عبد الكريم مصطفى
على امتداد الحدود الشمالية لأفغانستان، تحولت أسواق مشتركة مع طاجيكستان وأوزبكستان إلى وجهة مختلفة بالنسبة لمئات الأفغان؛ فهي ليست مجرد نقاط للتبادل التجاري وشراء السلع، بل مساحة محدودة تتيح لهم عبور الحدود لساعات قليلة، والتجول في أراضي دولة مجاورة، قبل أن تنتهي الزيارة عند حدود السوق ويصبح عليهم العودة من حيث أتوا.
ومع ازدياد صعوبة حصول الأفغان على تأشيرات للسفر إلى عدد من دول الجوار خلال السنوات الأخيرة، اكتسبت هذه الأسواق أهمية تتجاوز وظيفتها الاقتصادية التقليدية. ففي الوقت الذي لا يستطيع فيه كثيرون السفر إلى دوشنبه أو طشقند أو حتى المدن القريبة من الحدود، تتيح لهم الأسواق المشتركة تجربة عبور محدودة لا تتطلب تأشيرة، وإن كانت لا تسمح لهم بتجاوز نطاق جغرافي ضيق تحرسه إجراءات حدودية مشددة.
وتستقبل الأسواق الحدودية المشتركة في بدخشان شمال شرقي أفغانستان، إلى جانب السوق الأفغاني الأوزبكي قرب بلخ، مئات الزوار الأفغان الذين يقصدونها للتسوق أو التجارة أو لمجرد رؤية الجانب الآخر من الحدود.
أربع نوافذ على طاجيكستان
على الحدود بين بدخشان الأفغانية وطاجيكستان تقع أربعة أسواق مشتركة في مناطق إشكاشيم وشوغنان وناسي وخوان، وهي مناطق تفصل بينها وبين الأراضي الطاجيكية أنهار ومعابر حدودية صغيرة كانت، على مدى عقود، جزءاً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات التي تعيش على جانبي الحدود.
وبموجب الترتيبات المعمول بها، يستطيع المواطن الأفغاني دخول الجزء المخصص للسوق بعد إبراز جواز سفر أو بطاقة هوية. وتحتفظ السلطات الحدودية بوثيقة الزائر مؤقتاً، مقابل منحه تصريحاً ورقياً يسمح له بالدخول لبضع ساعات، قبل استعادة وثيقته عند العودة إلى الجانب الأفغاني.
ولا يعني ذلك فتح الحدود أمام حركة السفر الطبيعية؛ إذ يبقى الزائر داخل المنطقة التجارية المخصصة للسوق، ولا يُسمح له بالانتقال إلى المدن أو البلدات الطاجيكية الأخرى من دون تأشيرة رسمية.
لكن هذه المساحة المحدودة تحمل بالنسبة لبعض الأفغان دلالة تتجاوز التسوق. فبين أكشاك البضائع والحرف اليدوية والمأكولات المحلية، يجد الزائر نفسه لساعات قليلة في الطرف الآخر من حدود أصبح اجتيازها بالطريقة المعتادة أكثر صعوبة.
من التجارة إلى بديل محدود للسفر
خلال سنوات الجمهورية السابقة، كان السفر من أفغانستان إلى دول آسيا الوسطى، وخصوصاً طاجيكستان وأوزبكستان، متاحاً بصورة أكبر لمن يحصلون على التأشيرات. وكانت حركة التجار والطلاب والمرضى والمسافرين أكثر انتظاماً عبر المعابر والمطارات.
إلا أن المشهد تغير بعد عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس/آب 2021. فبرغم التطور اللافت في علاقات حكومة طالبان مع أوزبكستان، وتبادل الوفود الرسمية والتجارية بين كابول وطشقند، لا يزال الحصول على التأشيرة الأوزبكية صعباً بالنسبة إلى شريحة واسعة من المواطنين الأفغان.
أما العلاقة مع طاجيكستان فتبدو أكثر تعقيداً. فدوشنبه ظلت أكثر حذراً في تعاملها السياسي مع حكومة طالبان، ولم تسلم السفارة الأفغانية لديها إلى ممثلي الحركة، خلافاً لما فعلته دول أخرى في المنطقة.
ومع ذلك، لم يمنع الحذر السياسي استمرار التعاون على المستوى الحدودي والمحلي، ولا سيما من خلال الأسواق المشتركة في بدخشان.
وكانت طاجيكستان قد أغلقت هذه الأسواق خلال الفترة الأولى التي أعقبت عودة طالبان إلى الحكم، قبل استئناف نشاطها لاحقاً، في خطوة أعادت شرياناً اقتصادياً مهماً إلى المناطق الجبلية والنائية على جانبي الحدود.
الأسواق تعيد الحياة إلى المناطق الحدودية
بالنسبة لسكان المناطق الحدودية، لا تتعلق أهمية الأسواق بإمكانية العبور فقط، بل بمصادر الدخل وفرص العمل التي توفرها في بيئة تعاني محدودية الوظائف والاستثمارات.
ويقول نقيب، وهو أحد سكان إشكاشيم في بدخشان، إن إغلاق السوق انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، بينما أسهمت إعادة افتتاحه في تنشيط الحركة الاقتصادية المحلية.
وقال لصحيفة "إندبندنت بيرشن": "شعرنا بحزن شديد عندما أُغلق سوق منطقتنا، والآن نحن سعداء بافتتاحه مجدداً. أصبح بإمكان سكاننا الذهاب إلى السوق المشتركة".
وتبيع الأسواق منتجات محلية من جانبي الحدود، تشمل الحرف اليدوية والأغذية والملابس وبعض الاحتياجات المنزلية، كما تشكل مساحة مباشرة يلتقي فيها تجار ومواطنون من مجتمعات تفصلها الحدود السياسية لكنها ترتبط تاريخياً بروابط ثقافية واجتماعية واقتصادية.
وفي منطقة مثل بدخشان، حيث تفرض الجبال الوعرة والطرق الطويلة عزلة نسبية على عدد كبير من القرى، يمكن لسوق حدودي صغير أن يؤدي دوراً اقتصادياً أكبر من حجمه، سواء عبر توفير السلع أو خلق فرص عمل ونشاط تجاري محلي.
بطاقة هوية مقابل تصريح لساعات
يفرض الدخول إلى هذه الأسواق إجراءات محددة. ويقول مسؤول حدودي تابع لحكومة طالبان في إشكاشيم إن الزائرين الأفغان لا يستطيعون الدخول من دون جواز سفر أو بطاقة هوية.
وأوضح أن بعض الزوار يأتون من مناطق بعيدة، مضيفاً أن السلطات تأخذ وثيقة هوية الشخص عند المعبر وتمنحه تذكرة تسمح له بدخول السوق، ثم تعيد إليه الوثيقة عند عودته إلى الأراضي الأفغانية.
وتكشف هذه الآلية عن الطبيعة الخاصة لهذه الأسواق؛ فهي ليست معبراً دولياً بالمعنى التقليدي ولا منطقة سفر حر، وإنما مساحة حدودية ذات ترتيبات استثنائية تتيح الحركة المؤقتة والمقيدة.
وتبقى الحدود الفاصلة واضحة: يمكن للأفغاني أن يعبر إلى السوق، وأن يتعامل بالبيع والشراء ويتجول داخله، لكنه لا يستطيع مواصلة طريقه إلى بقية الأراضي الطاجيكية.
النموذج الأوزبكي.. سوق على أبواب ترمذ
وعلى الحدود الشمالية لأفغانستان مع أوزبكستان ظهرت تجربة مشابهة. فقد افتُتح قبل نحو عامين سوق أفغاني أوزبكي مشترك في المنطقة الحدودية قرب مدينة ترمذ، وأصبح مقصداً للأفغان الراغبين في التسوق دون المرور بإجراءات الحصول على تأشيرة دخول كاملة إلى أوزبكستان.
ويضم السوق عدداً من المتاجر ومراكز التسوق والخدمات، ويستطيع الأفغان دخول المنطقة المخصصة له والتجول فيها والتسوق قبل العودة إلى بلادهم.
لكن القاعدة ذاتها تنطبق هنا أيضاً: الدخول من دون تأشيرة يقتصر على منطقة محددة، ولا يسمح للزائر بالانتقال إلى مدينة ترمذ نفسها أو السفر إلى مدن أوزبكية أخرى.
وهكذا، يجد الزائر نفسه فعلياً داخل الأراضي الأوزبكية، لكنه يظل ضمن نطاق مغلق يمثل امتداداً للنقطة الحدودية أكثر مما يمثل دخولاً طبيعياً إلى البلاد.
اقتصاد الحدود في مواجهة العزلة
ولا يمكن فصل توسع أهمية هذه الأسواق عن الظروف الاقتصادية التي تعيشها أفغانستان منذ سنوات. ففي بلد حبيس يعتمد بدرجة كبيرة على المعابر البرية في تجارته، تؤدي الحدود مع آسيا الوسطى دوراً متزايداً في حركة السلع وفي بحث كابول عن طرق تجارية بديلة ومتعددة.
وعلى المستوى المحلي، تمنح الأسواق سكان المناطق النائية فرصة لتصريف المنتجات وشراء سلع قد يكون الوصول إليها من الأسواق الأفغانية الكبرى أكثر تكلفة.
كما توفر دخلاً لأصحاب المتاجر والنقل والمطاعم الصغيرة والعاملين في الخدمات المحيطة بالمعابر، وهو ما يجعل استمرارها مهماً لمجتمعات تعاني أصلاً ضعف فرص العمل.
لكن حجم هذه الأنشطة يظل محدوداً، ولا يمكن للأسواق الصغيرة أن تحل محل حركة التجارة والسفر المنتظمة بين الدول.
قيود اجتماعية وأمنية
إلى جانب القيود المتعلقة بحرية الحركة، تخضع الأسواق لقواعد تفرضها السلطات الأفغانية على مواطنيها. وأكد مسؤولون في حكومة طالبان أن نقل المشروبات الكحولية إلى داخل أفغانستان ممنوع، كما لا يُسمح للأفغان بشرائها بقصد إدخالها إلى البلاد.
وتحظر السلطات الأفغانية إنتاج المشروبات الكحولية واستيرادها وبيعها، وهو حظر كان قائماً قانونياً بدرجات مختلفة خلال الحكومات السابقة أيضاً.
وتعكس هذه الإجراءات محاولة الإبقاء على السوق بوصفه منطقة للتبادل التجاري المنظم، دون السماح بتحوله إلى منفذ لتجاوز القيود القانونية المفروضة داخل أفغانستان.
نافذة لا بوابة
تبدو الأسواق الحدودية للوهلة الأولى نموذجاً مصغراً للانفتاح بين أفغانستان وجيرانها في آسيا الوسطى. فهي تسمح بحركة الناس والسلع، وتخلق وظائف، وتعيد وصل مجتمعات ظلت تاريخياً على تواصل عبر الحدود.
غير أن أهميتها بالنسبة لكثير من المواطنين الأفغان تكشف في الوقت ذاته حجم القيود التي أصبحت تحيط بالسفر إلى الخارج.
فالدخول لساعات إلى سوق يقع داخل الأراضي الطاجيكية أو الأوزبكية ليس بديلاً حقيقياً عن إمكانية السفر إلى دوشنبه أو طشقند أو ترمذ، كما أنه لا يوفر للطلاب والمرضى والتجار والعائلات حرية التنقل التي توفرها التأشيرة.
لذلك، لا تمثل هذه الأسواق بوابة مفتوحة على آسيا الوسطى بقدر ما تشبه نافذة صغيرة في جدار الحدود؛ يعبر منها الأفغاني لبضع ساعات، يرى بلداً مجاوراً من مساحة محددة، يشتري ما يحتاجه، ثم يعود قبل أن تغلق النافذة من جديد.

