة إلى إضعاف القوى المدنية. فالنتائج ترتبط بكيفية رسم الحدود، وقواعد التمثيل الانتخابي، وحجم الصلاحيات الممنوحة للوحدات الجديدة. وقد يتيح التقسيم تمثيلًا أفضل لمناطق مهمّشة، كما قد يشتت مراكز نفوذ قائمة؛ والفارق تحدده تفاصيل المشروع وطريقة تنفيذه.
اللامركزية أم إدارة النفوذ من المركز؟
يضفي تاريخ العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية مزيدًا من الحساسية على النقاش. فالمؤسسة العسكرية، التي حكمت البلاد مباشرة في مراحل متعددة، ظلت طرفًا مؤثرًا في توازناتها السياسية.
وترى المجلة أن التعامل مع حكومات محلية أصغر ومتفرقة قد يمنح المركز قدرة أكبر على التأثير، مقارنة بالتعامل مع حكومات إقليمية واسعة القاعدة السياسية والموارد. ويزداد هذا الاحتمال إذا ترافق التقسيم مع تقييد الاستقلال المالي والإداري للوحدات المستحدثة.
وعليه، فإن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت باكستان تحتاج إلى أقاليم أكثر، بل أين ستستقر سلطة القرار بعد إنشائها. فاللامركزية الفعلية تعني منح المؤسسات المحلية صلاحيات وموارد تخضع للمساءلة، بينما قد تنتج إعادة رسم الحدود وحدها وحدات أكثر عددًا وأقل قدرة على إدارة شؤونها باستقلال.
الكلفة الاقتصادية وسؤال الأولويات
يحضر البعد الاقتصادي بقوة في هذا السجال. ففي ظل الضغوط المعيشية والمالية التي تناقشها المادة، يُفترض أن يُقاس أي إصلاح إداري بقدرته على تحسين الإنفاق والخدمات، مع احتساب كلفة إنشاء المؤسسات الجديدة وتشغيلها.
وتحمّل قراءة «ذي إيكونوميست» المؤسسة العسكرية جانبًا من مسؤولية الاختلالات الاقتصادية، مشيرة إلى الإنفاق الدفاعي ودور المؤسسات المرتبطة بالجيش وتأثير التوترات الإقليمية في أولويات الدولة.
ومع ذلك، فإن تفسير الأزمة بعامل واحد يختزل أسبابها؛ فالسياسات المالية، وأعباء الدين، وضعف الإيرادات والاستثمار، والاضطراب السياسي، جميعها عناصر مؤثرة. ولا يعفي نقد دور الجيش الحكومات المدنية من مسؤولياتها، لكنه يطرح سؤالًا بشأن توزيع سلطة تحديد الأولويات والرقابة على المال العام.
وفي هذا السياق، يحتاج مؤيدو التقسيم إلى بيان المكاسب الاقتصادية المتوقعة: كيف ستتحسن الخدمات؟ وكيف ستوزع الموارد؟ وهل تفوق هذه المكاسب كلفة الهياكل الإدارية الجديدة؟
التوافق السياسي
تتأثر مناقشة المقترح أيضًا بالتوتر بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، وما تتناوله المادة من تداعيات سجن رئيس الوزراء السابق عمران خان والقيود على المعارضة والاحتجاجات. ففي بيئة تتراجع فيها الثقة بين الأطراف، تصبح التغييرات الكبرى في بنية الحكم أكثر عرضة للشك في دوافعها.
ولهذا، لا تكفي الحجج الإدارية وحدها لبناء قبول واسع بالمشروع. فإعادة تنظيم الأقاليم تستدعي نقاشًا شفافًا تشارك فيه الحكومات الإقليمية والأحزاب والمجتمعات المحلية، مع توضيح الأساس الدستوري للتغيير وضمانات التمثيل وتوزيع الموارد.
أما اعتبار المقترح خطة عسكرية مكتملة لإضعاف الأحزاب، فيظل استنتاجًا يحتاج إلى أدلة تتصل بتفاصيله وآليات تنفيذه. والمخاوف السياسية، مهما كانت وجيهة، لا تغني عن فحص ما سيُطرح فعليًا من ترتيبات.
تقف باكستان، بذلك، أمام اختبار لطبيعة نظامها الاتحادي بقدر ما تقف أمام خيار إداري. وقد يفتح تعديل الخريطة بابًا لتحسين الحكم المحلي، لكنه قد يعمّق تركّز السلطة إذا أُقرّ من دون مشاركة وضمانات واضحة. وسيكون معيار النجاح هو مقدار ما يمنحه الإصلاح للمواطنين من تمثيل وخدمات وقدرة على مساءلة حكوماتهم؛ فتغيير الحدود لا يكتسب قيمته إلا بما يغيّره في ممارسة السلطة.

