عبد الكريم مصطفى
زيارات تركية وقطرية وروسية تضع التوتر الأفغاني الباكستاني في صدارة الاهتمام الإقليمي، وسط تساؤلات بشأن فرص الوساطة وحدود تأثيرها في خلاف يتصدره ملف الجماعات المسلحة.
تكثّفت الاتصالات الأمنية الإقليمية مع كابل وإسلام آباد خلال الفترة الأخيرة، مع زيارات لمسؤولين أتراك وقطريين وروس، في وقت تتصاعد فيه الخلافات بين الحكومة الأفغانية وباكستان بشأن النشاط المسلح وأمن الحدود.
ويطرح هذا الحراك احتمال توسيع الجهود الرامية إلى احتواء التوتر، لكنه لا يكفي لإثبات وجود مبادرة منسقة بين الدول الثلاث، أو اتفاق على آلية مشتركة للوساطة. كما أن الطابع الأمني للزيارات يتيح مناقشة ملفات ثنائية وإقليمية تتجاوز الخلاف الأفغاني الباكستاني.
ومع ذلك، فإن تزامن التواصل مع طرفي الأزمة يجعل هذه التحركات مؤشراً على اهتمام متزايد بمنع مزيد من التصعيد، ويضع قدرة القوى الإقليمية على التأثير أمام اختبار عملي.
زيارات متتابعة وقنوات مفتوحة مع الطرفين
شملت التحركات زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين، والمسؤول البارز في مجلس الأمن القومي القطري حمد بن خميس الكبيسي، إلى كابل وقندهار، حيث التقيا كبار المسؤولين الأفغان. وانتقل كالين بعد ذلك إلى باكستان لإجراء محادثات مع مسؤولين هناك.
وفي تحرك روسي، التقى رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية سيرغي ناريشكين رئيس الاستخبارات الأفغانية عبد الحق واسق في كابل. وتزامن ذلك تقريباً مع زيارة وزير الداخلية الروسي فلاديمير كولوكولتسيف إلى إسلام آباد وإجرائه لقاءات مع مسؤولين باكستانيين.
ويكتسب اتصال مسؤولين روس بطرفي الخلاف أهمية سياسية وأمنية، لكنه لا يثبت وحده أن الزيارتين شكّلتا مهمة وساطة واحدة. فالمعلومات المتاحة لا تتضمن إعلاناً عن مبادرة روسية رسمية أو تفاصيل مقترحات نُقلت بين الجانبين.
الملف الأمني في صدارة الخلاف
يتصدر الخلاف بشأن حركة طالبان الباكستانية التوتر بين كابل وإسلام آباد. فالمطالب الباكستانية باتخاذ إجراءات ضد الحركة تصطدم بخلافات حول المسؤولية عن نشاطها، وطبيعة التدابير المطلوبة، وحدود ما يمكن أن يلتزم به الجانب الأفغاني.
وتزداد صعوبة التسوية عندما تترافق هذه الخلافات مع عمليات عسكرية واتهامات متبادلة. ففي مثل هذا المناخ، لا يقتصر دور الوسيط على نقل الرسائل، بل يتطلب إيجاد أرضية يتفق عليها الطرفان لتحديد الالتزامات ومتابعة تنفيذها.
ولا تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بأن استمرار التصعيد بعد الاتصالات التركية والقطرية يعود إلى سبب واحد، أو بأنه يعكس رفضاً أفغانياً لمقترح محدد. كما لا تتوافر تفاصيل كافية عن مضمون المحادثات للحكم على نتائجها النهائية.
الوساطة التركية والقطرية.. اختبار الثقة والقدرة على التأثير
يفتح التواصل التركي والقطري مع القيادة الأفغانية مجالاً لنقل الرسائل وتقريب المواقف، خصوصاً عندما تتعثر الاتصالات المباشرة بين طرفي الأزمة. وتمنح زيارة كالين إلى باكستان بعد محادثاته في أفغانستان هذا المسار بعداً يتجاوز التشاور مع طرف واحد.
لكن فرص الوساطة تتوقف على قبول الجانبين لدور الوسيط، وثقتهما بقدرته على التعامل مع هواجسهما. وقد تساعد علاقات أي دولة بأحد الطرفين على التأثير فيه، بينما تثير لدى الطرف الآخر تساؤلات بشأن توازن دورها.
ولهذا، لا يمكن استخلاص موقف القيادة الأفغانية من الوساطة التركية استناداً إلى علاقات أنقرة بإسلام آباد وحدها، أو افتراض أن هذه العلاقات كانت سبب تعثر التهدئة، من دون تصريحات أو معلومات موثقة تؤيد ذلك.
ما الذي يمكن أن تضيفه موسكو؟
تتمتع روسيا بقنوات اتصال مع كابل وإسلام آباد، ما يتيح لها الاستماع إلى مواقف الطرفين واستكشاف مساحات للتفاهم. ويمنح اعترافها الرسمي بحكومة طالبان علاقتها بكابل ثقلاً سياسياً خاصاً، في ملف توليه القيادة الأفغانية أهمية كبيرة.
غير أن هذا الاعتراف لا يضمن قبول كابل بكل ما قد تطرحه موسكو، كما أن استمرار العلاقات الروسية الباكستانية لا يعني بالضرورة قدرة روسيا على انتزاع تنازلات من إسلام آباد.
وتكمن القيمة المحتملة للدور الروسي في توظيف هذه القنوات لتقليل سوء التقدير، وتوضيح المطالب، والبحث عن إجراءات محددة لخفض التصعيد. أما معالجة جذور الخلاف، فتحتاج إلى تفاهمات أمنية وسياسية أوسع من مجرد استئناف اللقاءات.
كذلك، فإن اختلاف موقع روسيا عن تركيا وقطر لا يجعل وساطتها محايدة تلقائياً؛ فموسكو تتحرك وفق مصالحها وحساباتها الإقليمية، شأنها شأن بقية الأطراف.
منتدى موسكو وحدود التوافق الإقليمي
تربط المادة المتاحة تجدد النشاط الروسي بتعثر التوافق على بيان ختامي لاجتماع «صيغة موسكو»، وبخلاف حول تناول قضية الإرهاب وعلاقتها بأفغانستان. غير أن تفاصيل هذا الربط تحتاج إلى توثيق مستقل قبل اعتباره تفسيراً مؤكداً للزيارات الأخيرة.
وعلى المستوى التحليلي، تكشف الخلافات حول صياغة البيانات، عندما تقع، عن تباعد قد يتجاوز اللغة الدبلوماسية إلى تعريف مصادر التهديد وتوزيع المسؤوليات.
وتواجه الأطر الإقليمية في هذه الحالة تحدياً مزدوجاً: الحفاظ على مشاركة الأطراف المختلفة، والتوصل إلى التزامات عملية لا تكتفي بتعبيرات عامة عن التعاون ومكافحة الإرهاب.
وبالنسبة إلى روسيا، فإن قدرتها على تقريب المواقف داخل هذه الأطر تؤثر في فاعلية دورها الدبلوماسي، لكنها لا تجعل نجاح اجتماع واحد أو تعثره مقياساً وحيداً لنفوذها.
أمن آسيا الوسطى وحسابات النفوذ
يمكن قراءة الاهتمام الروسي بالتهدئة في ضوء المخاوف من امتداد عدم الاستقرار إلى آسيا الوسطى، وما قد يترتب عليه من تهديد للمصالح الروسية وشركائها في المنطقة.
كما يتيح الانخراط في الأزمة لموسكو تعزيز حضورها في النقاشات المتعلقة بأمن أفغانستان، وإظهار قدرتها على التواصل مع أطراف تختلف في أولوياتها وتصوراتها للحل.
وتظل المنافسة على النفوذ الإقليمي تفسيراً محتملاً لبعض هذا النشاط، لكنها لا تكفي وحدها لشرح التحركات الأخيرة. ولا تتوافر في المعلومات المعروضة أدلة تثبت أن هدف الزيارات هو إقصاء وسطاء آخرين أو منع أدوار غربية.
وقد تتقاطع مصالح القوى الإقليمية في منع التصعيد، حتى مع اختلافها حول الترتيبات السياسية والأمنية الأنسب لتحقيق ذلك.
من كثافة اللقاءات إلى نتائج قابلة للقياس
سيُقاس أثر التحركات التركية والقطرية والروسية بما تحققه على الأرض: خفض العمليات العسكرية، واستمرار الاتصال المباشر، والاتفاق على إجراءات واضحة للتعامل مع المخاوف الأمنية.
وقد تفتح الاتصالات الاستخباراتية مجالاً لمناقشة قضايا حساسة بعيداً عن التصريحات العلنية، لكن أي تفاهم مستدام يحتاج إلى قبول سياسي وآلية متابعة تمنع انهياره مع أول حادث أمني.
وتكشف الزيارات الأخيرة أن الأزمة الأفغانية الباكستانية تحظى باهتمام يتجاوز طرفيها. أما تحول هذا الاهتمام إلى تهدئة، فسيبقى مرتبطاً باستعداد كابل وإسلام آباد لتقديم التزامات متبادلة، وبقدرة الوسطاء على تحويل الرسائل المتبادلة إلى إجراءات يمكن تنفيذها والتحقق منها.

