د.عبدالرازق عبدالوهاب الصافي
يرى قطاع واسع من شباب الجيل «زد» في العالم العربي أفغانستان من خلال صورة تشكلت على مدى عقود تحت تأثير تغطية إخبارية ركزت -بطبيعة الحال-على الحروب والأزمات السياسية والأمنية، ومع صعود المنصات الرقمية وخوارزمياتها التي تحدد للمستخدم ما يشاهده، ازدادت هذه الصورة اختزالًا، حتى بدت أفغانستان لدى كثير من الشباب بلد حرب دائم، لا مجتمعًا له تاريخ طويل وثقافة متنوعة وعمق حضاري متداخل مع تاريخ العالم الإسلامي،
لكن أفغانستان أكبر بكثير من صورتها على شاشات الأخبار.
جذور عربية في قلب المجتمع الأفغاني
لا يعرف كثير من الشباب العربي أن الحضور العربي في أفغانستان والمنطقة المحيطة بها ليس ظاهرة حديثة، بل يرتبط بتاريخ طويل من التواصل بين الجزيرة العربية وخراسان وبلاد ما وراء النهر، وقد عرفت مناطق من أفغانستان، ولا سيما في الشمال والشرق، جماعات وأسرًا تنتسب إلى أصول عربية، حافظت على أنسابها وتقاليدها مع مرور أجيال طويلة على استقرارها واندماجها في البيئة المحلية، ولم يقم التواصل العربي ـ الأفغاني على الهجرة وحدها، بل ارتبط بانتشار الإسلام وحركة العلماء والتجار والرحلات العلمية. وشهد العصر الحديث موجة أخرى من التواصل خلال الحرب الأفغانية في ثمانينيات القرن العشرين، حين وصل إلى أفغانستان عدد من الشباب العرب للمشاركة في مقاومة الاحتلال السوفيتي، وبقي بعضهم في المنطقة بعد انتهاء الحرب، وهذا التاريخ المتداخل يجعل العلاقة بين العرب والأفغان أقدم وأعمق من الصورة السياسية المعاصرة.
من شاشة الأخبار إلى كاميرا الرحالة وصانعي المحتوى
بدأت صورة أفغانستان في الفضاء الرقمي العربي تتغير جزئيًا في السنوات الأخيرة، بفضل رحالة وصناع محتوى انتقلوا من الحديث عن أفغانستان إلى الذهاب إليها وتصويرها من الداخل، وقد أسهمت تجارب صناع محتوى عرب، مثل جو حطاب وابن حتوتة وغيرهما، في تعريف ملايين المتابعين الشباب بجوانب من الحياة اليومية الأفغانية لا تظهر عادة في نشرات الأخبار: شوارع وأسواق كابول القديمة، وطبيعة باميان وكونر ونورستان، والقرى والجبال، إلى جانب الطعام المحلي والحرف التقليدية وعادات الضيافة، وبغض النظر عن تقييم المحتوى السياسي الذي قد يرافق بعض هذه الرحلات، فإن قيمة هذا النوع من المحتوى تكمن في أنه ينقل المشاهد من الصورة المجردة إلى الإنسان والمكان، وهنا يمكن للمحتوى الرقمي أن يؤدي دورًا معرفيًا مهمًا، لا بتجميل الواقع أو تجاهل مشكلاته، وإنما بإظهار الصورة كاملة بدل اختزال بلد في أزمة سياسية واحدة.
تاريخ مشترك يتجاوز السياسة
لأفغانستان وجوارها الممتد على نهر جيحون مكانة مهمة في تاريخ الحضارة الإسلامية؛ فقد كانت خراسان وبلاد ما وراء النهر مراكز علمية وثقافية كبرى، خرج منها علماء كان لهم أثر بالغ في الحديث والفقه والتفسير واللغة، ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذه الجغرافيا الواسعة الإمام أبو داود السجستاني، نسبة إلى سجستان، وهي إقليم يمتد بين شرق إيران وجنوب أفغانستان، والإمام ابن حبان البستي، نسبة إلى مدينة البست التاريخية التي تقع في ولاية هيلمند، والإمام الترمذي، نسبة إلى ترمذ على نهر جيحون. أما الإمام أبو حنيفة النعمان فقد اختلف المؤرخون في أصل أسرته، وذكرت بعض الروايات صلتها بكابل، وربطتها أخرى بمناطق أخرى من خراسان وفارس. وبرزت مدن مثل بلخ وغزنة وكابول مراكز كبرى في التاريخ الإسلامي والفكري، وفي المجال الثقافي، تُنسب ولادة جلال الدين الرومي، أحد أشهر شعراء التصوف والأدب الفارسي، إلى بلخ، أما جمال الدين الأفغاني فهو شخصية بارزة في تاريخ الفكر والإصلاح في العالم الإسلامي في العصر الحديث، ويختلف الباحثون في تفاصيل مولده ونسبه؛ فبينما عُرف بـ«الأفغاني» ودافع عن انتسابه إلى أفغانستان، يرجح كثير من الباحثين أن مولده في قرية شين كرك قرب عاصمة كونر أسد آباد التي سميت باسمه، بينما رجح آخرون أنه من أسد آباد قرب همدان في إيران.
ومن الناحية اللغوية، تُكتب الباشتو والدري، وهما اللغتان الرئيسيتان والرسميتان في أفغانستان، بحروف مأخوذة من الخط العربي مع إضافات خاصة، وقد تأثرتا تاريخيًا بالعربية، وانتقلت إليهما مفردات كثيرة منها، خصوصًا بواسطة العلوم الشرعية والأدب والإدارة والثقافة الإسلامية.
وهكذا فإن العلاقة بين العرب وأفغانستان ليست علاقة سياسية حديثة، بل تمتد إلى العلم واللغة، والدين، والثقافة، والتجارة.
الأفغاني في العالم العربي: علاقة تتجاوز الأخبار
ولا تنحصر علاقة الأفغان بالعالم العربي داخل حدود بلدهم؛ فقد عاش وعمل أعداد منهم في عدد من الدول العربية، ولا سيما في الخليج، وأسهموا في قطاعات مختلفة من سوق العمل.
كما نشأت عبر العقود شبكات تجارية أفغانية في مدن عربية وإقليمية مهمة، وبرز نشاط رجال أعمال أفغان في تجارة السجاد والفواكه المجففة والأحجار الكريمة وإعادة التصدير والخدمات التجارية واللوجستية والزراعية، وهذا الحضور الاقتصادي والاجتماعي يقدم وجهًا آخر للعلاقة بين الطرفين: علاقة لا تقوم على الأخبار والحروب والسياسة فقط، بل على العمل والتجارة والهجرة والتواصل الإنساني أيضًا.
الطالب الأفغاني في الجامعات العربية
من أوضح صور التواصل الحي بين الأفغان والعالم العربي حضور الطلاب الأفغان في الجامعات العربية، فمنذ عقود يقصد شباب أفغان مصر والسعودية وقريبا قطر والإمارات لطلب العلم، فيجدون في هذه البلدان بيئة تجمع اللغة العربية بالعلوم الشرعية والإنسانية والتخصصات الحديثة.
ففي مصر، يحتل الأزهر الشريف مكانة خاصة في وجدان طلاب العلم من العالم الإسلامي، ومنهم الأفغان الذين درسوا في كلياته أو في الجامعات المصرية الأخرى، وعادوا إلى بلدهم أساتذةً وعلماءَ وباحثين. وفي السعودية، استقبلت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وجامعة أم القرى وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وجامعة الملك سعود وغيرها طلابًا من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، بينهم أفغان، وتتيح المنح الجامعية لهم الدراسة في العلوم الشرعية واللغة العربية وتخصصات أخرى، أما قطر والإمارات فتقدمان نموذجًا مختلفًا، إذ تضم جامعات ومؤسسات أكاديمية حديثة تستقطب طلابًا من جنسيات متعددة، وقد وجد فيها طلاب أفغان فرصًا في الدراسة والبحث، سواء عبر المنح والبرامج التعليمية أو عبر الالتحاق بالجامعات على نفقتهم أو مع أسرهم المقيمة في المنطقة، وتتفاوت الأعداد والمسارات المتاحة من بلد إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى.
وتزداد أهمية هذا الحضور في ظل التحديات التي تواجه التعليم العالي في أفغانستان، لأن الدراسة في الخارج تفتح لكثير من الشباب بابًا لمواصلة التحصيل العلمي واكتساب الخبرة، وللطالب الأفغاني الذي يدرس في جامعة عربية دور مزدوج: فهو يتعلم من محيطه الجديد، ويقدم لزملائه العرب صورة مباشرة عن بلده وثقافته ولغاته، فيتحول من موضوع في نشرات الأخبار إلى صديق وزميل ومحاور، وهذه اللقاءات اليومية في قاعات الدرس وسكن الطلاب من أصدق أشكال تبادل المعرفة بين الشعبين.
ماذا يستطيع الجيل «زد» أن يكتشف؟
يمتلك الجيل الجديد أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة، فالشاب العربي اليوم يستطيع أن يشاهد مدينة أفغانية في بث مباشر، ويحادث شابًا أفغانيًا عبر الهاتف، ويقرأ كتابًا عن تاريخ أفغانستان، ويتابع باحثًا أفغانيًا، ويقارن بين مصادر متعددة في دقائق.
لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة، فخوارزميات المنصات قد تدفع المستخدم إلى مشاهدة النوع نفسه من المحتوى مرارًا، حتى تتكون لديه صورة تبدو كاملة لأنها متكررة، وهي في الحقيقة جزء محدود من الواقع.
ولهذا فإن التعرف إلى أفغانستان يحتاج إلى تجاوز الصورة السريعة الإعلامية نحو القراءة والمشاهدة الميدانية والحوار المباشر.
أفغانستان التي تستحق أن تُكتشف
ليس المطلوب أن ينظر الشباب العربي إلى أفغانستان بعين مثالية، ولا أن يتجاهل أزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فالوعي الحقيقي لا يقوم على استبدال صورة نمطية بأخرى رومانسية، بل المطلوب أبسط وأكثر إنصافًا هو: أن تُرى أفغانستان كما هي، بلدًا له تحدياته الراهنة، ويملك في الوقت نفسه شعبًا وثقافة وتاريخًا وذاكرة وحضارة وتجارب إنسانية تتجاوز عناوين الأخبار.
ومن هنا يمكن للجيل «زد» العربي أن يؤدي دورًا جديدًا في إعادة بناء المعرفة المتبادلة بين العرب والأفغان، عبر المحتوى الميداني والحوار الرقمي والترجمة والبحث الأكاديمي والتبادل الثقافي.
فربما لا تحتاج أفغانستان في الوعي العربي اليوم إلى مزيد من الصور القادمة من ساحات الأزمات، بل إلى صورة أكثر اكتمالًا للإنسان والمكان والتاريخ.
وعندما ينتقل الشاب العربي من سؤال «ماذا يحدث في أفغانستان؟» إلى سؤال أوسع: «من هم الأفغان؟ وكيف تشكل تاريخهم وثقافتهم؟»، تبدأ رحلة مختلفة تمامًا في اكتشاف هذا البلد.

