داود ياسر
بعد عام على إغلاق المعابر بين أفغانستان وباكستان، استطاع التجار الأفغان فتح مسارات جديدة لتبادل السلع، لكنهم لم يتمكنوا من تعويض مزايا الطريق الباكستاني الأقصر والأقل كلفة. وبين ارتفاع نفقات النقل وصعوبة تصريف المحاصيل، تتواصل خسائر الإغلاق، فيما يبقى استئناف الحركة التجارية مرهونًا بأزمة سياسية وأمنية لم تجد طريقها إلى التسوية.
أغلقت باكستان معابرها مع أفغانستان في 11 أكتوبر من العام السابق، عقب اشتباكات حدودية، فتوقفت حركة التجارة والمسافرين عبرها. ومع استمرار الإغلاق، تضررت مصالح تجار البلدين، اللذين كان حجم التبادل التجاري بينهما يُقدّر بنحو 2.5 مليار دولار سنويًا.
المحاصيل الطازجة في مقدمة الخسائر
ألحق إغلاق المعابر أضرارًا واسعة بالصادرات الزراعية الأفغانية، ولا سيما الفواكه والخضراوات الطازجة، التي يعتمد تسويقها على سرعة النقل والوصول إلى المشترين قبل تراجع جودتها.
وقال الحاج سعد الله، وهو تاجر فواكه في قندهار، إن الإغلاق انعكس بشدة على أسعار المنتجات الزراعية. وتؤكد غرفة التجارة المشتركة بين أفغانستان وباكستان أن تعطل التصدير حرم التجار من منفذ قريب ومهم لتصريف هذه المنتجات.
ورغم العثور على أسواق جديدة، يرى رئيس الغرفة، خان جان ألكوزاي، أن القرب الجغرافي يمنح الطريق الباكستاني ميزة يصعب تعويضها. ويلخص ذلك بقوله: «نغادر كابل اليوم ونصل إلى لاهور غدًا»، مشيرًا إلى أن استمرار الإغلاق يضر باقتصادي البلدين.
وتزداد أهمية عامل الوقت بالنسبة إلى المنتجات سريعة التلف؛ فالمسارات الأطول ترفع كلفة الشحن وتزيد مخاطر فقدان المحصول جزءًا من قيمته قبل الوصول إلى السوق.
البدائل تُبقي التجارة مستمرة بكلفة أعلى
دفع استمرار الإغلاق أفغانستان إلى توسيع علاقاتها التجارية وتنويع طرق النقل. وقال ألكوزاي إن التجار وجدوا منافذ جديدة، من بينها أوزبكستان، تصل عبرها الصادرات الأفغانية إلى روسيا ودول أخرى.
وكان نائب رئيس وزراء حكومة طالبان للشؤون الاقتصادية، عبد الغني برادر، قد دعا التجار، خلال العام الماضي، إلى البحث عن أسواق وطرق بديلة للمسار الباكستاني.
وتشمل الدول التي تستورد منها أفغانستان سلعًا، وفق التقرير، إيران وروسيا وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان والصين وبيلاروسيا وتركيا. غير أن استمرار تدفق البضائع لا يعني زوال آثار الإغلاق؛ إذ يؤكد مسؤولو الغرفة التجارية أن طول الطرق البديلة يزيد الوقت اللازم للنقل ويرفع تكاليف الاستيراد والتصدير.
ويقول ألكوزاي إن التجارة مستمرة، لكن عبر مسارات أطول وبنفقات أعلى، وهو ما يجعل البدائل قادرة على تأمين حركة السلع، من دون أن تعوض بالكامل مزايا المرور عبر باكستان.
معابر معطلة تتجاوز أهميتها التجارة الثنائية
قبل الإغلاق، كانت معابر طورخم وسبين بولدك وغلام خان وخرلاشي وأنغور أده ممرات رئيسية للتجارة الثنائية وتجارة العبور، كما أسهمت في ربط أسواق آسيا الوسطى وجنوب آسيا. وكان ميناء كراتشي منفذًا بحريًا قريبًا تستخدمه أفغانستان في تجارتها الخارجية.
ولهذا، لا تقتصر تداعيات الأزمة على توقف المبادلات عبر الحدود؛ بل تشمل إعادة توجيه الشحنات وتغيير ترتيبات النقل والتسليم، بما يفرض أعباء إضافية على التجار.
وتتهم حكومة طالبان إسلام آباد باستخدام التجارة أداة ضغط، وتدعو إلى فصل النشاط الاقتصادي عن الخلافات السياسية والأمنية. في المقابل، تربط باكستان الأزمة بمخاوفها من نشاط جماعات مسلحة تقول إنها تنطلق من الأراضي الأفغانية.
خلاف أمني يُبقي الحدود مغلقة
تتهم إسلام آباد حركة طالبان باكستان وجماعات مسلحة أخرى باستخدام الأراضي الأفغانية للتخطيط لهجمات داخل باكستان. وترد كابل بأن نشاط الجماعات الباكستانية المسلحة وانعدام الأمن يمثلان مشكلة داخلية يتعين على السلطات الباكستانية معالجتها.
ومنذ أكتوبر 2025، شهدت الحدود مواجهات متكررة بين القوات الباكستانية وقوات طالبان، إلى جانب ضربات جوية وعمليات عسكرية متبادلة، وفق التقرير. وأسهم هذا التصعيد في تعقيد فرص التهدئة وإعادة فتح المعابر.
وفي ظل استمرار تبادل الاتهامات، بقيت مصالح التجار والمزارعين مرتبطة بمسار خلاف يتجاوز قدرتهم على التأثير، بينما تتراكم أعباء النقل والتخزين وتعطل الوصول إلى الأسواق.
عودة الأفغان مستمرة رغم القيود
بالتوازي مع توقف الحركة التجارية المعتادة، استمرت عودة أفغان من باكستان عبر الحدود، بمن فيهم أشخاص رُحّلوا قسرًا. ووفق لجنة معالجة مشكلات اللاجئين التابعة لحكومة طالبان، عاد 136 شخصًا من باكستان في 11 أكتوبر 2026، بعدما بلغت الأعداد في بعض الفترات السابقة آلاف الأشخاص يوميًا.
وقالت وزارة الخارجية الأفغانية إن أكثر من ثمانية ملايين أفغاني عادوا خلال السنوات الخمس الماضية، معظمهم من باكستان وإيران، سواء طوعًا أو قسرًا.
وتضيف حركة العودة أعباء على بلد يواجه أصلًا تحديات اقتصادية وإنسانية، فيما تؤكد الأمم المتحدة ضرورة ضمان عودة طوعية وكريمة للأفغان.
وبعد عام من الإغلاق، تبدو التجارة الأفغانية أكثر تنوعًا في مساراتها، لكنها تتحمل كلفة أعلى للوصول إلى الأسواق. أما التجار والمزارعون على جانبي الحدود، فلا يزالون ينتظرون تسوية تعيد فتح المعابر وتخفف خسائر أزمة لم يتضح موعد انتهائها.

