الملف الافغاني
انتقلت تداعيات المواجهات الأخيرة في ولاية نورستان شرقي أفغانستان إلى صفوف المعارضة المسلحة، وسط روايات عن خلافات بين قادتها بشأن الخسائر ومصير المقاتلين، وشكوك في انكشاف تحركاتهم أمام أجهزة الاستخبارات الأفغانية.وتزامن ذلك مع انتقاد عطا محمد نور إرسال شباب محتاجين ومهاجرين إلى مواجهات متعجلة إرضاءً لأطراف أجنبية، في موقف أعاد طرح أسئلة بشأن مسؤولية القيادة عن قرارات القتال وكلفتها البشرية.
وبحسب المصادر الأمنية التي يستند إليها التقرير، قاد فضل ربي خنجاني العملية، قبل أن ينشب خلاف بينه وبين قائد يُدعى صفي، تربطه صلة قرابة بياسين ضياء، حول حجم الخسائر وسبل إخراج المقاتلين العالقين. وتبقى تفاصيل الاتصالات الداخلية والاختراق المزعوم موضع روايات لم تُدعَم بأدلة مستقلة متاحة.
نورستان.. موقع للتمركز أم ساحة مكشوفة؟
تقول المصادر الأمنية إن خنجاني تولّى قيادة أكثر من مئة مقاتل، بهدف قطع الطريق بين مديريتي برغمتال وكامديش، تمهيداً لتوسيع النشاط المسلح داخلهما.
وتضيف أن التحرك كان جزءاً من تصور لإقامة قواعد للمعارضة في نورستان، مستفيدة من قرب الولاية من الحدود الباكستانية لتسهيل الإمداد وإجلاء الجرحى والتنقل عبر الحدود.
لكن المجموعة، وفق المصادر نفسها، واجهت استعداداً مسبقاً من قوات حكومة طالبان، وانتهى تحركها بمقتل وأسر عشرات من أفرادها. ومع تعثّر العملية، حاول خنجاني إعادة من تبقّى إلى باكستان، فتمكّن من إخراج عدد محدود، بينما ظل آخرون عالقين في جبال نورستان.
وتثير هذه الرواية تساؤلات بشأن تقدير القيادة لطبيعة المنطقة وقدرتها على إقامة وجود مستمر فيها. فالقرب من الحدود، وإن عُدّ ميزة للإمداد والانسحاب، لا يكفي وحده لضمان نجاح التحرك أو حماية المشاركين فيه.
خلاف على الخسائر ومحاولات الانسحاب
بحسب إفادات منسوبة إلى أشخاص تحتجزهم الاستخبارات الأفغانية، طلب خنجاني مساعدة صفي، الذي يتولى مسؤولية عسكرية في تشترال الباكستانية، لتأمين خروج بقية المقاتلين.
وتنقل هذه الإفادات عن صفي اعتراضه على حجم الخسائر خلال فترة قصيرة، ومقارنتها بما قال إنه تكبّده خلال أشهر من القتال قرب بدخشان، قبل أن يتهم خنجاني بتسريب الخطة وتسليم مقاتليه إلى السلطات الأفغانية.
ولم تتضح ظروف الحصول على هذه الإفادات، كما لا تتوافر أدلة مستقلة تثبت مضمون المحادثة أو وقوع ترتيب لتسليم المقاتلين. ولا تتضمن المادة المتاحة رداً من خنجاني أو صفي على ما نُسب إليهما.
وتتحدث الرواية كذلك عن محاولات باكستانية للمساعدة في إخراج العالقين. وإذا تأكدت هذه التفاصيل، فإنها تشير إلى انتقال الأولوية من تنفيذ العملية إلى احتواء خسائرها، وسط خلاف على مسؤولية القيادة الميدانية والجهات الداعمة.
شكوك في اختراق الصفوف
في موازاة الخلاف على إدارة العملية، ينقل التقرير عن مصدر قريب من المعارضة المسلحة بقيادة ياسين ضياء اعتقاده بأن الاستخبارات الأفغانية تمكّنت من اختراق صفوفها، مستنداً إلى ما وصفه بدقة معرفة السلطات المحلية بتحركات المقاتلين.
ويرجّح المصدر وجود أشخاص نقلوا معلومات عن المجموعة، ويرى أن إعادة تنظيم الصفوف ومراجعة إجراءاتها الداخلية ينبغي أن تسبق أي تحرك عسكري جديد.
ويكشف هذا التقدير عن أزمة ثقة داخلية، لكنه لا يثبت بمفرده وقوع اختراق أو يحدد مصدر المعلومات التي امتلكتها السلطات. فمعرفة تحركات مجموعة مسلحة قد تنتج عن وسائل مختلفة، ولا يمكن حسم كيفية انكشافها من دون أدلة إضافية.
ومع ذلك، فإن طرح احتمال تسريب الخطة من داخل الصفوف يوسّع الخلاف بين القادة، إذ ينقل النقاش من تقييم الأداء الميداني إلى التشكيك في سلامة الاتصالات والثقة بين المشاركين.
اعتراض نور ومسؤولية القرار
سياسياً، يضع موقف عطا محمد نور قيادة المعارضة أمام سؤال يتعلق بجدوى إرسال الشباب إلى مواجهات ترتبط بحسابات خارجية، وبمدى التناسب بين الأهداف المنشودة والخسائر المحتملة.
ولا يشكل اعتراضه تأكيداً لأعداد القتلى والأسرى أو لصحة الاتصالات المنسوبة إلى القادة، لكنه يعكس تبايناً بشأن طريقة إدارة العمل المسلح وأولوياته.
وتطال الانتقادات الواردة في الرواية ياسين ضياء، وتحمّله مسؤولية الدفع بمقاتلين إلى منطقة لا ينتمون إليها، ولا يعرفون تضاريسها أو لغة سكانها وعاداتهم.
ولا يكفي ذلك وحده للجزم بغياب التخطيط، لكنه يجعل اختيار المجموعة وحجمها وموقع تحركها عناصر أساسية في تقييم القرار. فالمعرفة المحلية لا تقتصر على الطرق والمسالك، بل تشمل القدرة على فهم البيئة الاجتماعية وبناء علاقات تتيح استمرار الوجود فيها.
ومن هنا، يتجاوز الخلاف نتيجة مواجهة واحدة إلى سؤال أوسع: هل امتلكت القيادة تقديراً واقعياً لقدرة المقاتلين على تنفيذ المهمة، أم حمّلتهم أهدافاً تتجاوز استعدادهم وإمكاناتهم؟
رواية حكومية ونفي باكستاني
بحسب المصادر الحكومية الأفغانية، كانت أجهزة الاستخبارات تتابع تحركات المجموعة، وسمحت لها بعبور الخط الحدودي والتقدم قبل تنفيذ العملية ضدها، في إجراء تصفه بأنه استند إلى معلومات مسبقة.
وتنسب هذه المصادر إلى الاستخبارات الباكستانية مساعدة المقاتلين وتوجيههم لتحقيق أهداف في برغمتال وكامديش. في المقابل، نفت وزارة الإعلام الباكستانية، وفق المعلومات الواردة في التقرير، مسؤولية إسلام آباد عن الحادث.
وتقول المصادر الأفغانية إنها اعترضت اتصالات لاسلكية بين المقاتلين وجهات باكستانية، وإن بين المتحدثين ضباطاً يستخدمون اللغة الأردية.
مصير المقاتلين أولاً
خلف الخلافات السياسية والعسكرية، يبقى مصير القتلى والأسرى والمفقودين القضية الأكثر إلحاحاً، إلى جانب حق أسرهم في معرفة ما جرى.
وتتطلب مساءلة القيادة توضيح من أجاز العملية، وما المعلومات التي كانت متاحة قبل تنفيذها، ومتى اتضح تعثّرها، وما الإجراءات التي اتُخذت لحماية المشاركين أو إخراجهم.
كما يتطلب تحديد المسؤولية نشر معلومات قابلة للتحقق عن المحتجزين والمفقودين، وإتاحة ردود الأطراف المعنية. فمن دون ذلك، ستظل أحداث نورستان محكومة بروايات متنافسة، بينما يتحمّل المقاتلون وأسرهم الكلفة المباشرة لقرارات القيادة.

