تواجه باكستان ضغوطاً متزامنة تتمثل في استمرار الاستقطاب السياسي حول رئيس الوزراء السابق عمران خان، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة في خيبر بختونخوا وبلوشستان، وضعف قدرة سوق العمل على استيعاب الداخلين الجدد. ويُرجَّح أن يؤدي تفاعل هذه الضغوط إلى استمرار الاضطراب الداخلي والتوتر مع أفغانستان، من دون أن تكفي المعطيات المتاحة للجزم بقرب انهيار مؤسسات الدولة أو سقوط الحكومة. وبالنسبة إلى كابول، تتمثل المخاطر الأبرز في تجدد التصعيد الحدودي، وتعطل التجارة، وتزايد أعباء عودة الأفغان من باكستان.
بدأ آلاف من أنصار عمران خان، في 4 أكتوبر/تشرين الأول، مسيرة من منطقة لكي مروت في خيبر بختونخوا باتجاه إسلام آباد للمطالبة بالإفراج عنه، بعد تعثر محادثات بين الحكومة والمعارضة. ويؤكد استمرار التعبئة أن سجن خان منذ عام 2023 لم يُنهِ قدرته على التأثير السياسي، وأن حزب حركة الإنصاف لا يزال يمتلك قاعدة قادرة على التحرك، خصوصاً في الإقليم الذي يحكمه.
تكمن خطورة هذه الاحتجاجات في احتمال انتقال الخلاف من منافسة حزبية إلى مواجهة أوسع بين الحكومة الاتحادية وحكومة خيبر بختونخوا. ويُقدَّر أن استمرار إغلاق الطرق أو وقوع اشتباكات وسقوط ضحايا سيزيد صعوبة التسوية، ويستنزف الشرطة والإدارة المحلية في وقت تتصاعد فيه التهديدات المسلحة. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الحراك السياسي لأنصار خان ونشاط التنظيمات المسلحة؛ فتزامنهما لا يثبت وجود ارتباط تنظيمي بينهما.
في خيبر بختونخوا، تشير الوقائع الميدانية إلى ضغط متواصل على مراكز الشرطة والمنشآت الأمنية. فقد شهدت كوهات هجوماً مركباً على مجمع للشرطة في 18 سبتمبر/أيلول، بينما استهدف تفجير انتحاري حاجزاً أمنياً في ديرا إسماعيل خان في 26 سبتمبر، وأسفر عن مقتل 12 شخصاً على الأقل وفق التقارير الأولية. وتعكس هذه الهجمات قدرة المسلحين على تنفيذ عمليات معقدة وإيقاع خسائر رغم استمرار العمليات الأمنية.
ويُقدَّر أن التحدي في الإقليم يتجاوز عدد الهجمات إلى قدرة الدولة على تأمين الحركة والخدمات والمحافظة على ثقة السكان. فاستمرار الاستقطاب بين المركز وحكومة الإقليم قد يضعف التنسيق الأمني، بينما تسمح الهجمات المتكررة لحركة طالبان باكستان والجماعات القريبة منها بإظهار قدرة على المبادرة. ولا تعني هذه القدرة، في حد ذاتها، سيطرة إقليمية مستقرة أو شاملة.
أما بلوشستان، فتواجه تمرداً انفصالياً له دوافع تختلف عن دوافع الجماعات المسلحة في خيبر بختونخوا، وإن تلاقت آثارهما في استنزاف الدولة. وبحسب رصد المعهد الباكستاني لدراسات النزاع والأمن، شهدت بلوشستان 89 حادثة مسلحة خلال أغسطس/آب، من أصل 199 على مستوى البلاد. كما أعلن رئيس حكومة الإقليم في سبتمبر رفض التفاوض مع المسلحين، بما يرجح استمرار أولوية المعالجة العسكرية.
وتشير هذه الصورة إلى استمرار قدرة الجماعات البلوشية المسلحة على تعطيل الأمن والنشاط الاقتصادي، من دون دليل كافٍ على قدرتها على حسم الصراع. ويُرجَّح أن يبقى الاستقرار هشاً ما لم تقترن الإجراءات الأمنية بمعالجة المظالم المحلية وتوسيع فرص المشاركة والعمل.
تمثل البطالة عاملاً مضاعفاً لهذه الأزمات. فوفق التقرير الاقتصادي الرسمي، ارتفع معدل البطالة من 6.3% في مسح 2020–2021 إلى 7.1% في مسح 2024–2025، مع تجاوز نمو قوة العمل وتيرة استحداث الوظائف. وهذه بيانات مسحية، وليست قياساً آنياً لأكتوبر 2026.
تحليلياً، يؤدي ضعف فرص العمل إلى توسيع الاستياء من الحكومة وزيادة قابلية بعض الفئات للانخراط في الاحتجاجات. وفي المناطق المتضررة من العنف، قد يرفع فقدان الدخل قابلية الاستغلال من شبكات التهريب والجماعات المسلحة، خصوصاً حين يقترن بالتهميش وضعف الخدمات. لكن البطالة لا تقود تلقائياً إلى التطرف، ولا تفسر وحدها دوافع المحتجين أو المتمردين. كذلك تنشأ حلقة متبادلة: العنف وإغلاق الطرق يضعفان الاستثمار والتجارة، فتتقلص الوظائف ويزداد الاحتقان.
تنتقل انعكاسات هذا الوضع إلى أفغانستان عبر ثلاث مسارات رئيسية:
• المسار الأمني: قد تدفع هجمات كبيرة داخل باكستان إلى مزيد من الضغط العسكري على كابل. وقد اتهم الجيش الباكستاني، مطلع أكتوبر، مسؤولاً في قندهار باستضافة قادة جماعات مسلحة، وهو اتهام نفاه المسؤول الأفغاني. ويجب التعامل معه بوصفه ادعاءً متنازعاً عليه؛ لكن تبادله يعكس عمق أزمة الثقة واحتمال التصعيد.
• المسار الاقتصادي: يهدد استمرار اضطراب الحدود بتقييد الواردات والصادرات الأفغانية ورفع تكاليف النقل، مع خسائر مباشرة للتجار والمزارعين والعاملين في النقل. وقد وثقت الأمم المتحدة آثار إغلاق الحدود على وصول الإمدادات، بما فيها الأدوية.
• المسار الاجتماعي والإنساني: تزيد عودة الأفغان الضغط على سوق العمل والسكن والخدمات داخل أفغانستان. وقد وضعت الأمم المتحدة وشركاؤها خطة تستهدف نحو 2.7 مليون عائد متوقع من إيران وباكستان بين أبريل وديسمبر 2026؛ وهذا تقدير للبلدين معاً، وليس عدداً للعائدين من باكستان وحدها.
السيناريو الأرجح خلال الأشهر الثلاثة المقبلة هو استمرار الاحتجاجات والعمليات الأمنية والتوتر الحدودي، مع تفاوض متقطع لا يعالج جذور الأزمات. أما السيناريو الأخطر فيتمثل في تزامن صدام واسع مع أنصار خان وهجوم مسلح كبير، بما قد يرفع احتمالات إجراءات استثنائية داخلياً وتصعيد عسكري تجاه أفغانستان. ويظل سيناريو التهدئة ممكناً إذا تحققت تسوية سياسية جزئية داخل باكستان وتفاهمات حدودية قابلة للتنفيذ.
وتتمثل مؤشرات المتابعة الحاسمة في حجم الاحتجاجات وانتشارها، وطبيعة استجابة السلطات، ومستوى التنسيق بين المركز وخيبر بختونخوا، وتواتر الهجمات الكبيرة، وحركة المعابر والعائدين. وتقتضي مصلحة أفغانستان إعطاء الأولوية لقنوات الاتصال الأمني، وترتيبات مستقرة للتجارة والعبور، وبرامج تشغيل واستيعاب للعائدين، مع تجنب تحويل الخلافات الباكستانية الداخلية إلى عامل إضافي في المواجهة بين البلدين.

