تواجه أفغانستان تداعيات إنسانية واجتماعية متزايدة مع استمرار عمليات ترحيل اللاجئين الأفغان من إيران وباكستان، إذ تشير الأرقام المعلنة إلى إجبار أكثر من 635 ألف لاجئ أفغاني على العودة إلى البلاد منذ بداية العام الجاري، بينهم أفراد نحو 94 ألف أسرة.
وعاد 1030 لاجئا أفغانيًا من 226 أسرة إلى البلاد خلال يوم واحد، عبر معابر طورخم وسبين بولدك وإسلام قلعة وجسر الحرير في نيمروز، فيما نُقلت 47 أسرة تضم 302 أشخاص إلى مناطقها الأصلية حسبما أفادت اللجنة العليا لمعالجة شؤون اللاجئين في أفغانستان.
وتأتي هذه العودة في ظل استمرار عمليات التهجير القسري للاجئين الأفغان من إيران وباكستان، وسط تحديات إنسانية واقتصادية تواجه الأسر العائدة، التي تتلقى مساعدات نقدية وخدمات أساسية وتكاليف للنقل.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العودة؛ إذ لا يصل كثير من المرحّلين إلى أفغانستان ضمن خطط عودة طوعية ومعدة مسبقًا، بل يجدون أنفسهم أمام ضرورة مغادرة أماكن إقامتهم خلال فترة زمنية محدودة، الأمر الذي يضع الأسر أمام صعوبات في تصفية ممتلكاتها وتأمين الأموال اللازمة للمرحلة التالية من حياتها.
من قرار الترحيل إلى أزمة إعادة الاستقرار
بالنسبة إلى كثير من الأسر، لا تمثل عملية عبور المعابر والحدود نهاية رحلة الترحيل، وإنما بداية مرحلة جديدة من التحديات؛ فالعائلة التي أمضت سنوات أو عقودًا في إيران أو باكستان قد تعود إلى بلد لم تعد تملك فيه منزلًا أو مصدر دخل ثابتًا أو شبكة اجتماعية قادرة على مساعدتها.
وقال ذاكر، وهو أحد الأفغان المرحّلين من باكستان، إن السلطات الباكستانية لم تسمح لهم بمواصلة الإقامة، مضيفًا أنها هددت بهدم منازلهم، في شهادة تعكس، وفق روايته، الضغوط التي واجهتها بعض الأسر قبل مغادرتها.
ويعني ذلك أن احتياجات العائدين لا تقتصر على المساعدة الأولية عند الحدود، بل تمتد إلى توفير مكان للإقامة ومصدر للدخل والوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
ضغط إضافي على سوق العمل والسكن
وتأتي موجة العودة في وقت تمثل فيه فرص العمل والسكن والخدمات العامة تحديات قائمة أصلًا أمام قطاعات من السكان داخل أفغانستان. وبالتالي فإن وصول أعداد كبيرة من العائدين خلال فترة زمنية قصيرة قد يزيد الطلب على هذه الموارد، خصوصًا في المناطق التي تستقبل النسبة الأكبر من المرحّلين.
ويرى الناشط في شؤون اللاجئين محمد خان طالبي محمدزي أن العودة الواسعة وغير المنظمة يمكن أن تفرض ضغوطًا إضافية على سوق العمل والمساكن والخدمات العامة، داعيًا إلى إنشاء آلية مشتركة بين المؤسسات المعنية لتسجيل العائدين وتنظيم استقرارهم وتوفير فرص العمل لهم ومساعدتهم على الاندماج.
وتبرز هنا مشكلة تتجاوز الجانب الإنساني المباشر؛ فالعائد الذي لا يجد فرصة عمل مستقرة قد يصبح أكثر اعتمادًا على المساعدات، بينما يؤدي ارتفاع الطلب على السكن إلى زيادة الضغط على الأسر ذات الدخل المحدود، وقد تضطر بعض العائلات إلى الانتقال إلى مناطق أخرى بحثًا عن فرص أفضل.
الشتاء يرفع مستوى المخاوف
وتزداد حساسية الوضع مع اقتراب فصل الشتاء، إذ تحتاج الأسر التي تصل إلى البلاد دون موارد كافية إلى ترتيبات إضافية تتعلق بالمأوى والتدفئة والغذاء والرعاية الصحية.
ولهذا دعا مواطنون في كابل إلى مراعاة الظروف الإنسانية للعائدين عند تنفيذ عمليات الترحيل. وقال محمد حليم إن على باكستان إعادة اللاجئين بصورة منظمة، بينما دعا المواطن إلهام إيران وباكستان إلى تأجيل عمليات الترحيل حتى نهاية فصل الشتاء.
وتعكس هذه المطالب جانبًا من المخاوف المرتبطة بتوقيت العودة، إذ إن الأسرة التي تصل إلى البلاد خلال الأشهر الباردة من دون مسكن أو دخل أو موارد كافية تواجه احتياجات أكثر إلحاحًا من الأسرة التي تحصل على فترة أطول للاستعداد للعودة.
94 ألف أسرة أمام مرحلة جديدة
وبحسب نائب المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، حمد الله فطرت، فإن نحو 94 ألف أسرة أُجبرت على العودة من إيران وباكستان منذ بداية العام الحالي.
وتكشف هذه الأرقام أن التعامل مع ملف العائدين لا يمكن أن يقتصر على استقبالهم عند المعابر الحدودية؛ لأن حجم العودة يفرض احتياجات تمتد إلى مراحل لاحقة، تشمل التسجيل وتحديد أماكن الاستقرار وتأمين السكن ومساعدة الأسر في الوصول إلى العمل والخدمات.
وتقول الحكومة الأفغانية إنها أعدت آلية محددة للتعامل مع العائدين في المنافذ الحدودية، إلا أن حجم التدفق يجعل التحدي أكثر ارتباطًا بقدرة المؤسسات المختلفة على متابعة الأسر بعد وصولها، وليس فقط تنظيم عملية استقبالها.
تداعيات تتجاوز الأسر العائدة
وتحمل موجة الترحيل آثارًا تتجاوز العائلات التي تعود مباشرة إلى أفغانستان؛ فكل زيادة كبيرة في أعداد السكان في منطقة معينة ترفع الطلب على السكن والمياه والخدمات الصحية والتعليمية وفرص العمل، ما قد يخلق احتياجات إضافية لدى المجتمعات المحلية التي تستضيف العائدين.
كما أن الأسر التي تفقد مصادر دخلها في إيران أو باكستان تحتاج إلى إعادة بناء وضعها الاقتصادي من الصفر تقريبًا، الأمر الذي يجعل توفير فرص العمل أحد العناصر الأساسية في أي استجابة طويلة الأمد لملف العودة.
ومن هذه الزاوية، فإن معالجة تداعيات الترحيل لا تتطلب فقط توفير مساعدات عاجلة للعائدين، بل تحتاج أيضًا إلى سياسات تساعد الأسر على الانتقال من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة الاعتماد على مصادر دخل مستدامة، بما يقلل من استمرار اعتمادها على المساعدات.
التحدي الأكبر: تنظيم العودة وإعادة الاندماج
ومع استمرار عمليات الإعادة من إيران وباكستان، يبدو ملف العائدين مرشحًا للبقاء ضمن أبرز القضايا الإنسانية والاجتماعية التي تواجه أفغانستان. فالأرقام المعلنة، التي تتجاوز 635 ألف عائد منذ بداية العام، تعني أن التعامل مع الظاهرة يحتاج إلى استجابة تتناسب مع حجمها، سواء على مستوى الحدود أو السكن أو سوق العمل أو الخدمات العامة.
وفي الوقت نفسه، يبقى تنظيم عملية العودة وتوفير الوقت الكافي للأسر لترتيب أوضاعها وجمع ممتلكاتها عاملًا مؤثرًا في تقليل الصعوبات التي تواجهها بعد الوصول.
وبالنسبة إلى أفغانستان، لا تتمثل القضية في استقبال العائدين فحسب، بل في قدرتها على تحويل العودة الجماعية من أزمة إنسانية قصيرة الأجل إلى عملية إعادة استقرار واندماج اقتصادي واجتماعي، خصوصًا مع استمرار تدفق المرحّلين واقتراب فصل الشتاء وما يفرضه من احتياجات إضافية على الأسر التي تصل إلى البلاد في ظروف صعبة.

