لا يحسم ظهور حمزة بن لادن في إصدار دعائي جديد مصيره، لكنه يكشف محاولة لاستثمار اسم المؤسس وإعادة تقديم رواية التنظيم إلى جيل لم يعش هجمات سبتمبر. وبين صورة الابن وكتابات سيف العدل، يسعى التنظيم إلى إظهار استمرارية قيادته ومشروعه، من دون الإجابة عن الأسئلة التي تحيط بهما.
ظهور يثير الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات
أعاد إصدار دعائي لتنظيم القاعدة، بمناسبة مرور خمسة وعشرين عامًا على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، فتح النقاش حول مصير حمزة بن لادن، الذي أعلنت الولايات المتحدة مقتله عام 2019. ويضم الفيديو، الذي تجاوزت مدته اثنتين وخمسين دقيقة، مشاهد يبدو أنها لم تُعرض من قبل، يظهر فيها نجل مؤسس التنظيم متحدثًا مباشرة إلى الكاميرا.
غير أن القيمة الخبرية لهذه المشاهد ينبغي فصلها عن الانطباع الذي يسعى الإصدار إلى توليده. فظهور مادة غير منشورة سابقًا لا يعني أنها حديثة التصوير، كما أن إدراجها في إنتاج جديد لا يثبت أن صاحبها لا يزال حيًا.
بحسب وصف التسجيل الوارد في المادة، لا تتضمن كلمات حمزة إحالات زمنية واضحة تتيح تحديد موعد تصويرها. ولذلك يبقى السؤال عن مصيره مفتوحًا في حدود ما يقدمه الفيديو، بينما تبدو وظيفته الدعائية أوضح: استعادة اسم بن لادن ووضعه في مركز الاهتمام، وإشغال المتابعين باحتمال العودة بدل الاكتفاء بمناقشة الغياب.
المونتاج يصنع انطباعًا لا يثبته التسجيل
يظهر حمزة في ثلاثة مقاطع تبدو مأخوذة من تسجيل واحد. وتتداخل كلماته مع صور لأحداث لاحقة لإعلان مقتله، بينها عودة طالبان إلى الحكم عام 2021 وهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. لكن حمزة نفسه، وفق المادة، لا يشير إلى هذه الأحداث.
هنا يعمل المونتاج على بناء علاقة زمنية قد يستنتجها المشاهد، من دون أن يصرح بها المتحدث. فالتتابع بين مشهدين قد يوحي بأن أحدهما يعلق على الآخر، رغم احتمال أن تفصل بينهما سنوات.
ولا يقتصر أثر هذه التقنية على إثارة التساؤلات حول حياة حمزة. إنها تمنح خطابًا قديمًا مظهر التعليق على الحاضر، وتتيح للتنظيم استخدام أرشيفه بوصفه صوتًا مستمرًا في أحداث لم يعاصرها بالضرورة أصحاب التسجيلات.
كذلك لا تكفي العمامة أو الجدار الطيني في خلفية المشهد لتحديد مكان التصوير. فهذه عناصر عامة يمكن أن تظهر في بيئات متعددة، وتحويلها إلى دليل على وجود حمزة في أفغانستان يتطلب قرائن مستقلة لا يوفرها الوصف المتاح.
الغموض بشأن المصير: أداة دعائية وحدود معرفية
يعرّف الفيديو حمزة باسمه ولقبه، من دون العبارات التي يستخدمها التنظيم عادة للدلالة على أن الشخص حي أو متوفى. ويظهر قدر مماثل من الالتباس في تقديم أيمن الظواهري، الذي أعلنت واشنطن مقتله في كابول عام 2022.
يمكن قراءة هذا الأسلوب بوصفه إبقاءً متعمدًا للاحتمالات مفتوحة. فالغموض يسمح للأنصار بتبني التفسير الذي يفضلونه، ويمنح التنظيم حضورًا إعلاميًا من دون إصدار رواية محددة يمكن اختبارها أو دحضها.
لكن غياب صيغة الترحم أو الدعاء بالحفظ لا يشكل، وحده، دليلًا حاسمًا على سياسة مقصودة. فقد يرتبط أيضًا باختيارات تحريرية أو باستخدام مواد أرشيفية. والأدق هو التعامل معه باعتباره عنصرًا في بناء الرسالة، لا مفتاحًا كافيًا لحسم مصير الشخصيات.
وتكمن فعالية هذا الالتباس في أن التنظيم لا يحتاج إلى تأكيد عودة حمزة كي يستفيد من تداول احتمالها. فالسؤال نفسه يعيد الاسم إلى النقاش ويمنح الإصدار اهتمامًا ربما لا تحققه مضامينه الأخرى.
الأرشيف بين إثبات الاستمرار وإخفاء الخسائر
يقدم الباحث عبد السيد، في التصريحات المنقولة بالمادة، تفسيرًا مختلفًا لظهور حمزة. فهو يضع المشاهد ضمن نمط أوسع من نشر تسجيلات وصور لقادة بعد مقتلهم، ويرى أن الكشف عن وجوههم قد يرتبط بزوال الاعتبارات الأمنية التي كانت تفرض إخفاءها.
ويميل الصحفي والمحلل الأمني إحسان الله تيبو محسود أيضًا إلى ترجيح وفاة حمزة، معتبرًا أن الأدلة التي يستند إليها هذا الترجيح أقوى من الاستنتاج المبني على ظهوره في إصدار جديد.
تلفت هذه القراءة إلى وظيفة مهمة للأرشيف: يستطيع التنظيم إعادة تقديم شخصيات غائبة بوصفها موارد مستمرة للتعبئة، من دون أن تكون لها أدوار راهنة. لكنه لا يصح تحويل هذا النمط بدوره إلى برهان قاطع على الوفاة؛ فسبق نشر صور لقادة بعد مقتلهم لا يعني أن كل ظهور جديد يندرج بالضرورة في السياق نفسه.
ما يثبته الإصدار بصورة أوضح هو قدرة القاعدة على إعادة توظيف مخزونها الإعلامي. أما وضع قياداتها وقدراتها التنظيمية الحالية فيحتاج إلى أدلة أخرى.
اسم بن لادن: شرعية موروثة لجمهور جديد
يحمل حمزة قيمة رمزية لا تعتمد بالكامل على موقعه التنظيمي أو حتى على حسم مصيره. فهو ابن مؤسس القاعدة، ويتيح ظهوره وصل صورة التنظيم الحالية بالرواية التي بناها حول نشأته وقيادته الأولى.
ومن هذه الزاوية، يصبح الاسم العائلي وسيلة لتعويض المسافة بين الأجيال. فالشباب الذين ولدوا بعد هجمات سبتمبر لم يعايشوا اللحظة التي جعلت القاعدة في صدارة الاهتمام العالمي. ويحتاج التنظيم إلى إعادة سرد تلك المرحلة لهم، وإقناعهم بأن تاريخًا يسبق وعيهم السياسي ما زال يحمل مشروعًا يستحق الالتفاف حوله.
وتشير قراءات الباحثين الواردة في المادة إلى أن إبراز حمزة يخدم أيضًا رواية مشاركة القيادة وأبنائها في الخسائر، في محاولة لتقليص المسافة المعنوية بينها وبين الأتباع.
لكن الرمز العائلي لا يثبت انتقال القيادة أو امتلاك خبرة عملياتية. وقد تكون قوة الاسم في المجال الدعائي أكبر من دلالته على توزيع السلطة الفعلي داخل التنظيم.
سيف العدل: حضور النص وغياب الإعلان
في مقابل ظهور حمزة، يحضر سيف العدل عبر مقتطفات من كتاباته وصور قديمة، من دون إعلان واضح في الإصدار يحدد موقعه القيادي الراهن.
وتقرأ الباحثة سارة هيرموش، وفق المادة، هذا الترتيب بوصفه توزيعًا للأدوار داخل الرسالة: كتابات سيف العدل توفر البناء الاستراتيجي، بينما يمنح اسم بن لادن الخطاب ثقله الرمزي والعاطفي.
هذا تفسير ممكن لطريقة بناء الفيديو، لكنه لا يثبت وجود شراكة قيادية بين الرجلين. فقد يجمع عمل دعائي بين مواد لشخصيات مختلفة، حية أو متوفاة، ليصنع إحساسًا بالاستمرارية لا يعكس بالضرورة الهيكل التنظيمي الحالي.
كما أن تكرار الاستشهاد بسيف العدل قد يشير إلى وزن أفكاره ونفوذه، لكنه لا يعادل إعلانًا رسميًا بالخلافة. ويظل التمييز ضروريًا بين القيادة المرجحة في تقديرات الباحثين، والصفة التي يعلنها التنظيم، والقدرة الفعلية على توجيه فروعه.
الظواهري وطالبان: صمت ذو حسابات محتملة
يربط تيبو محسود، في تحليله المنقول، عدم إعلان القاعدة رسميًا وفاة الظواهري بحساسية مقتله في كابل، وما قد يرتب عليه ذلك من إحراج لطالبان.
لهذا التفسير منطقه السياسي، لكنه لا يحسم دوافع الصمت. فقد تتداخل معه اعتبارات تتعلق بأمن القيادة، أو بإدارة الخلافة، أو باختيار توقيت الإعلان. كما لا يمكن الجزم بأن عدم تأكيد وفاة زعيم يجعل إعلان خلفه مستحيلًا؛ لكنه يعقد تقديم انتقال واضح ومتماسك أمام الأنصار.
وتكشف المسألة معضلة أوسع: يحتاج التنظيم إلى إظهار قيادة مستمرة كي يحافظ على التماسك، بينما قد تدفعه ضرورات الحماية والحسابات السياسية إلى إخفاء معلومات أساسية عنها.
وقد يخدم الغموض هذا التوازن فترة من الزمن، لكنه يترك أيضًا مجالًا للتكهن والتنافس على تفسير من يقود، ومن يتحدث باسم التنظيم، ومدى اتصال القيادة المركزية بفروعها.
ربع قرن من سبتمبر: إعادة كتابة معيار النجاح
يعيد الفيديو، بحسب المادة، تقديم هجمات سبتمبر بوصفها نقطة انطلاق لتحولات عالمية تصب في مصلحة مشروع القاعدة. ويستخدم تصريحات منتقاة لشخصيات غربية لإضفاء صدقية خارجية على هذه الرواية.
وتقوم هذه التقنية على نقل الكلام من سياقه الأصلي إلى سياق يخدم المنتج الدعائي. فانتقاد مسؤول غربي لسياسات بلاده، مثلًا، لا يعني موافقته على أهداف القاعدة أو تقييمه لنتائج أعمالها. لكن المونتاج يستطيع تقديم النقد باعتباره شهادة تؤيد رواية التنظيم.
الأعمق من ذلك هو محاولة تغيير معيار النجاح: فبدل قياس ما حققه التنظيم من أهداف سياسية محددة، يجري التركيز على حجم الاضطراب الذي أعقب الهجمات وانتشار جماعات مسلحة في مناطق مختلفة.
غير أن إحداث اضطراب لا يثبت تحقيق غاية سياسية، كما أن تعدد الجماعات المسلحة لا يعني خضوعها لقيادة واحدة أو نجاح مشروع واحد. وتغفل هذه الرواية كذلك الكلفة البشرية للهجمات والحروب اللاحقة، فتختزل الضحايا والمجتمعات المتضررة في خلفية لقصة تتمحور حول التنظيم.
بين المشروع العالمي والنماذج المحلية
تضع المادة الإصدار في سياق نقاش داخل أوساط متطرفة بشأن جدوى المشروع العابر للحدود مقارنة بمسارات تركز على السيطرة والحكم ضمن نطاق محلي.
وفي هذا السياق، يمكن فهم العودة المكثفة إلى إرث بن لادن بوصفها دفاعًا عن هوية القاعدة أمام نماذج تنازعها تعريف النجاح. فالتنظيم يسعى إلى إقناع جمهوره بأن التأثير العالمي والاستمرارية الفكرية يظلان معيارين مهمين، حتى حين تحقق قوى أخرى مكاسب سياسية أو ميدانية أكثر وضوحًا.
وقد تحمل هذه العودة ثقة بقوة الإرث، لكنها قد تعكس أيضًا حاجة متزايدة إليه. فالاعتماد على الشخصيات المؤسسة لا يكشف وحده إن كان التنظيم يجدد حضوره أم يعوض ضعف رموزه الراهنة. وحسم ذلك يتطلب النظر إلى أدائه الفعلي، وقدرته على الاستقطاب، وصلاته بفروعه، لا إلى إخراج الفيديو فقط.
ما الذي يكشفه الإصدار فعلًا؟
لا يقدم الفيديو، وفق المعلومات المتاحة، أساسًا كافيًا لإعلان أن حمزة بن لادن حي، أو أنه موجود في أفغانستان، أو أنه يتولى دورًا قياديًا جديدًا. كما لا يحسم موقع سيف العدل عبر بيان صريح.
لكنه يكشف محاولة مدروسة لإدارة صورة التنظيم: استدعاء اسم المؤسس من خلال ابنه، وإبراز كتابات شخصية قيادية غامضة، وإعادة تركيب الأرشيف داخل أحداث أحدث، وتقديم التاريخ بوصفه دليلًا على الاستمرار.
وتقتضي قراءة هذا النوع من الدعاية الفصل بين الظهور الإعلامي والقدرة العملياتية. فالفيديو يثبت قدرة على إنتاج رسالة وتوزيعها؛ أما تقدير التهديد فيحتاج إلى معلومات عن التنظيم والتمويل والتجنيد والتخطيط الفعلي.
السؤال الأكثر دلالة، لذلك، لا يقتصر على مصير حمزة، بل يمتد إلى حاجة القاعدة إلى استحضاره الآن. ففي المسافة بين الصورة والمعلومة، يحاول التنظيم استعادة الانتباه وصياغة معنى لاستمراره. وقد ينجح في إثارة الجدل، لكن الجدل حول بقائه لا يثبت قوة مشروعه.

