الملف الأفغاني
صور ومقاطع واتصالات تفتح باباً لجمع المعلومات عن الجبهات المعارضة، وشهادات تربطها بعمليات استهداف، وسط غموض بشأن قدرات المراقبة وحدود استخدامها.
لم تعد المواجهة بين طالبان والجبهات المسلحة المعارضة لها تقتصر على الجبال والكمائن. فقد أصبحت مواقع التواصل والاتصالات الرقمية مصدراً للمعلومات عن المقاتلين وقادتهم، وأداة محتملة في تعقّبهم واستهدافهم.
وتشير شهادات عسكريين سابقين ومصادر مرتبطة بالمعارضة إلى استفادة أجهزة القوات الأفغانية من صور ومقاطع نشرها خصومها لإظهار وجودهم داخل أفغانستان. كما تتحدث تقارير عن استخدام طائرات مسيّرة وأدوات مراقبة لدعم العمليات الميدانية.
وتضع هذه التطورات التقنية في قلب الصراع، وتثير مخاوف من توظيفها في تصفية الحسابات مع الخصوم. لكن المعلومات المتاحة لا تحسم نوع الأدوات المستخدمة، ولا تثبت أن المحتوى المنشور كان السبب المباشر وراء كل عملية استهداف.
منشورات لإثبات الوجود.. ومعلومات متاحة للخصم
تنشر الجبهات المعارضة صوراً وتسجيلات لقادتها ومقاتليها رداً على تصريحات الحكومة الأفغانية التي تنفي وجودها الفعلي داخل البلاد. وتستخدم هذه المواد أيضاً لإعلان نشاطها والحفاظ على حضورها الإعلامي.
لكن ما يخدم الدعاية قد يخدم الطرف الآخر أيضاً. فالمحتوى المنشور يتيح معلومات عن الأشخاص وأنشطتهم، وقد يُضاف إلى ما تجمعه الأجهزة الأمنية من مصادر محلية ومتابعة ميدانية.
ويقول العسكري السابق عبد الله جبارخيل للملف الأفغاني إن بعض القادة ينشرون بتوجيهات من مسؤولي الجبهات، بينما ينشر آخرون بدافع الظهور الشخصي. واعتبر أن هذه المواد ساعدت أجهزة طالبان في ملاحقة عناصر المعارضة.
وبحسب مصادر معارضة، استمر نشر الصور والمقاطع رغم تحذيرات داخلية من مخاطره.
أسماء قُتلت بعد ظهورها على المنصات
برز اسم خير محمد أندرابي، أحد قادة جبهة المعارضة ، ضمن الحالات التي ربطت مصادر معارضة بينها وبين النشر الرقمي. فقد ظهر في تسجيل خلال احتفال بليلة يلدا قبل مقتله مع عدد من رفاقه في هجوم على موقعهم الجبلي.
وتقول الرواية المنشورة إن معرفة عناصر محليين بالمنطقة ساعدت في التعرف إلى مكان المجموعة من المواد المتداولة. لكن هذه الصلة لم تُحسم بتحقيق مستقل.
وفي سالانغ، قُتل أكمل أمير، أحد قادة جبهة الحرية، مع قادة آخرين بينهم عبد البصير أندرابي وفهيم سالانغي. وقال مقربون منه إنه كان يتواصل باستمرار عبر تطبيقات المراسلة، وأحياناً عبر مكالمات فيديو. وانتشرت بعد مقتله رسائل صوتية منسوبة إليه، تضمنت تحدياً لقادة طالبان.
كما أثار مقتل ميرويس خان، أحد قادة جبهة المقاومة الوطنية في باريان بولاية بنجشير، أسئلة مشابهة، بعدما ظهر قبل مقتله في تسجيل مع رفاقه.
وتجمع هذه الوقائع بين حضور رقمي سابق واستهداف لاحق. لكنها لا تكشف وحدها كيف وصلت القوات إلى المستهدفين، أو مقدار اعتمادها على المنشورات مقارنة بمصادر المعلومات الأخرى.
المسيّرات والمراقبة توسّعان أدوات الملاحقة
تتحدث تقارير عن استخدام الحكومة الأفغانية طائرات مسيّرة، وعن تطوير قدرات لمتابعة الهواتف والنشاط على الإنترنت. وقد يساعد الجمع بين هذه الوسائل والمعلومات المحلية على توسيع نطاق المراقبة في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
غير أن تفاصيل هذه القدرات غير معلنة. ولا تتوافر أدلة مستقلة كافية لتحديد أنواع الأنظمة المستخدمة أو الجهات التي قدمتها.
لذلك، فإن نجاح عملية أمنية لا يثبت تلقائياً استخدام تقنية متقدمة. فقد تكون المعلومات البشرية أو المتابعة المباشرة عاملاً حاسماً، وقد تتداخل مع الرصد الرقمي.
متى تتحول المراقبة إلى تصفية حسابات؟
تثير أدوات التعقّب سؤالاً يتجاوز المواجهة مع الجماعات المسلحة: هل يظل استخدامها محصوراً في النشاط المسلح، أم يمتد إلى المعارضين السياسيين والمنتقدين؟
فالقدرة على جمع المعلومات عن الأفراد قد تُستخدم للملاحقة والانتقام إذا غابت الضوابط والمساءلة. كما أن الخلط بين حمل السلاح والتعبير عن موقف معارض قد يعرّض مدنيين للخطر.
ولا تثبت الحالات المعروضة وحدها أن كل استهداف كان تصفية حسابات شخصية أو سياسية. لكنها تُبرز أهمية معرفة الأساس الذي تُبنى عليه الملاحقة، وكيف تُراجع المعلومات، ومن يتحمل مسؤولية الأخطاء.
لقد أصبحت التقنية جزءاً مهماً من المواجهة الأفغانية، ووسيلة محتملة لتعزيز قدرة طالبان على تعقّب خصومها. أما حدود هذا الاستخدام، ومدى امتداده خارج الصراع المسلح، فتبقى أسئلة مفتوحة في ظل محدودية المعلومات والرقابة المستقلة.

