داود ياسر
وُعد جواد بالحصول على 300 دولار مقابل العمل في مكتب. غادر إيران برفقة والده، وتنقّل بين مدن ومعسكرات في باكستان، قبل أن يجد نفسه حاملًا السلاح داخل الأراضي الأفغانية. انتهت رحلته، بحسب شهادته، بالاستسلام عقب يوم من القتال، وبفقدان أثر والده الذي لا يعرف مصيره حتى الآن.
تتقاطع روايته مع شهادتَي عزيزي وأحمد جاويد، وهما أفغانيان يقولان إن وعود العمل والمال دفعتهما إلى مغادرة إيران نحو باكستان، حيث انتهى بهما المطاف ضمن مجموعات مسلحة أُرسلت إلى أفغانستان.
وتكتسب هذه الشهادات أهمية إضافية في ضوء اتهام رسمي وجّهته الخارجية الأفغانية إلى الجيش الباكستاني بدعم مسلحين وتوجيههم لعبور خط ديورند نحو ولاية نورستان. وتصف المقابلات مسارًا يبدأ باستقطاب أفغان في إيران، ويمر بنقلهم وإيوائهم وتدريبهم في باكستان، وينتهي بتوزيع الأسلحة عليهم وإرسالهم إلى الحدود.
ومع ذلك، لا تتضمن المادة المتاحة أدلة مستقلة تثبت سلسلة المسؤولية عن هذه العمليات، أو تؤكد أن أصحاب المقابلات شاركوا في الواقعة نفسها التي تناولها بيان الخارجية.
كابل تتهم: استقطاب وتدريب وتوجيه نحو الحدود
استدعت الخارجية الأفغانية القائم بأعمال السفارة الباكستانية في كابل، وسلّمته مذكرة احتجاج على خلفية ما قالت إنها محاولة مسلحين العبور من الأراضي الباكستانية باتجاه مديرية كامديش في ولاية نورستان شرقي أفغانستان.
وقالت الوزارة، في بيان، إن المجموعة ضمّت عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية، واتهمت الجيش الباكستاني بتقديم الدعم والتوجيه المباشر لها. وأضافت أن قوات الأمن الأفغانية تصدت للمسلحين وأحبطت محاولة عبورهم ومنعتهم من تنفيذ ما وصفتها بأنشطة تخريبية.
ولم يقتصر الاتهام على تسهيل العبور؛ إذ قالت الخارجية إن السلطات العسكرية الباكستانية توفّر مراكز لاستقطاب المسلحين وتنظيمهم وتدريبهم وتجهيزهم في مناطق خاضعة لسيطرتها، قبل توجيههم نحو الحدود الأفغانية.
واعتبرت الوزارة ذلك انتهاكًا لسيادة أفغانستان وحرمة أراضيها، وحمّلت الجانب الباكستاني مسؤولية تداعيات تكراره.
وظيفة بـ300 دولار… تنتهي بحمل السلاح
يقول جواد، المنحدر من مديرية قيصار في ولاية فارياب، إنه أقام في إيران نحو شهر إلى شهر ونصف، قبل أن يتواصل معه شخص يُدعى «المدير موسى».
حدّثه الرجل، بحسب شهادته، عن «جبهة الحرية» التي قال إنها بقيادة «الدكتور ضياء»، ووعده بالحصول على 300 دولار مقابل العمل في مكتب تابع لها في باكستان. وتظل هذه الصلة بالجبهة منسوبة إلى رواية جواد، إذ لا تتضمن المقابلات وثائق تؤكدها.
انطلق جواد مع والده ورجلين آخرين في سيارة يقودها سائق إيراني إلى تشابهار. وبعد إقامة قصيرة، نُقلوا إلى منطقة ساحلية حدودية، حيث تسلّمهم شخص باكستاني يُدعى مجيب، واقتادهم إلى غوادر.
هناك، يقول جواد، ارتفع عدد أفراد المجموعة إلى نحو مئة، قبل نقلهم إلى إسلام آباد وإسكانهم في مكان عُرّف لهم باسم «معسكر زاهد».
أما عزيزي، القادم من مديرية تيوره في ولاية غور، فكان يعمل بالأجرة في إيران منذ نحو عام. ويقول إن شخصًا يُدعى «القائد شبير» وجّهه إلى منزل «القائد عنايت» في مرودشت بمنطقة شيراز، حيث أمضى ثلاثة أيام قبل إرساله إلى تشابهار.
وبحسب شهادته، وُعد أفراد المجموعة بمبالغ كبيرة ورواتب جيدة، وقيل لهم إن الفرصة أفضل من العمل بالأجرة. ثم نُقل ما بين 60 و70 شخصًا بحرًا إلى غوادر، ومنها إلى إسلام آباد على متن حافلتين.
معسكرات خلف وعود العمل
تلتقي روايتا جواد وعزيزي عند «معسكر زاهد»، ثم تتفرعان في تفاصيل مدة الإقامة وطبيعة التدريب.
يقول جواد إنه أمضى نحو شهر ونصف في المعسكر، قبل نقله ضمن مجموعات إلى معسكر تدريبي في بيشاور، ثم إلى معسكر يُسمّى «عبد الله»، حيث تلقّى تدريبًا على استخدام الكلاشينكوف ورشاش «بيكا» وقاذف صواريخ.
ويصف المدربين بأنهم باكستانيون، يتحدث بعضهم البشتوية وبعضهم الأردية، بينما تولّى أفغان ترجمة تعليماتهم. لكنه لا يحدد هويات هؤلاء المدربين أو صفاتهم الرسمية.
أما عزيزي فيقول إنه مكث 20 يومًا في «معسكر زاهد»، ثم ستة أيام في مركز تدريب، اقتصرت الدروس فيه أساسًا على فك الأسلحة وتركيبها. ولا تسمح المعلومات المتاحة بتحديد ما إذا كانت الشهادتان تتناولان دفعة واحدة أو فترات مختلفة.
ويضيف أحمد جاويد، المنحدر من مديرية خواجه سبزپوش في فارياب، تفصيلًا آخر: يقول إن صديقًا عرض عليه فرصة عمل في باكستان، لكن هواتف أفراد المجموعة أُخذت منهم بعد وصولهم.
ويقدّر جاويد أن عدد الموجودين ازداد تدريجيًا حتى بلغ نحو 420 شخصًا في مهاجع بإسلام آباد، قبل نقلهم إلى منطقة قريبة من الحدود وتسليحهم. ولا يمكن جمع هذا التقدير مع الأعداد الواردة في الشهادات الأخرى لاحتمال تداخل المجموعات.
عند الحدود… تتضح المهمة
كانت تشترال، وفق روايتَي جواد وعزيزي، المحطة الأخيرة قبل التوجه إلى الحدود.
يقول جواد إن مركبات وصفها بأنها تابعة للجيش الباكستاني نقلتهم باتجاه المنطقة الحدودية، ثم تابعوا السير على الأقدام نحو يوم كامل. وهناك وُزّعت عليهم الأسلحة، وقُسّموا إلى مجموعات، وعبروا إلى أفغانستان من فتحة في سياج شائك.
ويضيف أنهم أُبلغوا قبل العبور بأنهم سيحصلون على دعم جوي وبري، من دون أن توضح شهادته ما إذا كان هذا الدعم قد تحقق.
أما عزيزي فيقول إن المهمة باتت صريحة عند الحدود: مهاجمة نقطة أمنية داخل أفغانستان، ثم التمركز فيها. ويروي أنهم سلّموا أنفسهم عندما واجهوا الشرطة الأفغانية.
نهاية الطريق: استسلام وأب مفقود
يصف جواد قتالًا بدأ نحو السادسة أو السابعة صباحًا واستمر حتى السادسة مساءً، وسقط خلاله قتلى وجرحى من رفاقه، قبل أن يسلّموا أنفسهم إلى قوات السلطات الأفغانية.
وكان والده، وهو عسكري سابق غادر إلى إيران، قد رافقه في الرحلة. يقول جواد إن القائمين على المعسكر كانوا يعيّنون العسكريين السابقين قادةً للمجموعات، وإنه رأى والده في «معسكر زاهد»، ثم التقاه مجددًا عند الحدود قبل أن يفترقا. ومنذ ذلك الحين، لا يعرف عنه شيئًا.
تضع الخارجية الأفغانية المسؤولية مباشرة على السلطات العسكرية الباكستانية، بينما تقدّم المقابلات أسماء وسطاء ومسارات نقل وأوصافًا لمعسكرات ومدربين، تحتاج إلى تحقق مستقل لاستكمال صورة الجهات المنظمة والمموّلة.
يرى خبراء الأمن أن المقابلات وتفاصيلها وظروف إجرائها، مع قول اثنين من المتحدثين إنهما استسلما للقوات الأفغانية، يظل عاملًا مهمًا في تقييم الإفادات.
لكن النهاية التي يرويها جواد وعزيزي واحدة: المال الموعود لم يتحقق، وفرصة الكسب التي دفعتهما إلى الرحيل انتهت بالسلاح والاستسلام.

