عبد الكريم مصطفى
تعيد مسألة خلافة زعيم تنظيم القاعدة تسليط الضوء على العلاقة الملتبسة بين التنظيم وإيران، وما قد يترتب عليها من تداعيات أمنية وسياسية في المنطقة. فالإعلان الرسمي عن قيادة جديدة، إذا حدث، قد يفتح مجددًا ملف إقامة قياديي التنظيم وتحركاتهم، وطبيعة علاقاتهم بالجهات التي تستضيفهم أو تفرض قيودًا عليهم.
وتبرز هذه التساؤلات بالتزامن مع تداول تسجيل مصوّر منسوب إلى حمزة بن لادن، نجل مؤسس القاعدة. غير أن المعلومات المتاحة لا تتيح الجزم بصحة التسجيل أو تاريخ إنتاجه، ولا تكفي لإثبات ارتباطه بترتيبات قيادية جديدة داخل التنظيم.
ويتداخل في هذا المشهد الغموض المحيط بموقع سيف العدل ودوره، وتاريخ العلاقة بين إيران والقاعدة، والتوتر بين أفغانستان وباكستان. وبين التقارير الأمنية والروايات غير المؤكدة، يبقى السؤال الأساسي متعلقًا بمدى قدرة طهران على التأثير في هذه الملفات، وحدود توظيفها في حساباتها الإقليمية.
قيادة غير معلنة ومكان إقامة موضع خلاف
منذ مقتل أيمن الظواهري بضربة أمريكية في كابل، برز اسم سيف العدل بوصفه الشخصية الأرجح لتولي قيادة القاعدة. وتشير تقارير أممية إلى اعتباره «الزعيم الفعلي» للتنظيم، رغم غياب إعلان رسمي عن خلافته للظواهري، وفق المعطيات التي يستند إليها هذا التقرير.
ويرتبط الغموض بشأن موقعه القيادي بالغموض المحيط بمكان إقامته. فبينما تتحدث تقييمات عن وجوده في إيران، تشير روايات أخرى إلى تنقله بين إيران وأفغانستان، أو إلى زيارات سابقة لمناطق في باكستان. ولا تتوافر في المعلومات المعروضة أدلة حاسمة تسمح بتحديد موقعه الحالي أو نطاق تحركاته.
وتكمن حساسية الإعلان المحتمل عن قيادته في أنه قد يدفع إلى تدقيق أوسع في شبكات اتصاله، ومصادر الدعم المتاحة له، والقيود المفروضة على نشاطه. كما قد يعيد طرح الأسئلة بشأن الدول التي أقام فيها، ومدى معرفتها بتحركاته أو قدرتها على التأثير فيها.
لكن الإعلان عن زعيم جديد لا يثبت، في حد ذاته، مكان وجوده أو طبيعة علاقته بأي دولة. وتظل هذه المسائل بحاجة إلى أدلة مستقلة تتجاوز الاستنتاجات المبنية على روايات متفرقة.
التسجيل المنسوب إلى حمزة بن لادن
تتحدث روايات منسوبة إلى بعض المنتمين إلى طالبان أفغانستان عن احتمال وجود دور إيراني في نشر التسجيل المنسوب إلى حمزة بن لادن، بهدف إحراج الحكومة الأفغانية الحالية. إلا أن هذه الروايات لا تستند، إلى أدلة مستقلة تثبت مسؤولية طهران.
ولذلك، لا يمكن اعتبار التسجيل دليلًا على إعادة ترتيب قيادة القاعدة أو على تحرك إيراني منسق. وتبقى الأسئلة المتعلقة بمصدره وأصالته وتاريخ إنتاجه ضرورية قبل استخلاص دلالات سياسية أو تنظيمية منه.
ومع ذلك، فإن تداول هذه الاتهامات يعكس شكوكًا لدى بعض الأوساط بشأن أهداف إيران وحدود علاقاتها بالجماعات المسلحة. كما يكشف عن حساسية أي تطور مرتبط بالقاعدة في بيئة إقليمية تتسم بانعدام الثقة وتداخل الملفات الأمنية.
علاقة تتجاوز الخلاف الأيديولوجي
تقوم العلاقة بين إيران والقاعدة على مفارقة أساسية: خلاف مذهبي وأيديولوجي عميق، يقابله تاريخ من الاتصالات والترتيبات ذات الطابع الأمني أو النفعي.
وتشير الروايات والتقارير التي تتناول هذه العلاقة إلى انتقال قياديين في القاعدة إلى إيران بعد التدخل الأمريكي في أفغانستان، وإخضاع بعضهم للاحتجاز أو المراقبة، إلى جانب ترتيبات إفراج وتبادل في مراحل لاحقة.
غير أن وجود قياديين على أراضي دولة، أو دخولهم في صفقات تبادل معها، لا يعني بالضرورة قيام تحالف مستقر أو تطابق في الأهداف. فقد تجمع العلاقة بين الاحتواء والرقابة والتفاوض، مع سعي كل طرف إلى تقليل المخاطر أو تحقيق مكاسب محدودة.
وفي المقابل، نفت إيران رسميًا وجود سيف العدل وأعضاء آخرين من القاعدة على أراضيها، في رسالة وجهتها إلى الأمم المتحدة عام 2025، ويظل التباين بين هذا النفي والتقارير بشأن وجود قياديي التنظيم جزءًا أساسيًا من الغموض المحيط بالملف.
ومن هنا، فإن توصيف العلاقة يحتاج إلى التمييز بين استضافة طوعية، وإقامة خاضعة للقيود، واتصالات ظرفية، وتعاون عملياتي؛ وهي حالات مختلفة لا يصح التعامل معها باعتبارها أمرًا واحدًا.
أفغانستان في حسابات النفوذ الإيراني
تكتسب علاقة إيران بأفغانستان أهمية إضافية في هذا السياق، خصوصًا مع توتر العلاقات بين كابل وإسلام آباد واضطراب حركة التجارة بينهما.
فالمنافذ الإيرانية توفر لأفغانستان مسارات تجارية مهمة، ويؤدي تعطل الطرق عبر باكستان إلى زيادة وزنها الاقتصادي. وقد يتيح هذا الاعتماد لطهران هامشًا أوسع للتأثير في علاقتها بسلطات كابول.
لكن النفوذ الاقتصادي لا يثبت وجود مطالب أمنية محددة أو مقايضة بين استمرار التجارة وتقديم تنازلات سياسية. ويظل احتمال استخدام هذا الاعتماد أداةً للضغط مرتبطًا بقرارات وممارسات تحتاج إلى توثيق.
وقد مرت العلاقات بين إيران وطالبان بتحولات حادة؛ من توتر بالغ عقب مقتل دبلوماسيين إيرانيين في مزار شريف عام 1998، إلى اتصالات وتعاون في مراحل لاحقة. ويعكس هذا المسار قدرة الطرفين على تعديل مواقفهما استجابة للمصالح والتهديدات، رغم استمرار الخلافات وعدم الثقة.
وتتمثل المعضلة بالنسبة إلى كابل في الحفاظ على فوائد التعاون مع إيران، مع تجنب الانخراط في صراعاتها الإقليمية أو تحمل تداعيات ملفات أمنية تتجاوز الحدود الأفغانية.
الحدود الشرقية وسيناريوهات الضغط على باكستان
تلتقي أفغانستان وإيران وباكستان في نطاق حدودي تتداخل فيه تحديات التهريب والهجرة ونشاط الجماعات المسلحة. ولذلك، قد ينعكس أي تغير في علاقات الدول الثلاث على أمن هذه المناطق وأولوياتها السياسية والعسكرية.
وفي هذا الإطار، يُطرح احتمال أن يدفع تقارب باكستان الأمني مع قوى إقليمية إيران إلى مراجعة حساباتها على حدودها الشرقية، والبحث عن وسائل ضغط غير مباشرة على إسلام آباد.
إلا أن الانتقال من هذا الاحتمال إلى الجزم باستخدام إيران جماعات بعينها يتطلب أدلة إضافية. فتجارب طهران في ساحات أخرى لا تكفي لإثبات اتباع سياسة مماثلة تجاه باكستان، كما أن تقاطع المصالح لا يعني بالضرورة وجود تنسيق عملياتي.
وترد أيضًا ادعاءات بشأن تجنيد باكستان عناصر من القوات الأفغانية السابقة الموجودة في إيران ونشرهم في مناطق حدودية. غير أن غياب التفاصيل القابلة للتحقق يحول دون اعتماد هذه الادعاءات أساسًا لاستنتاج وجود ترتيبات عسكرية أوسع.
موقع طالبان باكستان في المعادلة
تحتل حركة طالبان باكستان موقعًا مهمًا في السيناريوهات المتعلقة بمستقبل نشاط القاعدة في المنطقة. فعودة عناصر الحركة إلى وزيرستان ومناطق قبلية أخرى، إذا اتسع نطاقها، قد تؤثر في البيئة التي تتحرك فيها القاعدة وشبكاتها المحلية.
وتتحدث روايات منسوبة إلى مصدرين مطلعين عن مساعٍ لتهيئة ظروف تسمح بهذه العودة. لكنها لا تحدد بصورة كافية الجهات التي تقود هذه المساعي أو الآليات التي تستخدمها، ما يحدّ من إمكان التعامل معها بوصفها خطة ثابتة المعالم.
وفي الاتجاه المقابل، قد ترى أطراف داخل قيادة طالبان الأفغانية في تقييد نشاط طالبان باكستان فرصة لتحسين العلاقة مع إسلام آباد وتقليل الضغوط على كابول.
ويعكس هذان الاحتمالان تباينًا في المصالح: فالجماعات المسلحة قد تسعى إلى توسيع حرية حركتها، بينما تواجه السلطات القائمة حسابات الحكم والتجارة والعلاقات الخارجية. ولا تعني الروابط التاريخية بين هذه الأطراف تطابق أولوياتها الراهنة.
بين النفوذ المحتمل والأدلة الغائبة
قد يستفيد تنظيم القاعدة، نظريًا، من اتساع الاضطراب في باكستان عبر تنشيط شبكاته وتعزيز صلاته المحلية، أو تقليص اعتماده على المساحة المتاحة له في أفغانستان. لكن تحقق هذا السيناريو يرتبط بقدرته الفعلية، ومواقف الجماعات المحلية، واستجابة السلطات المعنية.
أما إيران، فإن امتلاكها قنوات اتصال أو نفوذ محتمل لا يعني بالضرورة قدرتها على توجيه التنظيم أو التحكم في قراراته. فالعلاقات بين الدول والجماعات المسلحة قد تتيح فرصًا للتأثير، لكنها تنطوي أيضًا على قيود ومصالح متعارضة.
ولهذا، سيظل تقييم المرحلة المقبلة مرتبطًا بمعطيات ملموسة: إعلان موثوق بشأن قيادة القاعدة، ومعلومات قابلة للتحقق عن مواقع قيادييها وتحركاتهم، وأدلة على طبيعة صلاتهم بالأطراف الإقليمية.
وحتى تتوافر هذه المعطيات، تبقى العلاقة بين إيران والقاعدة ملفًا تحكمه السرية وتنازع الروايات، فيما يظل ربط خلافة التنظيم بحسابات النفوذ الإقليمي فرضية تحليلية تحتاج إلى إثبات.

