الملف الأفغاني
تكتسب زيارة مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين إلى كابل أهمية تتجاوز مستوى التمثيل الرسمي؛ فهي تعكس انتقال العلاقة بين موسكو وكابل إلى اختبار التعاون الأمني المباشر، في مواجهة تهديد يمس الطرفين: تنظيم الدولة، ولا سيما فرعه في خراسان.
وبالتزامن مع زيارة وزير الداخلية الروسي فلاديمير كولوكولتسيف إلى إسلام آباد، يبدو التحرك الروسي أقرب إلى محاولة توسيع شبكة الاتصالات الأمنية في منطقة تتداخل فيها الجماعات المسلحة والحدود المضطربة والمصالح المتنافسة. لكن تزامن الزيارتين لا يثبت، في حد ذاته، وجود خطة مشتركة أو ترتيبات ثلاثية مكتملة.
وتستند القراءة الآتية إلى المعطيات التي تضع مكافحة التنظيم في صدارة مباحثات كابل، مع التمييز بين هذا التقدير وبين النتائج المعلنة؛ إذ ظلت التفاصيل المنشورة عن لقاء ناريشكين بنظيره الأفغاني عبد الحق وثيق محدودة. وأنها أول زيارة لرئيس الاستخبارات الخارجية الروسية منذ الانسحاب السوفيتي عام 1989 وانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، والأدق وصفها بأنها زيارة أمنية رفيعة ونادرة، ذات دلالة سياسية واضحة.
تنظيم الدولة في قلب الحسابات الروسية
تقوم المقاربة الروسية على إدراك أن التهديد الصادر عن تنظيم الدولة لا يتوقف عند حدود أفغانستان، فشبكات التنظيم وقدرته على التجنيد والتحريض والتخطيط لهجمات خارج مناطق نشاطه تجعل الملف الأفغاني متصلًا بالأمن الداخلي الروسي وباستقرار آسيا الوسطى.
وقد منح هجوم قاعة «كروكوس» قرب موسكو في مارس/آذار 2024 هذا التهديد بُعدًا أكثر إلحاحًا، تبنى تنظيم الدولة الهجوم، وقال مسؤولون أميركيون إن معلوماتهم تشير إلى مسؤولية فرعه في خراسان.
وعلى هذه الخلفية، يرجح أن موسكو تنظر إلى كابل باعتبارها طرفًا محليًا يمتلك الحافز والقدرة على مواجهة التنظيم، بحكم سيطرته على الأرض وعدائه المباشر له. لكن الاعتقاد بقدرة القوات الأفغانية على إضعاف التنظيم لا يعني الاطمئنان إلى قدرتها على القضاء على شبكاته أو منع جميع عملياته الخارجية، إلا إذا منحت لها معدات عسكرية وأمنية متطورة.
وتشير تصريحات روسية سابقة إلى استمرار القلق؛ فقد حذر وزير الخارجية سيرغي لافروف في يوليو/تموز 2026 من سعي تنظيم الدولة في خراسان إلى استخدام أفغانستان قاعدة للتوسع الإقليمي. وهذا يوضح أن الانفتاح على طالبان يجري بالتوازي مع تقدير روسي بأن التهديد لم ينتهِ.
ومن ثم، يمكن فهم الزيارة بوصفها محاولة لتقريب التقديرات الأمنية، وتحديد ما تحتاجه موسكو من معلومات وضمانات، وما تستطيع أجهزة طالبان تنفيذه فعليًا.
من الاعتراف السياسي إلى اختبار التعاون
منح الاعتراف الروسي بحكومة طالبان في يوليو/تموز 2025 العلاقة إطارًا سياسيًا رسميًا، لكنه لم يحسم تلقائيًا ملفات الثقة أو آليات التعاون.
أما زيارة مسؤول يتولى إدارة الاستخبارات الخارجية، فتشير إلى اهتمام بالجانب التنفيذي: نوع المعلومات المتبادلة، واستمرارية الاتصال، وتقييم المخاطر، ومدى قدرة الطرف الآخر على الوفاء بالتزاماته. وهذه دلالات مستخلصة من طبيعة الزيارة، وليست بنودًا معلنة لاتفاق جديد.
وتلتقي مصالح الطرفين عند إضعاف تنظيم الدولة، لكنها لا تتطابق بالضرورة في بقية الملفات، فموسكو تريد تقليل المخاطر على أراضيها ومصالحها وحلفائها، بينما تسعى كابل إلى تعزيز قدراتها وتوسيع علاقاتها الخارجية والحصول على مكاسب تتجاوز الاعتراف الدبلوماسي.
وعليه، فإن العلاقة أقرب إلى شراكة انتقائية تحكمها قضية محددة، مع قابلية للتوسع بحسب النتائج، منها إلى تحالف شامل محسوم الاتجاهات.
هل طلبت كابل مساعدات عسكرية وأمنية؟
يظل احتمال طرح مساعدات عسكرية وأمنية منطقيًا في سياق مباحثات تتمحور حول مكافحة تنظيم الدولة. فقد ترى كابل أن التعاون يحتاج إلى تدريب وتجهيز ودعم فني، إلى جانب تبادل المعلومات.
وإذا كان الملف قد طُرح، فمن المرجح تحليليًا أن يكون التعاون الاستخباري والتدريب والدعم الفني أكثر قابلية للتنفيذ القريب من حزمة تسليح واسعة. فالمساعدات العسكرية الأكبر تحتاج إلى ترتيبات قانونية ولوجستية وتمويلية، وإلى تفاهم بشأن استخدامها ومتابعة نتائجها.
كما أن موسكو ستوازن بين ما يمكن أن تحققه المساعدة من خفض للتهديد، وبين كلفتها واحتمالات انتقال المعدات أو استخدامها خارج الغرض المتفق عليه. لذلك، لا تعني الزيارة وحدها استعدادًا روسيًا مفتوحًا لتلبية الاحتياجات العسكرية الأفغانية.
لماذا إسلام آباد في التوقيت نفسه؟
تكتسب زيارة كولوكولتسيف إلى باكستان أهمية لأن التعامل مع التهديدات العابرة للحدود لا يمكن أن يقتصر على التواصل مع كابل. وقد شملت أجندتها المعلنة مكافحة الجريمة المنظمة والمخدرات، وتبادل المعلومات، وتطوير التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون.
وتتيح العلاقات مع الطرفين لموسكو تكوين صورة أوسع عن البيئة الأمنية، وتجنب الاعتماد على رواية واحدة في قضايا تتبادل بشأنها كابل وإسلام آباد الاتهامات.
غير أن بناء تعاون إقليمي يواجه عقبة أساسية: اختلاف تعريف مصادر التهديد وأولويات مواجهته. فمكافحة تنظيم الدولة تمثل أرضية محتملة للتقاطع، بينما يظل ملف طالبان الباكستانية مصدر خلاف منفصل لا يُعالج تلقائيًا بالاتفاق على مواجهة تنظيم آخر.
وقد ظهر عمق التباعد في تعثر إصدار بيان مشترك لاجتماع صيغة موسكو مطلع أكتوبر/تشرين الأول بسبب الخلافات الأفغانية الباكستانية. ولذلك، فإن تحويل الاتصالات الروسية إلى آلية تنسيق فعالة يتطلب معالجة انعدام الثقة بين الجانبين، لا مجرد جمعهما تحت عنوان مكافحة الإرهاب.
ماذا يمكن أن يكسب الشعب الأفغاني؟
الفائدة الأكثر مباشرة لأي تعاون ناجح ضد تنظيم الدولة هي حماية السكان وتقليل قدرة التنظيم على استهداف المدنيين ودور العبادة والمرافق العامة. لكن قياس النجاح ينبغي أن يشمل سلامة المدنيين، ودقة الإجراءات الأمنية، وتجنب الاعتقالات التعسفية، وألا يتحول عنوان مكافحة الإرهاب إلى مبرر لتقييد النشاط المدني السلمي.
وتتمثل منفعة ثانية محتملة في تخفيف التوتر الحدودي فإذا ساعدت الاتصالات الروسية على منع التصعيد بين أفغانستان وباكستان، فقد ينعكس ذلك على حركة التجارة وتنقل المرضى والعائلات واستقرار المناطق الحدودية.
أما المكاسب الاقتصادية، فتحتاج إلى مسار مستقل ومعلن، تستطيع روسيا المساهمة في توريد الحبوب والوقود، والتدريب الفني، وبعض مشروعات الطاقة والبنية التحتية، لكن لا توجد صلة تلقائية بين نجاح التواصل الاستخباري وتحقق هذه المنافع. ويظل المطلوب عقودًا شفافة، وتمويلًا واضحًا، وجداول تنفيذ، ونتائج تصل إلى المواطنين.
ولا تستطيع موسكو وحدها معالجة أزمات الاقتصاد الأفغاني أو ضمان اندماجه المالي الدولي. كما أن دعم الأمن لا يعوض الاستثمار في التعليم والصحة وفرص العمل، وهي عناصر تحدد قدرة المجتمع على التعافي ومقاومة التجنيد المتطرف على المدى الطويل.
التقدير المرجح
الأرجح أن موسكو تسعى إلى بناء تعاون أمني محدود ومتدرج، يستند إلى مصلحة مشتركة في إضعاف تنظيم الدولة، مع إبقاء قنواتها مفتوحة مع إسلام آباد. أما احتمال تطوره إلى مساعدات عسكرية أوسع، فسيبقى مرتبطًا بتفاهمات لم تتضح تفاصيلها وبمدى ثقة روسيا في جدوى الدعم ونتائجه.
وسيُقاس التحول الفعلي بظهور آليات متابعة، وبرامج تدريب أو دعم معلنة، وتراجع ملموس في المخاطر، لا بمستوى الزائر وحده. وبالنسبة إلى الأفغان، سيكون الاختبار الحاسم هو ما إذا كانت الشراكة الناشئة ستوفر أمنًا يحمي حياتهم ويفتح مجالًا للتعافي، أم ستظل تفاهمًا بين الأجهزة يحقق مصالح أطرافه دون عائد اجتماعي واقتصادي واضح.

