حماد جليلي
حذّر عطا محمد نور، أحد أبرز الشخصيات السياسية الأفغانية المعارضة لطالبان، من الزجّ بالشباب الأفغاني في حروب تخدم مصالح قوى أجنبية، وذلك في رسالة نشرها على منصة «إكس»، تزامنت مع تقارير عن مواجهات بين جبهة الحرية وقوات طالبان في ولاية نورستان.
ولم يسمِّ نور شخصًا أو جماعة في رسالته، لكنه انتقد ما وصفه بالخطط المتسرعة التي تدفع الشباب والمهاجرين وأبناء الفئات المظلومة إلى القتال، مؤكدًا أن العمل المسلح يتطلب رؤية استراتيجية وخبرة وخططًا مسؤولة ومنسقة على مستوى البلاد.
وشدّد على أن تحرير البلاد ينبغي أن يستند إلى إرادة شعبية مستقلة، محذّرًا من تحويل المقاتلين الأفغان إلى أدوات بيد قوى خارجية. وأوضح أن موقفه يستند إلى تجربته الممتدة على مدى خمسة وأربعين عامًا من الحرب والعمل السياسي، وليس إلى خصومة مع جهة بعينها.
روايات متباينة بشأن مواجهات نورستان
جاءت رسالة نور عقب أنباء عن اشتباكات في مديرية كامديش بولاية نورستان. وذكرت مصادر مقربة من طالبان أن قواتها أحبطت تسلل مجموعة مسلحة من منطقة شيترال الباكستانية، واعتقلت خمسة عشر شخصًا، فيما قُتل آخرون وعاد بعض أفراد المجموعة إلى الجانب الباكستاني، وفق رواية تلك المصادر.
وتداول حسابات مؤيدة لطالبان مقاطع مصورة لمعتقلين قالوا إنهم تلقوا تدريبات على أيدي عسكريين باكستانيين قبل إرسالهم إلى أفغانستان. ولا تتيح المعلومات الواردة في هذه التقارير التحقق بصورة مستقلة من صحة تلك الأقوال أو الظروف التي سُجّلت فيها.
في المقابل، أعلنت جبهة الحرية وقوع مواجهات بين مقاتليها وقوات طالبان في نورستان، ورفضت رواية الحركة بشأن أسر عناصرها.
كما أصدرت جبهة المقاومة الوطنية، بقيادة أحمد مسعود، بيانًا أعربت فيه عن تضامنها مع جبهة الحرية، وأدانت ما وصفته بسوء معاملة طالبان لأسرى الحرب. ونسب البيان المعتقلين إلى جبهة الحرية، بما يتعارض مع نفي الأخيرة، ويُبقي تفاصيل الواقعة محل خلاف بين الروايات المتداولة.
هل كان ياسين ضياء المقصود بالرسالة؟
أثار توقيت رسالة نور ومضمونها تساؤلات عمّا إذا كان تحذيره موجّهًا إلى ياسين ضياء، قائد جبهة الحرية، في ضوء التطورات الميدانية في نورستان.
غير أن نور لم يذكر ضياء أو الجبهة صراحة، ولذلك يظل تحديد الجهة المقصودة قراءةً في سياق الرسالة، وليس موقفًا معلنًا من صاحبها. كما أن بيان جبهة المقاومة الوطنية، رغم تناوله هوية المعتقلين، لا يحسم هوية الطرف الذي خاطبه نور.
وتتمحور الرسالة حول قضيتين أساسيتين: تجنّب تعريض الشباب لخسائر ناجمة عن عمليات غير مدروسة، والحفاظ على استقلالية العمل المعارض عن مصالح القوى الأجنبية.
موقف متكرر من التدخل الخارجي
ليست هذه المرة الأولى التي يحذّر فيها نور من تحوّل أفغانستان إلى ساحة لحروب بالوكالة. ففي رسالة سابقة بمناسبة عيد الأضحى، أشار إلى تقارير عن محاولات لتعزيز تنظيم داعش وتهيئة موجة جديدة من العنف وانعدام الأمن.
واعتبر أن دعم الجماعات المتطرفة وتحويل البلاد إلى ساحة صراع خارجي قد يدفعان الأفغان إلى دورة أخرى من الدماء والدمار. وشدّد على أن الخلاف مع طالبان لا يبرر قتل المدنيين أو انتهاك السيادة الوطنية.
وأكد في الرسالة نفسها أن الجمعية الإسلامية الأفغانية لن تشارك في حرب بالوكالة أو مشروع يقدّم مصالح الخارج على المصالح الوطنية، معلنًا رفض التدخل الأجنبي والمساس بسيادة البلاد.
شترال في تقارير تحرّكات الجماعات المسلحة
تأتي هذه التحذيرات في ظل تقارير عن تجمّع عسكريين أفغان سابقين في باكستان وتلقّيهم تدريبات في منطقة شيترال استعدادًا للقتال ضد طالبان. وتحدثت تقارير أخرى عن ظهور جماعات مسلحة جديدة وتنفيذ هجمات في منطقتَي يفتل وزيباك بولاية بدخشان، بعد عبور مقاتلين من الجانب الباكستاني.
لكن هذه المعلومات، بصيغتها المتداولة، لا تكفي وحدها لإثبات طبيعة الدعم الذي تتلقاه تلك الجماعات، أو مدى ارتباط تحرّكاتها بجهات رسمية باكستانية.
وقد يكون تشديد طالبان إجراءاتها الأمنية في بدخشان أحد العوامل التي دفعت بعض المجموعات إلى البحث عن مسارات أخرى، من بينها نورستان. غير أن الحديث عن خطة للسيطرة على منطقة محددة، أو عن نتائج تلك الخطة، يحتاج إلى معلومات مستقلة تتجاوز روايات الأطراف المتنازعة.
ومع اقتراب الشتاء، قد تتراجع إمكانية استخدام المسارات الجبلية بين شيترال وشمال شرقي أفغانستان. إلا أن ربط أي تصعيد ميداني مرتقب بهذا العامل يظل تقديرًا تحليليًا، لا واقعة مؤكدة.
استقلال القرار وحماية الشباب
تعكس تصريحات عطا محمد نور جانبًا من النقاش داخل الأوساط المعارضة لطالبان بشأن جدوى العمل المسلح وشروطه، وحدود الاستعانة بالخارج، والكلفة البشرية لأي تصعيد.
وبينما تختلف الأطراف في روايتها لما جرى في نورستان، تبرز الحاجة إلى التمييز بين الوقائع التي يمكن التحقق منها والاتهامات السياسية المتبادلة. فوصف تحرّكات جبهة الحرية بأنها حرب بالوكالة يحتاج إلى أدلة مستقلة على طبيعة ارتباطاتها ومصادر دعمها، ولا يمكن حسمه بالاستناد إلى تصريحات خصومها وحدها.
وتبقى القضية الأوسع التي تطرحها رسالة نور هي كيفية تجنّب تعريض الشباب الأفغاني لمزيد من الخسائر، ومنع تحوّل الخلافات الداخلية إلى مسار جديد للتدخلات والصراعات الخارجية.

