لا ينبغي النظر إلى مشروع كاسا-1000 باعتباره مجرد خط لنقل الكهرباء من آسيا الوسطى إلى جنوب آسيا؛ فالمشروع يحمل في طياته أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية واستراتيجية تتجاوز قطاع الطاقة نفسه، وفي الحالة الأفغانية تحديداً، يمكن أن يمثل المشروع اختباراً عملياً لقدرة البلاد على تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر للقوة الاقتصادية والنفوذ الإقليمي، بدلاً من أن يبقى هذا الموقع لعقود عاملاً من عوامل التنافس والصراع.
المعادلة التي يقوم عليها المشروع تبدو واضحة؛ فدولتا قرغيزستان وطاجيكستان تمتلكان إمكانات كهربائية، وباكستان تحتاج إلى مزيد من الطاقة، وأفغانستان تقع في قلب الطريق الذي يربط الطرفين، لكن خلف هذه المعادلة البسيطة تكمن شبكة واسعة من المصالح، تجعل نجاح كاسا-1000 مرتبطاً بقدرة الدول الأربع على بناء مستوى من التعاون يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
أفغانستان.. الحلقة التي تربط منظومتين إقليميتين
تكمن القيمة الاستراتيجية الأكبر للمشروع بالنسبة لأفغانستان في أن أراضيها تمثل حلقة وصل بين منظومتين مختلفتين، وهما آسيا الوسطى المنتجة للطاقة وجنوب آسيا المستهلكة لها، وهذا الموقع يمنح أفغانستان أهمية لا تحصل عليها من خلال عائدات العبور وحدها، فكلما أصبحت البلاد جزءاً من البنية التحتية الإقليمية للطاقة والنقل والتجارة، ازدادت قيمتها كشريك اقتصادي لا يمكن تجاوز دوره بسهولة.
ومن هنا يمكن قراءة مشروع كاسا-1000 ضمن مفهوم أوسع يتمثل في إعادة تعريف وظيفة الجغرافيا الأفغانية، فبدلاً من أن تكون أفغانستان منطقة فاصلة بين أقاليم متنافسة، يمكن أن تتحول إلى منطقة اتصال بين هذه الأقاليم. وهذا التحول، إذا ترسخ عبر مشاريع متعددة، قد يمنح كابل أوراقاً اقتصادية وسياسية إضافية في علاقاته مع دول الجوار وآسيا الوسطى وجنوب آسيا.
الطاقة بوابة إلى التكامل الإقليمي
أهمية المشروع لا تكمن في نقل الكهرباء فحسب، وإنما في قدرته على خلق مصالح متشابكة بين الدول المشاركة؛ فعندما تعتمد دولة على بنية تحتية موجودة في دولة أخرى لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وتنظر دولة ثالثة إلى تلك البنية باعتبارها طريقاً للوصول إلى سوق جديدة، تصبح المحافظة على المشروع مصلحة مشتركة لجميع الأطراف، وهنا تتحول الكهرباء إلى أداة للتكامل الإقليمي.
فقرغيزستان وطاجيكستان تبحثان عن أسواق مناسبة لاستثمار قدراتهما الكهرومائية، وباكستان تبحث عن مصادر إضافية للطاقة، بينما تستطيع أفغانستان الاستفادة من موقعها كممر استراتيجي. وبالتالي فإن المشروع يخلق نموذجاً اقتصادياً يقوم على المصالح المتبادلة المشتركة بدلاً من العلاقات القائمة فقط على الاعتبارات السياسية كما كان الحال سابقا.
لماذا تحتاج أفغانستان إلى هذا النوع من المشاريع؟
تحتاج أفغانستان إلى أكثر من الاستثمارات المنفردة أو المشاريع المحلية إذا أرادت بناء اقتصاد قادر على الاستمرار والنمو، فالاقتصاد الجغرافي للبلاد يمنحها فرصة نادرة لتصبح جزءاً من شبكات اقتصادية عابرة للحدود. ومن هذه الزاوية، فإن كاسا-1000 يمكن أن يمثل بنية تحتية استراتيجية وليس مشروعاً منفرداً؛ فوجود خط إقليمي للطاقة يمكن أن يدعم مستقبلاً إنشاء مشاريع أخرى مرتبطة به، سواء في مجال الطاقة أو النقل أو الصناعة أو الخدمات اللوجستية، وكلما توسعت هذه الشبكات، ازدادت أهمية أفغانستان بالنسبة إلى اقتصادات المنطقة.
كما أن عائدات العبور تمثل جانباً مباشراً من الفائدة، وتشير التقديرات الواردة بشأن المشروع إلى إمكانية حصول أفغانستان على نحو ۴۵ مليون دولار سنوياً من رسوم العبور، لكن القيمة الاستراتيجية الحقيقية تتجاوز هذا الرقم؛ إذ تتمثل في ترسيخ البلاد كممر اقتصادي إقليمي وجذب مشاريع جديدة تستفيد من الموقع ذاته.
كاسا-1000 والعلاقة مع باكستان
ربما تكون العلاقة الأفغانية الباكستانية أحد أكثر العوامل حساسية في مستقبل المشروع؛ فباكستان ليست مجرد دولة مشاركة في المشروع؛ إنها السوق المستفيدة من الكهرباء المنقولة من آسيا الوسطى عبر الأراضي الأفغانية، ولذلك فإن استقرار التعاون بين كابل وإسلام آباد يخدم مصلحة اقتصادية مباشرة للطرفين، وهنا تظهر أهمية فصل المشاريع الاقتصادية عن الخلافات السياسية قدر الإمكان.
فالخلافات على امتداد خط "ديوراند" الأمنية والسياسية يمكن أن تستمر، لكن تعطيل المشاريع الاقتصادية العابرة للحدود يخلق خسائر مشتركة. وفي المقابل، فإن استمرار التعاون في مشاريع مثل كاسا-1000 يمكن أن يخلق قنوات اتصال ومصالح اقتصادية تساعد على خفض مستوى التوتر وتعزيز منطق الحوار. ومن هذ المنطلق، يمكن أن يتحول المشروع إلى اختبار للعقلانية الاقتصادية في العلاقات الأفغانية الباكستانية: هل تستطيع الدولتان حماية المصالح الاقتصادية المشتركة حتى عندما تختلفان سياسياً؟
أمن المشروع.. مصلحة مشتركة لا مسؤولية أفغانية وحدها
من الخطأ النظر إلى أمن كاسا-1000 باعتباره مسؤولية أفغانستان وحدها؛ لأن المشروع يخدم مصالح أربع دول، وحماية خط الطاقة واستمرارية تشغيله مصلحة مشتركة بين المنتجين والممر والسوق، وكل دولة تستفيد من المشروع لديها مصلحة مباشرة في استقراره.
وهذا يفتح الباب أمام مقاربة جديدة للأمن الإقليمي تقوم على أن المشاريع الاقتصادية نفسها يمكن أن تصبح أدوات للاستقرار. فكلما زادت قيمة المصالح المشتركة، ازدادت الحوافز لدى الأطراف للحفاظ على أمن الطرق والمنشآت وخطوط الطاقة.
وبالنسبة لأفغانستان، فإن نجاحها في توفير بيئة آمنة للمشاريع الإقليمية يمكن أن يحمل أثراً يتجاوز المشروع نفسه؛ لأنه يبعث رسالة إلى المستثمرين والدول المجاورة بأن البلاد قادرة على استضافة بنية تحتية استراتيجية طويلة الأمد.
من كاسا-1000 إلى ممر اقتصادي أوسع
الأهمية الحقيقية للمشروع تظهر بصورة أكبر عند وضعه ضمن خريطة المشاريع الإقليمية الأخرى، فإذا نجحت أفغانستان في الجمع بين مشاريع الطاقة والطرق والسكك الحديدية والتجارة، فإنها تستطيع بناء ممر اقتصادي متكامل يربط آسيا الوسطى بالموانئ والأسواق في جنوب آسيا.
وفي هذه الحالة، لن تكون قيمة أفغانستان مقتصرة على رسوم عبور الكهرباء أو البضائع، بل ستنشأ حول الممر منظومة من الخدمات والتجارة والاستثمار والصناعة، وهنا تحديداً يمكن أن تتحول الجغرافيا إلى رأس مال اقتصادي، فالدول التي تقع في قلب طرق التجارة والطاقة تمتلك عادة قدرة أكبر على التأثير في حركة الاقتصاد الإقليمي، شرط أن تمتلك البنية التحتية والاستقرار والسياسات الاقتصادية اللازمة لاستثمار موقعها.
التعاون الرباعي هو مفتاح المشروع
لا يمكن لأي دولة من الدول الأربع أن تحقق أهداف المشروع منفردة، فقرغيزستان وطاجيكستان تحتاجان إلى سوق مستقر للكهرباء، وباكستان تحتاج إلى الطاقة، وأفغانستان تحتاج إلى استثمار موقعها الاستراتيجي وتحويله إلى عائد اقتصادي طويل الأمد. وبالتالي فإن مصالح الدول الأربع، رغم اختلافها، تلتقي حول مشروع واحد.
لكن استمرار هذه المصالح يحتاج إلى آليات عملية للتنسيق، تشمل الجوانب الفنية والمالية والأمنية والسياسية. كما يحتاج إلى التزام طويل الأمد؛ لأن مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود لا تُبنى بمنطق القرارات قصيرة الأجل. ومن هنا فإن نجاح كاسا-1000 سيكون في جانب منه اختباراً لنضج التعاون الإقليمي في آسيا الوسطى وجنوب آسيا.
البعد الجيوسياسي.. عندما تصبح الطاقة أداة للنفوذ
تاريخياً، كانت أفغانستان تقع في نقطة تقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية، لكن المشاريع الاقتصادية تمنح البلاد فرصة لإعادة تعريف هذا الدور؛ فالدولة التي تصبح ممراً رئيسياً للطاقة والتجارة لا تكون مجرد متلقٍ للمشاريع، وإنما تصبح طرفاً في معادلة المصالح الإقليمية.
ولهذا يمكن أن يمنح كاسا-1000 أفغانستان وزناً إضافياً في علاقاتها مع دول آسيا الوسطى وباكستان كجسر رابط بين الدول وبين المشاريع الضخمة، خصوصاً إذا تمكنت من تطوير شبكة أوسع من مشاريع الربط الاقتصادي، لكن هذا النفوذ لن يأتي تلقائياً؛ بل يتطلب إدارة ذكية للموقع الجغرافي، واستقراراً داخلياً، واستمرارية في السياسات الاقتصادية، وقدرة على بناء الثقة مع الشركاء.
المشروع فرصة لا ينبغي اختزالها في الكهرباء
من الخطأ اختزال كاسا-1000 في كمية الكهرباء التي سينقلها أو قيمة رسوم العبور التي ستحصل عليها أفغانستان، القيمة الأكبر للمشروع تتمثل في المسار الذي يمكن أن يفتحه أمام أفغانستان، فإذا أصبحت البلاد جزءاً ثابتاً من شبكات الطاقة الإقليمية، فإن ذلك قد يساعدها على الانتقال تدريجياً من اقتصاد يعتمد على الواردات والمساعدات إلى اقتصاد يستفيد من التجارة العابرة للحدود والخدمات اللوجستية والطاقة والاستثمار الإقليمي، ومن هنا فإن المشروع يمكن أن يكون مقدمة لمعادلة أكبر: الطاقة تفتح الطريق، والطريق يفتح التجارة، والتجارة تخلق مصالح مشتركة، والمصالح المشتركة تعزز الاستقرار.
كاسا-1000.. اختبار لقدرة المنطقة على التعاون
لا يتعلق مستقبل كاسا-1000 بالقدرة التقنية على مد خطوط الكهرباء فقط، وإنما بقدرة الدول الأربع على حماية فكرة التعاون الإقليمي نفسها؛ فالمشروع يجمع بين دول تختلف في أوضاعها الاقتصادية والسياسية، لكنه يضعها أمام مصلحة مشتركة واضحة، وإذا تمكنت من تجاوز الخلافات والتنسيق بصورة مستمرة، فإن كاسا-1000 قد يصبح نموذجاً لمشاريع إقليمية أكبر. أما بالنسبة لأفغانستان، فإن الرهان يتجاوز الحصول على عائدات العبور؛ إنه رهان على إعادة صياغة موقع البلاد في المعادلة الإقليمية.
فأفغانستان التي كانت تُنظر إليها لعقود باعتبارها ساحة للصراع بين القوى المختلفة، تستطيع من خلال مشاريع الربط الاقتصادي أن تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها جسراً بين الأقاليم، وممراً للطاقة والتجارة، وشريكاً في الاقتصاد الإقليمي، ولهذا فإن استكمال كاسا-1000 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إنجازاً في قطاع الكهرباء فحسب، بل باعتباره خطوة محتملة نحو بناء شبكة من المصالح الاقتصادية التي تجعل استقرار أفغانستان مصلحة إقليمية مشتركة.
وفي هذه المعادلة، تكمن القوة الحقيقية للمشروع: كلما ازدادت قيمة أفغانستان كممر للطاقة والتجارة، ازدادت قيمة الاستقرار فيها بالنسبة إلى جيرانها وشركائها، وتحول الموقع الجغرافي من عبء تاريخي إلى ورقة استراتيجية يمكن توظيفها في التنمية والتكامل الإقليمي.

