في شوارع كابل ومدن أفغانية أخرى، تختلط بقايا الخبز والخضراوات والفواكه والطعام المطهو بأكياس البلاستيك وسائر المخلفات المنزلية، قبل أن تنتهي في مكبات مفتوحة أو تتراكم على أطراف الطرق. وما يبدو للوهلة الأولى مشكلة نظافة حضرية، يخفي وراءه تهديدا بيئيا ومناخيا أكبر، يبدأ من تلوث التربة والمياه ولا ينتهي عند انبعاث غاز الميثان، أحد الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
ويكتسب هدر الطعام في أفغانستان بعدا أكثر تعقيدا بالنظر إلى مفارقة لافتة: كميات من الغذاء تنتهي في النفايات، في وقت يعاني فيه ملايين الأفغان من صعوبة تأمين احتياجاتهم الغذائية الأساسية.
وتشير أحدث تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن نحو 13.8 مليون شخص، أي قرابة 28% من السكان، قد يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد بين أبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول 2026.
وبين أزمة الجوع من جهة، وأزمة المناخ والنفايات من جهة أخرى، يحذر خبراء البيئة من أن استمرار التخلص العشوائي من بقايا الطعام يحول موردا كان بالإمكان الاستفادة منه إلى عبء صحي وبيئي واقتصادي.
من بقايا الطعام إلى غاز الميثان
يقول الخبير البيئي كاظم همايون إن الجزء الأكبر من مخلفات الطعام يتكون من مواد عضوية قابلة للتحلل، مثل الخبز والخضراوات والفواكه والبطاطس وبقايا الوجبات، لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط هذه المواد ببقية النفايات وتُدفن أو تتراكم في ظروف لا يتوفر فيها الأكسجين الكافي.
ففي هذه البيئة تتحلل المواد العضوية بطريقة لاهوائية وتنتج غاز الميثان، وهو أحد غازات الاحتباس الحراري.
ولا تمثل القضية مشكلة محلية فحسب. فبرنامج الأمم المتحدة للبيئة يقدر أن العالم أهدر نحو 1.05 مليار طن من الغذاء خلال عام 2022، أي قرابة خُمس الطعام المتاح للمستهلكين، فيما يتسبب فقد وهدر الغذاء في نحو 8 إلى 10% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالميا.
ويقول همايون إن ترك المخلفات الغذائية في العراء يزيد كذلك من حجم النفايات التي يتعين على البلديات جمعها ونقلها، وهو ما يعني مزيدا من العمال والمركبات والوقود والمعدات، في وقت تعاني فيه إدارات المدن الأفغانية أصلا من محدودية الإمكانات المخصصة لإدارة النفايات.
ويضيف أن المشكلة لا تتوقف عند جمع القمامة، فكلما زادت نسبة المواد العضوية داخل المكبات ارتفعت صعوبة إدارتها، ولا سيما في المواقع التي لا تتوفر فيها أنظمة لفصل النفايات أو جمع الغازات الناتجة عن تحللها.
وفي الحالات التي يتراكم فيها الميثان في أماكن مغلقة أو ضعيفة التهوية يمكن أن يتحول أيضا إلى خطر على السلامة، وهو ما يجعل الإدارة الهندسية للمكبات ضرورة تتجاوز مجرد نقل النفايات خارج المدن.
الحشرات والحيوانات الضالة
المشكلة الأخرى التي ترافق تراكم مخلفات الطعام هي تحولها إلى مصدر غذاء دائم للحشرات والحيوانات الضالة.
ويقول همايون إن أكوام الطعام المتروكة في الشوارع والأحياء توفر ظروفا مناسبة لتكاثر الذباب والحشرات، وتجذب الكلاب والقطط الضالة بصورة متواصلة.
ويضيف أن الحشرات التي تتغذى على المخلفات يمكنها الانتقال لاحقا إلى المنازل والأسواق والأطعمة المكشوفة، مما يزيد المخاطر الصحية، في حين تسهم وفرة بقايا الطعام في اتساع تجمعات الحيوانات الضالة داخل المناطق السكنية.
وبذلك لا تبقى تكلفة هدر الطعام محصورة في قيمة الوجبة التي أُهدرت، بل تمتد إلى تكاليف إضافية تتعلق بالنظافة العامة ومكافحة الحشرات والحيوانات الضالة وحماية الصحة العامة.
كما أن السوائل الناتجة عن تحلل النفايات العضوية المختلطة بمواد أخرى يمكن أن تصبح مصدرا لتلوث التربة والمياه إذا لم تكن مواقع التخلص من القمامة مجهزة بطريقة تمنع تسربها إلى البيئة المحيطة.
طعام يُرمى وآخرون يبحثون عنه
لكن الوجه الأكثر حدة للمشكلة يظهر عند مقارنتها بأزمة الأمن الغذائي التي تعيشها أفغانستان.
ويقول الخبير البيئي سيد محمد سليمان إن إعداد كميات من الطعام تفوق الحاجة، سواء داخل المنازل أو في المطاعم والفنادق وقاعات المناسبات، يؤدي إلى إهدار موارد غذائية يمكن تقليل فقدها عبر التخطيط الأفضل للاستهلاك.
ويضيف أن "جزءا كبيرا من الشعب الأفغاني يعاني من انعدام الأمن الغذائي، بينما نرى في الوقت نفسه كميات من الطعام تُعد فوق الحاجة ثم ينتهي بها المطاف في النفايات".
وتصف بيانات برنامج الأغذية العالمي أفغانستان بأنها لا تزال تواجه واحدة من أشد أزمات الجوع في العالم، مع استمرار الضغوط الناجمة عن الفقر والبطالة وارتفاع أسعار الغذاء والجفاف وتراجع المساعدات الإنسانية.
ويكشف ذلك عن مفارقة اقتصادية واجتماعية: فالغذاء الذي استُهلكت لإنتاجه المياه والأراضي والطاقة والعمالة والنقل يمكن أن يتحول، خلال ساعات، من مورد ثمين إلى نفايات تحتاج إلى مزيد من المال والطاقة للتخلص منها.
هل يصبح فائض الطعام موردا؟
يرى خبراء البيئة أن أول خطوة لمعالجة المشكلة لا تبدأ من مكب النفايات، بل قبل وصول الطعام إليه.
ويقترح همايون إنشاء آلية منظمة تسمح للفنادق والمطاعم وقاعات المناسبات بتسليم الطعام الفائض الذي لا يزال صالحا وآمنا للاستهلاك إلى جهات تستطيع توزيعه على الأسر المحتاجة، بدلا من رميه.
ويشير إلى تجربة سابقة خلال عمله في القطاع البيئي بكابول، قائلا إن أفكارا طُرحت للتنسيق بين البلدية والفنادق والمطاعم لجمع الطعام القابل للاستهلاك وتوجيهه إلى المحتاجين.
لكن نجاح أي برنامج من هذا النوع، بحسب مختصين، يتطلب اشتراطات صحية واضحة، لأن إعادة توزيع الطعام ينبغي أن تقتصر على المواد المحفوظة بطريقة سليمة والصالحة للاستهلاك، حتى لا تتحول مبادرات الحد من الهدر إلى مشكلة صحية أخرى.
أما الطعام الذي لم يعد صالحا للاستهلاك البشري، فيمكن أن يشكل موردا من نوع مختلف.
السماد بدل المكب
يقول سيد محمد سليمان إن فصل المخلفات العضوية عن بقية النفايات يمكن أن يفتح الباب أمام إنتاج السماد العضوي، بدلا من إرسالها مباشرة إلى المكبات.
فبقايا الخضراوات والفواكه والمواد النباتية وغيرها من النفايات القابلة للتحلل يمكن، إذا جُمعت وعولجت بطريقة مناسبة، أن تتحول إلى سماد يستخدم في الزراعة والبستنة وتحسين التربة.
ويشير سليمان إلى أن غياب منظومات فعالة لفرز النفايات وإعادة تدوير المواد العضوية يجعل معظم هذه الموارد تختلط حاليا بأنواع أخرى من القمامة، وهو ما يقلل إمكانية الاستفادة منها لاحقا.
ويقول إن "إدارة مخلفات الطعام من منظور شامل تستطيع تحويل النفايات من مشكلة إلى فرصة"، مشيرا إلى أن إنتاج السماد العضوي يمكن أن يقلل الكميات التي تصل إلى المكبات ويعيد جزءا من المواد الغذائية إلى دورة التربة والزراعة.
وتتطلب هذه المقاربة نظاما يبدأ بفرز النفايات من مصدرها، بحيث تضع المنازل والمطاعم والأسواق مخلفات الطعام في حاويات منفصلة عن البلاستيك والمعادن والزجاج وسائر المواد.
فإذا وصلت جميع أنواع النفايات مختلطة إلى المكب، تصبح عملية الفصل أكثر كلفة وتعقيدا وأقل جدوى.
أفغانستان في مواجهة المناخ
وتزداد أهمية القضية لأن أفغانستان من البلدان شديدة التعرض لتداعيات تغير المناخ، رغم أن مساهمتها التاريخية في الانبعاثات العالمية محدودة.
ويقول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن متوسط درجات الحرارة في أفغانستان ارتفع بنحو 1.8 درجة مئوية منذ عام 1950، وإن الفيضانات والجفاف والانهيارات الثلجية والعواصف المرتبطة بالتغيرات المناخية تؤثر في أكثر من 200 ألف شخص سنويا.
كما تقول بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان "يوناما" إن الجفاف ونقص المياه أصبحا من أكثر التحديات البيئية انتشارا، وإن أكثر من نصف السكان يتأثرون بهما، في بلد تعتمد قطاعات واسعة من سكانه على الزراعة في تأمين معيشتها.
وتشير يوناما كذلك إلى أن قرابة 70% من الأفغان يعتمدون، بصورة أو بأخرى، على أنشطة زراعية حساسة للمناخ في معيشتهم، مما يجعل أي تغير في الأمطار ودرجات الحرارة وتوفر المياه قضية اقتصادية واجتماعية، وليست بيئية فقط.
وهنا تظهر مفارقة أخرى في هدر الطعام: فإنتاج الغذاء يحتاج إلى المياه والأراضي والطاقة، وهي جميعا موارد تتعرض لضغوط متصاعدة في أفغانستان. وعندما يُلقى الطعام دون استهلاك، لا تُهدر الوجبة وحدها، بل تهدر معها الموارد التي استُخدمت لإنتاجها ونقلها وتخزينها.
فجوة البيانات
ورغم اتساع المشكلة، لا تزال أفغانستان تفتقر إلى بيانات وطنية حديثة وشاملة توضح بصورة دقيقة حجم هدر الطعام، ونسبة المخلفات العضوية من إجمالي النفايات، والكميات التي تنتجها المنازل والمطاعم والفنادق والأسواق كل عام.
وهذه الفجوة في المعلومات تجعل تصميم السياسات أكثر صعوبة، إذ لا تستطيع السلطات المحلية تحديد حجم المشكلة أو قياس مدى نجاح برامج الحد منها من دون بيانات منتظمة.
ولهذا يرى خبراء أن أي إستراتيجية جدية ينبغي أن تبدأ بقياس كمية النفايات الغذائية في المدن الرئيسية، وتحديد مصادرها، ثم إنشاء أنظمة لفرز المخلفات من المصدر، إلى جانب تشجيع التسميد وإعادة استخدام المواد العضوية ونشر الوعي داخل المنازل والمؤسسات التجارية.
مشكلة صغيرة بأثر كبير
قد تبدو قطعة خبز أو طبق أرز أو صندوق خضراوات يُلقى في حاوية النفايات حدثا عابرا، لكن تكرار المشهد آلاف المرات يوميا يحوله إلى قضية تتداخل فيها البيئة والاقتصاد والصحة والمناخ والأمن الغذائي.
وفي بلد يواجه شح المياه والجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي واتساع الاحتياجات الغذائية، يصبح تقليل هدر الطعام أكثر من مجرد تحسين لنظافة المدن.
فهو يعني خفض كمية النفايات التي تصل إلى المكبات، وتقليل فرص إنتاج الميثان، وتخفيف الضغط على البلديات، والحد من تلوث التربة والمياه وانتشار الحشرات والحيوانات الضالة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مورد غذائي يحتاج إليه ملايين الأفغان.
وبينما لا تزال الأرقام الوطنية الدقيقة غائبة، يرى مختصون أن الحلول الأساسية معروفة: إنتاج الطعام بقدر الحاجة، وإنقاذ الفائض الصالح للاستهلاك، وفصل المخلفات العضوية، وتحويل ما تبقى منها إلى سماد بدلا من دفنه مع القمامة.
وبذلك يمكن لما يمثل اليوم عبئا بيئيا متناميا أن يتحول إلى جزء من استجابة أفغانستان لمشكلتين متزامنتين: أزمة الغذاء وأزمة المناخ.

