عبد الكريم مصطفى
تضع التطورات العسكرية في السعودية باكستان أمام اختبار دقيق، تتداخل فيه التزاماتها الدفاعية تجاه الرياض مع مصالحها الإقليمية وتحدياتها الداخلية. فأي توسيع لدورها العسكري قد تتجاوز تداعياته ساحة المواجهة، لتطال علاقاتها مع إيران، وأمن حدودها، وقدرتها على مواجهة الضغوط الاقتصادية والأمنية.
وجاء توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، في السابع من أغسطس 2026، ليمنح التعاون بين الدول الثلاث إطارًا أوسع، يقوم على اعتبار الاعتداء المسلح على أي منها اعتداءً عليها جميعًا. غير أن هذا الالتزام العام لا يكفي وحده لتحديد طبيعة الاستجابة العسكرية أو حجمها، إذ تظل آليات التنفيذ ونطاق المشاركة عناصر حاسمة في تقدير تبعات الاتفاق.
ومع الهجمات الحوثية على السعودية، أكدت إسلام آباد تضامنها مع الرياض وإدانتها استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية السعودية. ويضع هذا الموقف القيادة الباكستانية أمام سؤال أساسي: إلى أي مدى يمكنها ترجمة دعمها السياسي إلى التزام عسكري، مع الحفاظ على قدرتها على إدارة أزماتها الداخلية وعلاقاتها الخارجية؟
تتمثل المعضلة الأولى في العلاقة مع إيران. فباكستان مطالبة بالموازنة بين شراكتها الاستراتيجية مع السعودية ومقتضيات الجوار مع طهران. وفي ظل ارتباط الحوثيين بإيران، قد يُنظر إلى انخراط باكستاني مباشر في مواجهتهم بوصفه تحولًا يتجاوز الدفاع عن الأراضي السعودية إلى الاصطفاف في صراع إقليمي أوسع. ويتوقف حجم هذا التوتر على طبيعة المهمة العسكرية، وحدودها الجغرافية، وقدرة إسلام آباد على إبقاء قنوات التواصل مع طهران مفتوحة.
وتكتسب هذه الموازنة أهمية إضافية بسبب حساسية الحدود الباكستانية الإيرانية والأوضاع الأمنية في بلوشستان. فأي تراجع في التنسيق بين البلدين قد يزيد صعوبة ضبط الحدود ومواجهة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، بما يضيف أعباء جديدة إلى أجهزة الأمن الباكستانية.
أما داخليًا، فيكمن التحدي في احتمال انتقال الاستقطاب الإقليمي إلى الساحة المحلية. ولا يصح افتراض أن المواطنين الشيعة في باكستان يتخذون موقفًا سياسيًا واحدًا أو أن انتماءهم المذهبي يعني ولاءً لإيران. لكن توظيف الخطاب الطائفي من جانب جماعات متشددة، أو محاولة أطراف خارجية استغلال الانقسامات، قد يفاقمان التوترات ويهددان السلم الأهلي. ومن ثم، فإن احتواء التحريض وحماية التماسك الاجتماعي سيكونان جزءًا أساسيًا من إدارة أي انخراط خارجي.
وتبرز كذلك مسألة قدرة المؤسسة العسكرية على توزيع مواردها بين الداخل والخارج. فاستمرار التحديات الأمنية في خيبر بختونخوا وبلوشستان يجعل أي انتشار إضافي بحاجة إلى حسابات دقيقة. وإذا اتسعت المهمة الخارجية أو طال أمدها، فقد تمنح الجماعات المسلحة، ومنها حركة طالبان الباكستانية والتنظيمات الانفصالية البلوشية، فرصة لمحاولة زيادة نشاطها واستغلال تشتت الاهتمام الأمني.
ولا تقل الكلفة الاقتصادية أهمية عن الاعتبارات العسكرية. فحتى إذا تحملت السعودية نفقات مباشرة تتعلق بانتشار القوات، ستظل باكستان معرضة لتبعات اتساع الصراع، بما في ذلك اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتراجع ثقة المستثمرين. وقد تضيف التوترات مع أفغانستان وتعطل حركة التجارة عبر الحدود ضغوطًا أخرى على الاقتصاد والمناطق الحدودية.
وعلى صعيد العلاقات الدولية، ستحتاج إسلام آباد إلى توضيح أهداف مشاركتها وحدودها لشركائها، وفي مقدمتهم الصين. ولا يمكن الجزم بأن بكين ستعارض دعم باكستان للسعودية، لكن اتساع الحرب وتهديد الاستقرار الإقليمي قد يثيران مخاوف تتعلق بأمن الاستثمارات وطرق التجارة والطاقة. لذلك، سيكتسب تحديد المهمة بوصفها دفاعية ومحدودة أهمية في الحفاظ على توازن العلاقات الخارجية.
كما يفرض التنافس مع الهند بُعدًا إضافيًا على الحسابات الباكستانية. فأي ضغط ممتد على الموارد العسكرية والاقتصادية قد يؤثر في تقديرات الردع والاستعداد على الجبهة الشرقية. ومع ذلك، فإن افتراض تحرك هندي تصعيدي أو تخريبي يظل احتمالًا يحتاج إلى أدلة، ولا ينبغي التعامل معه بوصفه نتيجة حتمية لانخراط باكستان في الأزمة.
وعليه، فإن حجم المخاطر يرتبط بصورة مباشرة بشكل المشاركة الباكستانية: فالدعم الفني وتعزيز الدفاعات الجوية يختلفان في تبعاتهما عن الدخول في عمليات قتالية واسعة أو ممتدة. وكلما كانت الأهداف وقواعد الاشتباك والمدة المتوقعة أكثر وضوحًا، ازدادت قدرة إسلام آباد على ضبط الكلفة وتجنب توسع الالتزامات.
تقف باكستان، إذن، أمام قرار يتطلب الجمع بين الوفاء بشراكتها الدفاعية مع السعودية وحماية استقرارها الداخلي وعلاقاتها الإقليمية. وقد يعزز دور محسوب مكانتها لدى حلفائها، لكن انخراطًا مفتوحًا، تفتقر أهدافه وحدوده إلى الوضوح، قد يضاعف الضغوط عليها ويمتد أثره إلى أمن جنوب آسيا وغربها.

