داود ياسر
لم يعد التلويح الأمريكي بضرب المنشآت النووية الإيرانية مقتصرا على لغة التهديد التقليدية. فمع حديث الرئيس دونالد ترامب عن احتمال استهداف منشأة محصنة تحت الأرض قرب نطنز، وظهور تقارير عن إدراج قنبلة GBU-43/B المعروفة باسم «أم القنابل» ضمن خيارات عسكرية جديدة، انتقل النقاش إلى سؤال يتجاوز القدرات العسكرية للسلاح نفسه: هل تريد واشنطن تدمير منشآت بعينها، أم أنها تستخدم التهديد بقوة تدميرية استثنائية لدفع طهران إلى تقديم تنازلات؟
ترامب قال في مقابلة مع شبكة «نيوزماكس» إن الولايات المتحدة قد تضطر إلى استهداف موقع «جبل الفأس» أو Pickaxe Mountain المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، مؤكدا في الوقت نفسه أنه لا يعتزم استخدام سلاح نووي أو إرسال قوات برية. ولم يعلن الرئيس الأمريكي أنه أصدر أمرا باستخدام «أم القنابل»، لكنه امتنع عن استبعاد هذا الخيار.
وفي موازاة تصريحات ترامب، أفادت تقارير أمريكية بأن المخططين العسكريين وضعوا حزمة خيارات جديدة يمكن اللجوء إليها إذا قرر البيت الأبيض استئناف عمليات واسعة ضد إيران، وتشمل سيناريوهات لاستهداف منشآت نووية وبنية تحتية للطاقة، مع إدراج «أم القنابل» بين الأسلحة التي يجري بحث استخدامها. وحتى الآن، لا تشير المعلومات المتاحة إلى أن قرارا نهائيا اتُّخذ بهذا الشأن.
سلاح ضخم.. لكن هل هو مناسب للهدف؟
تكتسب «أم القنابل» مكانتها أساسا من حجمها وقوتها الانفجارية. ويبلغ وزن القنبلة الموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي نحو 21 ألف رطل، وقد صممت لإحداث ضغط انفجاري هائل على مساحة واسعة، وليس لاختراق طبقات كثيفة من الصخور والخرسانة قبل الانفجار. وتؤكد بيانات سلاح الجو الأمريكي أن فلسفة تصميمها تقوم على إحداث تأثير انفجاري واسع وقوي، وهو ما يجعلها فعالة ضد أهداف سطحية ومواقع وأنفاق معينة، لكنه يضع حدودا لقدرتها أمام المنشآت شديدة العمق.
واستخدمت الولايات المتحدة هذه القنبلة مرة واحدة في العمليات القتالية، في أبريل 2017، عندما ألقتها على مجمع أنفاق تابع لتنظيم الدولة الإسلامية ــ فرع خراسان في ولاية ننغرهار شرقي أفغانستان. وكان الهدف آنذاك تدمير شبكة من الكهوف والأنفاق والتحصينات التي يستخدمها التنظيم.
لكن طبيعة المنشآت النووية الإيرانية تطرح تحديا مختلفا.
فالمواقع الواقعة على أعماق كبيرة تحت الجبال لا تُعامل عسكريا بالطريقة نفسها التي تُعامل بها شبكات الكهوف أو الأهداف السطحية. ولهذا أثيرت تساؤلات داخل النقاش العسكري الأمريكي نفسه حول جدوى استخدام MOAB ضد موقع مثل «جبل الفأس»، خصوصا أن القنبلة لم تُصمم لاختراق الجبال بعمق.
أم القنابل ليست خارقة للتحصينات
هذه النقطة تفسر الفرق الجوهري بين GBU-43/B وبين قنبلة GBU-57 Massive Ordnance Penetrator.
فالأخيرة، التي تزن نحو 30 ألف رطل، صُممت تحديدا لاستهداف المنشآت شديدة التحصين والمدفونة في أعماق الأرض. ويصفها سلاح الجو الأمريكي بأنها منظومة سلاح مخصصة للوصول إلى المنشآت المحمية وتدميرها، وهو ما يجعلها أكثر ارتباطا من الناحية التقنية بمهمة ضرب منشآت نووية محفورة تحت الجبال.
والولايات المتحدة سبق أن استخدمت GBU-57 ضد إيران. ففي عملية «مطرقة منتصف الليل» في يونيو 2025، أسقطت القوات الأمريكية 14 قنبلة من هذا النوع على هدفين مرتبطين بالبرنامج النووي الإيراني، وفق بيانات عسكرية أمريكية نقلها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
وهنا تبرز مفارقة مهمة: إذا كانت لدى واشنطن قنبلة صُممت خصيصا لضرب المنشآت العميقة، فلماذا يظهر اسم «أم القنابل» في الخطط الجديدة؟
الإجابة المحتملة لا تتعلق بالهندسة العسكرية وحدها.
عندما يتحول السلاح إلى رسالة سياسية
منذ تطوير «أم القنابل»، لم تكن قوتها النفسية منفصلة تماما عن وظيفتها العسكرية. ففي وصف قديم لسلاح الجو الأمريكي لتطوير القنبلة، ورد أن إظهار هذه القدرة كان يهدف أيضا إلى ممارسة ضغط على النظام العراقي السابق وإظهار حجم القوة التي تستطيع الولايات المتحدة استخدامها.
وهذا البعد يبدو مهما في الحالة الإيرانية.
فاستخدام سلاح يحمل سمعة «أكبر قنبلة تقليدية» في الترسانة الأمريكية يمكن أن يوفر صورة شديدة الوضوح للقوة العسكرية، حتى إذا لم يكن السلاح نفسه الخيار الأكثر كفاءة للوصول إلى منشأة مدفونة عميقا.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التهديد على أنه جزء من دبلوماسية الإكراه: وضع خيارات عسكرية استثنائية على الطاولة لرفع كلفة رفض المطالب الأمريكية، وإقناع الطرف المقابل بأن البديل عن التفاوض قد يكون تصعيدا أكثر تدميرا.
لكن وجود هذا البعد لا يعني أن واشنطن قررت استخدام القنبلة، ولا يثبت أن الهدف الوحيد من التهديد هو إرغام إيران على «الخضوع». فالخطط العسكرية عادة ما تتضمن خيارات متعددة، كما أن الإدارة الأمريكية تواجه في الوقت نفسه اعتبارات عسكرية وسياسية وداخلية متداخلة.
ترامب يبحث عن «نهاية» يمكن إعلانها
تزداد أهمية البعد السياسي بالنظر إلى التقارير التي تحدثت عن بحث الإدارة الأمريكية عن مسار يمكن تقديمه باعتباره نهاية حاسمة للمواجهة.
ونقلت شبكة CNN عن مصادر مطلعة على النقاشات العسكرية أن استخدام «أم القنابل» دُرس ضمن خيارات يمكن أن توفر للرئيس مشهدا عسكريا قويا يسمح له بالحديث عن تحقيق نتيجة حاسمة، رغم وجود شكوك لدى بعض المسؤولين بشأن قدرة السلاح نفسه على تحقيق الأهداف الاستراتيجية المعلنة.
ويأتي ذلك في توقيت سياسي حساس داخل الولايات المتحدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، بينما أكد ترامب علنا أنه لن يشن ضربات جديدة قبل الانتخابات. وهذا يجعل التهديد العسكري أداة تسمح للإدارة بالإبقاء على الضغط من دون أن يعني بالضرورة أن قرار تنفيذ الضربة قد اتُّخذ بالفعل.
بهذا المعنى، يمنح التلويح بخيار بالغ القوة واشنطن مساحة للمناورة: يمكن استخدامه للضغط خلال المفاوضات، أو لردع إيران، أو لتهيئة الرأي العام لخيار عسكري لاحق، أو لتنفيذ ضربة فعلية إذا قررت الإدارة أن المسار السياسي وصل إلى طريق مسدود.
هل تستطيع قنبلة إنهاء برنامج نووي؟
حتى في حال نجاح ضربة عسكرية في تدمير منشأة بعينها، تبقى هناك فجوة بين تدمير المباني وإنهاء برنامج نووي.
فالبرامج النووية لا تقوم على المنشآت وحدها، وإنما على شبكة من المعرفة العلمية والخبرات البشرية والمعدات والمواد وسلاسل الإمداد. ويمكن لضربات واسعة أن تعطل البرنامج وتؤخره لفترات متفاوتة، لكنها لا تضمن بالضرورة إزالة القدرة على إعادة بنائه.
وقد أظهرت تحليلات أعقبت ضربات يونيو 2025 أن المنشآت الإيرانية تعرضت لأضرار واسعة، لكن الأسئلة استمرت بشأن أماكن بعض المواد والمعدات وقدرة طهران على إعادة بناء أجزاء من بنيتها النووية أو نقل أنشطتها إلى مواقع أخرى تحت الأرض.
ومن هنا، فإن تقديم قنبلة واحدة، مهما كانت قوتها، باعتبارها حلا نهائيا للمشكلة النووية الإيرانية يتجاهل الطبيعة المعقدة للبرنامج نفسه.
إيران تحاول نزع أثر التهديد
على الجانب الإيراني، اتجه الخطاب الرسمي وشبه الرسمي إلى التقليل من أثر التهديد الأمريكي وتصويره بوصفه جزءا من الحرب النفسية.
وتضمنت ردود صادرة عن مسؤولين ودوائر مرتبطة بالحرس الثوري سخرية من تسمية «أم القنابل» وتأكيدات بأن التلويح بحجم السلاح لن يدفع إيران إلى التراجع. كما وجهت طهران رسالة إلى مجلس الأمن احتجاجا على التهديدات الأمريكية باستخدام القوة.
هذه اللغة تخدم بدورها وظيفة سياسية ونفسية. فإظهار الخوف من التهديد الأمريكي من شأنه أن يضعف موقف القيادة الإيرانية داخليا وخارجيا، ولذلك تسعى طهران إلى إظهار أن التصعيد لن يغير حساباتها.
لكن الخطاب المتحدي لا يلغي المخاطر العملية.
فضرب منشآت للطاقة أو أهداف تقع قرب مناطق مأهولة يمكن أن يوقع خسائر بشرية ويصيب بنية تحتية حيوية، كما أن أي هجوم واسع يحمل احتمال رد إيراني يوسع المواجهة إلى القواعد الأمريكية أو الملاحة أو البنية الاقتصادية في المنطقة.
الضغط قد ينتج تنازلات.. أو تصعيدا
هنا تكمن المعضلة الأساسية في استراتيجية التهديد.
لكي تنجح دبلوماسية الإكراه، يجب أن يعتقد الطرف المستهدف أن التهديد حقيقي، وأن تكلفة رفض المطالب أعلى من تكلفة تقديم تنازلات. لكن رفع مستوى التهديد أكثر من اللازم قد يأتي بنتيجة معاكسة، إذ يدفع الخصم إلى الاعتقاد بأن المواجهة حتمية، فيقرر الاستعداد لها بدلا من التفاوض لتجنبها.
وفي الحالة الإيرانية، تزداد هذه المعضلة بسبب التجارب السابقة. فقد تعرضت المنشآت النووية الإيرانية بالفعل لضربات أمريكية وإسرائيلية، الأمر الذي قد يجعل طهران أقل اقتناعا بأن تقديم تنازلات محدودة سيزيل خطر الهجوم نهائيا.
وفي المقابل، قد تراهن واشنطن على أن إظهار استعدادها للانتقال إلى مستوى أعلى من القوة سيقنع القيادة الإيرانية بأن استمرار المواجهة ستكون تكلفته أكبر من تكلفة العودة إلى التفاوض.
بين الحسم العسكري والإكراه السياسي
في المحصلة، يصعب اعتبار التلويح بـ«أم القنابل» مجرد إعلان عن سلاح جديد سيحسم المواجهة مع إيران.
فالخصائص التقنية للقنبلة نفسها تضع علامات استفهام حول قدرتها على تدمير منشأة مدفونة عميقا تحت جبل، بينما تمتلك الولايات المتحدة بالفعل ذخائر صُممت تحديدا لهذه المهمة.
ولهذا تبدو القيمة الأساسية للتهديد أوسع من القوة التدميرية للقنبلة: إظهار أن واشنطن ما تزال تملك سلما للتصعيد، وأن بإمكانها رفع مستوى القوة إذا لم تحقق الضغوط السياسية أهدافها.
وقد يكون المقصود من ذلك دفع إيران نحو التنازل، أو تحسين موقف واشنطن في أي مفاوضات مقبلة، أو الإبقاء على خيار عسكري ذي أثر نفسي وسياسي كبير.
لكن ما لا تستطيع القنبلة ضمانه هو أن يتحول التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة.
فقد تدمر الضربة منشأة، لكنها قد تدفع إيران أيضا إلى الرد، وتوسع نطاق الحرب، وتزيد تمسكها بتحصين منشآتها أو إعادة بناء قدراتها في أماكن أكثر سرية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت «أم القنابل» قادرة على إحداث انفجار هائل؛ فهذا أمر معروف. السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان التهديد باستخدامها يستطيع تغيير حسابات القيادة الإيرانية من دون إشعال جولة جديدة يصعب على الطرفين التحكم في نهايتها.

