الملف الأفغاني
الوزير الأميركي يقول إن دولاً قليلة قدمت مساهمات قتالية مؤثرة، ويطالب بقياس قوة التحالفات بقدراتها الميدانية، فيما يظل تقييم المشاركة أوسع من العمليات القتالية المباشرة.
أعاد الوزير الأميركي بيت هيغسيث فتح النقاش بشأن توزيع الأعباء العسكرية بين الحلفاء، قائلاً إن نحو خمس دول فقط من أعضاء حلف شمال الأطلسي شاركت بفاعلية في القتال بأفغانستان، وإن المساهمة القتالية الكبيرة اقتصرت، وفق تقديره، على دولة أو دولتين.
واستحضر هيغسيث، خلال كلمة في جامعة تينيسي، مشهد أعلام نحو خمسين دولة في مقر مهمة قوة المساعدة الأمنية الدولية «إيساف» في كابل، ليؤكد أن اتساع المشاركة الدولية لا يعكس بالضرورة حجم القوات القادرة على تنفيذ العمليات.
وتطرح تصريحاته سؤالاً يتجاوز التجربة الأفغانية: كيف تُقاس مساهمة الدول في التحالفات العسكرية؟ بحجم انخراطها في القتال، أم بمجمل ما تقدمه من قوات وتمويل واستخبارات وإمداد وتدريب؟
بين أعلام التحالف والقدرة على القتال
ركّز هيغسيث انتقاده على الفارق بين الحضور السياسي داخل التحالف والاستعداد لتحمل أعبائه الميدانية، معتبراً أن المشاركة لا تقتصر على رفع العلم، بل تتطلب قوات قوية وتجهيزات وقدرات فعلية لتنفيذ المهام.
وبحسب طرحه، فإن العدد الكبير للدول المشاركة في أفغانستان أخفى تفاوتاً واسعاً في حجم الانخراط القتالي. لكنه لم يسمِّ الدول التي قصدها، أو يحدد الفترة الزمنية التي استند إليها، أو يشرح معايير تصنيف المشاركة بأنها فعالة أو كبيرة.
ويحدّ غياب هذه التفاصيل من إمكانية التعامل مع الأرقام التي طرحها بوصفها تقييماً شاملاً للحملة العسكرية. فالمساهمة قد تختلف بحسب المرحلة والمنطقة وطبيعة المهمة، كما قد تتغير أدوار الدولة نفسها خلال سنوات انتشار قواتها.
«إيساف».. مشاركة أوسع من عضوية الناتو
بدأ التدخل العسكري الدولي في أفغانستان عام 2001 بقيادة الولايات المتحدة، عقب هجمات سبتمبر، فيما تولى الناتو قيادة «إيساف» عام 2003، قبل أن تتوسع مهام القوة وانتشارها في البلاد.
ومن المهم التمييز بين الدول الأعضاء في الناتو والدول المشاركة في «إيساف»؛ فالمهمة ضمت أيضاً شركاء من خارج الحلف. ولذلك، فإن الحديث عن نحو خمسين دولة مشاركة لا يعني أنها كانت جميعاً أعضاء في الناتو، أو أنها امتلكت القدرات نفسها والتزمت المهام ذاتها.
كما أن تقييم الحرب في أفغانستان يتطلب التمييز بين المهام العسكرية المختلفة التي جرت خلالها، بدلاً من جمع جميع أشكال الانتشار الدولي تحت توصيف واحد.
تفاوت المهام والقيود الوطنية
لم تعمل القوات المشاركة وفق مستوى موحد من الصلاحيات والاستعداد للانتشار. فقد تفاوتت أدوارها بين القتال والتدريب والحماية والإسناد، واختلفت القيود التي وضعتها الحكومات على استخدام قواتها ومناطق عملها.
وتؤثر هذه القيود في قدرة قيادة التحالف على نقل الوحدات وتكليفها بالمهام. فوجود قوة عسكرية ضمن المهمة لا يعني بالضرورة إمكان استخدامها في أي منطقة أو عملية.
ومن هنا، يكتسب انتقاد تقاسم الأعباء جانباً عملياً: عندما تتوزع المخاطر بصورة غير متوازنة، قد تتحمل مجموعة محدودة من القوات العبء الأكبر في الجبهات الأشد صعوبة.
لكن إثبات حجم هذا التفاوت يحتاج إلى بيانات تقارن بين أعداد القوات ومواقع انتشارها والمهام المنفذة ومدة المشاركة والقيود المفروضة عليها، وهي تفاصيل لم تتضمنها التصريحات المنقولة.
هل القتال المباشر هو المعيار الوحيد؟
تمثل المشاركة القتالية عنصراً أساسياً في تقييم الحملة العسكرية، لكنها لا تختزل جميع متطلباتها. فالعمليات تعتمد أيضاً على الاستطلاع والاستخبارات والنقل والإمداد والصيانة والإجلاء الطبي والاتصالات.
وقد تقدم دولة مساهمة محدودة في الخطوط الأمامية، لكنها تتولى مهمة مساندة تحتاج إليها قوات متعددة. وفي المقابل، لا يكفي وصف المشاركة بأنها لوجستية أو تدريبية لإثبات حجمها أو فاعليتها؛ إذ ينبغي تقييم نتائج هذه المهام أيضاً.
ولذلك، فإن التقييم المنصف يميز بين حجم التعرض للمخاطر القتالية، والأهمية العملياتية للدعم، والكلفة البشرية والمالية التي تتحملها كل دولة.
وتكمن حدود طرح هيغسيث في تركيزه على القتال دون تقديم صورة تفصيلية لبقية الأدوار، فيما تكمن أهمية السؤال الذي يطرحه في مساءلة مدى تناسب الالتزامات السياسية للحلفاء مع قدراتهم الفعلية.
تقاسم الأعباء يتجاوز الإنفاق الدفاعي
ترتبط تصريحات هيغسيث بنقاش أوسع بشأن معنى الالتزام داخل التحالفات. فالميزانية الدفاعية والتجهيزات تمثلان جزءاً من القدرة العسكرية، لكن الاستفادة منهما تتوقف على الجاهزية والتدريب والقدرة على الانتشار واستدامة العمليات.
كما أن امتلاك القوات لا يعني بالضرورة وجود قرار سياسي باستخدامها. وهنا يظهر الفرق بين القدرة العسكرية المتاحة والاستعداد لتحمل تبعات توظيفها.
وتكشف التجربة الأفغانية، في هذا السياق، أهمية وضوح التزامات الدول منذ بداية المهمة: ما القوات التي ستقدمها؟ وما المهام المسموح لها بتنفيذها؟ وكيف تُوزع المسؤوليات إذا طال أمد الحرب أو تغيرت ظروفها؟
وتساعد الإجابات المحددة على تقييم التحالف عملياً، بدلاً من الاكتفاء بعدد المشاركين أو حجم الإنفاق المعلن.
مراجعة الحرب تحتاج إلى أكثر من مقارنة الحلفاء
لا تحسم معرفة الدول الأكثر مشاركة في القتال السؤال الأوسع المتعلق بنتائج الحرب. فتقييم التجربة الأفغانية يحتاج أيضاً إلى بحث وضوح الأهداف السياسية، وملاءمة الاستراتيجية العسكرية، وطبيعة العلاقة مع المؤسسات الأفغانية، والقدرة على تحويل المكاسب الميدانية إلى استقرار مستدام.
وقد تكون هناك قوات أدت مهامها القتالية بكفاءة، بينما أخفقت الاستراتيجية العامة في تحقيق أهدافها. كما أن تفاوت مساهمات الحلفاء لا يعفي الجهات التي قادت الحملة من مسؤولية التخطيط وتنسيق الأدوار وتقييم النتائج.
وبذلك، تفتح تصريحات هيغسيث ملفاً مهماً بشأن عدالة توزيع المخاطر والمسؤوليات، لكنها تظل تقديراً سياسياً يحتاج إلى معايير وبيانات واضحة. أما المراجعة الأوسع، فتتطلب الجمع بين سؤالين: من تحمّل أعباء الحرب، وكيف أُديرت تلك الأعباء لتحقيق أهدافها؟

