«لوموند» تروي مقتل راعٍ وأربعة من أبنائه وأحد أقاربه، بينهم رضيعة بعمر ثلاثة أشهر، فيما تؤكد إسلام آباد أن ضرباتها استهدفت جماعات مسلحة.
في ركن من مقبرة «بشاد» بين جبال ولاية كونر شرقي أفغانستان، تصطف ستة قبور حديثة بلا أسماء. تحت ترابها يرقد الراعي محمد يوسف، البالغ 65 عاماً، وأربعة من أبنائه وأحد أبناء إخوته، بعدما قُتلوا في غارة جوية باكستانية استهدفت منزلهم في وادي تشوغان، وفق تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية.
وكانت أصغر الضحايا رضيعة لا يتجاوز عمرها ثلاثة أشهر. أما الناجون من الأسرة، فهما زوجتا محمد يوسف وإحدى بناته، وقد انتقلن للإقامة لدى أقارب في منطقة أخرى.
وتوثق مراسلة الصحيفة، غزال كلشيري، من خلال زيارتها الموقع ولقاء أقارب الضحايا ومسؤولين محليين، جانباً من الكلفة الإنسانية للضربات التي تقول باكستان إنها تستهدف بها مواقع الجماعات المسلحة داخل أفغانستان.
رحلة رعي انتهت تحت الأنقاض
انتقل محمد يوسف إلى منزله الصيفي في وادي تشوغان، قرب الحدود الباكستانية، بحثاً عن مراعي لماشيته. وكان يعتزم العودة قبل اشتداد البرد، بحسب ابن عمه عبد الرؤوف شاهد.
وقال شاهد لـ«لوموند» إن قريبه كان راعياً، ولم تكن له صلة بأي جماعة مسلحة.
لكن الغارة، التي وقعت قرابة الثالثة والنصف فجراً في التاسع من شهر ميزان، أنهت حياة ستة من أفراد الأسرة. وهرع الجيران من منازلهم المتباعدة على سفح الجبل لمحاولة إنقاذهم.
وعند زيارة الموقع، شاهدت مراسلة الصحيفة منزلاً مدمراً، تتناثر بين أنقاضه قطع خشبية وملابس وفراش، فيما بقيت جيف أغنام حوله.
وقال المتحدث باسم شرطة كونر، فريد الله سالارزي، إن محمد يوسف كان يمتلك نحو ثمانين رأساً من الماشية، نفق معظمها في الهجوم. وأضاف أن أبناءه القتلى كانوا ثلاث بنات وابناً واحداً.
رواية الأسرة تقابلها تأكيدات باكستانية باستهداف مسلحين
أعلنت إسلام آباد، بعد ساعات من الهجوم، تنفيذ ضربات داخل الأراضي الأفغانية، قالت إنها استندت إلى معلومات استخباراتية موثوقة واستهدفت مواقع ومخابئ لجماعات مسلحة.
وبحسب الرواية الباكستانية، أسفرت الهجمات عن مقتل 22 مقاتلاً من حركة طالبان الباكستانية وتدمير مخازن أسلحة وذخائر.
غير أن هذه الحصيلة تخص الضربات التي أعلنتها إسلام آباد، ولا تقدم في المعلومات المنقولة تفسيراً محدداً لقصف منزل محمد يوسف، الذي ينفي أقاربه ارتباطه بالمسلحين.
وتبرز هنا فجوة بين التوصيف العسكري للعمليات والشهادات الميدانية عن ضحاياها، خصوصاً عندما يكون بين القتلى أطفال وأسرة تعتمد على الرعي في معيشتها.
خلاف حول حصيلة الضحايا المدنيين
تتهم باكستان الحكومة الأفغانية بالسماح لطالبان الباكستانية باستخدام أراضيها لشن هجمات عبر الحدود. وتؤكد أن عملياتها تستهدف مقاتلي الحركة ومعسكراتهم.
في المقابل، وثّقت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان «يوناما» سقوط ضحايا داخل البلاد نتيجة المواجهات والهجمات الحدودية. ووفق التقرير المنقول، بلغت الحصيلة حتى التاسع من سرطان عام 1405 الشمسي ما لا يقل عن 499 قتيلاً و1216 مصاباً. وهي حصيلة سابقة للهجوم على أسرة محمد يوسف، وليست حصيلة الغارة على منزله.
ورفضت باكستان الأرقام الأممية، وانتقدت عدم إدراج ضحايا الهجمات داخل أراضيها. وردّت البعثة بأن تفويضها يقتصر على أفغانستان، وأن تقاريرها تغطي الوقائع الواقعة ضمن هذا النطاق.
هل تحقق الضربات أهدافها؟
ترى كيت كلارك، من مديري شبكة محللي أفغانستان، أن الضربات الباكستانية تهدف إلى استهداف مقاتلي طالبان الباكستانية وقادتها، والضغط على كابل لمنع إيوائهم وقطع الدعم عنهم.
لكنها تعتبر أن استمرار قدرة الحركة على تنفيذ هجمات داخل باكستان يثير تساؤلات بشأن فاعلية هذا النهج، وتقول إن إسلام آباد لم تحقق هدفيها حتى الآن.
وبعيداً عن تقييم النتائج العسكرية، تكشف مأساة أسرة محمد يوسف أثر الضربات على المدنيين في المناطق الحدودية. فقد خسر الناجون أفراداً من عائلتهم ومنزلهم ومعظم ماشيتهم، ليواجهوا النزوح وفقدان مصدر الرزق معاً.
وفي مقبرة بشاد، تبقى القبور الستة الشاهد الأوضح على تلك الخسارة، فيما يظل مصير الأسرة الناجية معلقاً بقدرتها على إعادة بناء حياة انقطعت في ليلة واحدة.

