د/عبدالرازق عبدالوهاب الصافي
من أكثر المشكلات التي أضرت بالوعي التاريخي في أفغانستان أن كل مرحلة سياسية جديدة تكاد تتعامل مع ما قبلها وكأنه لم يكن. تسقط حكومة، أو يتغير نظام، أو يرفع علم جديد، فتبدأ عملية إعادة تعريف للتاريخ والهوية والمرجعية الوطنية، وكأن البلاد لم تكن موجودة قبل وصول السلطة الجديدة.
ولهذا فإن مشكلة أفغانستان لم تكن في «نقطة صفر» واحدة، بل في نقاط صفر متكررة، امتدت على مدى عقود. في عام 1973 انتهت الملكية، وانتهى معها في الخطاب السياسي الجديد كثير من الحديث عن المرحلة التي امتدت لعقود في عهد الملك محمد ظاهر شاه. ثم جاءت ثورة (ثور عام 1978)، فبدأت مرحلة أكثر حدة في القطيعة مع الماضي، وأُعيدت صياغة مؤسسات الدولة والمجتمع وفق مشروع أيديولوجي مختلف.
وفي عام 1992 دخل المجاهدون كابول، وبدأت مرحلة جديدة من تاريخ البلاد، ارتبطت في خطابها السياسي بفكرة إقامة الدولة الإسلامية. وبعد ذلك، في عام 1996، وصلت حركة طالبان إلى الحكم، وقدمت بدورها تصوراً مختلفاً للدولة والمجتمع، وأعادت ترتيب الأولويات والمؤسسات وفق رؤيتها.
ثم جاء عام 2001، ومع سقوط نظام طالبان وبناء النظام الجمهوري الجديد، نشأ خطاب دولي ومحلي جعل أفغانستان تبدو أحياناً وكأنها تبدأ من جديد: دستور جديد، مؤسسات جديدة، تعليم جديد، مشاريع تنموية واسعة، ومساعدات دولية ضخمة، وكأن البلاد لم تكن تملك قبل ذلك دولة أو جامعات أو طرقاً أو دبلوماسية أو مؤسسات.
ثم جاء عام 2021، فعادت دورة القطيعة مرة أخرى، وهكذا أصبحت أفغانستان، في وعي أجيال متعاقبة، بلداً يُعاد تعريفه كلما تغيرت السلطة.
دولة لها تاريخ، لا أرض بلا ذاكرة:
من حق أي جيل أن ينتقد الأنظمة التي حكمت أفغانستان، وأن يختلف مع الملكية أو الجمهورية أو النظام الشيوعي أو حكومة المجاهدين أو الإمارة الإسلامية (طالبان)، لأن التاريخ ليس محكمة تمنع النقد، والسياسة ليست مجالاً لتحويل الماضي إلى مقدسات.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين نقد نظام سياسي وبين محو المرحلة التي عاشها الشعب في ظل ذلك النظام من الذاكرة الوطنية.
فأفغانستان الملكية، على سبيل المثال، لم تكن مجرد فترة عابرة بلا مؤسسات، كانت دولة لها علاقاتها الخارجية ومؤسساتها ومشاريعها التعليمية والاقتصادية والبنية التحتية التي تركت آثاراً استمرت بعد انتهاء الملكية.
انضمت أفغانستان إلى الأمم المتحدة عام 1946، واتبعت خلال عقود الحرب الباردة سياسة خارجية حاولت من خلالها الحفاظ على قدر من التوازن بين القوى الكبرى. كما استفادت من التعاون والمساعدات الاقتصادية والفنية من دول مختلفة، بينما سعت إلى الحفاظ على استقلال قرارها الخارجي.
وفي تلك المرحلة أُنجزت مشاريع مهمة في الطرق والنقل والري، من بينها نفق سالانغ ومشاريع وادي هلمند، وهي مشاريع لم تكن مجرد إنجازات لحاكم أو حكومة، بل جزءاً من مسار طويل لبناء الدولة الأفغانية الحديثة.
كما شهدت البلاد تطوراً في التعليم العالي؛ فقد تأسست جامعة كابول عام 1932، وتوسعت مؤسسات التعليم والصحة والإدارة، وانطلقت الخطوط الجوية الأفغانية «آريانا» في خمسينيات القرن الماضي، وتطورت شبكة الطرق التي ربطت العاصمة بعدد من مناطق البلاد.
وفي عام 1964 صدر دستور جديد أرسى إطاراً ملكياً دستورياً وفتح المجال أمام تجربة برلمانية وصحفية أكثر اتساعاً، قبل أن تنهي أحداث 1973 تلك المرحلة.
كل ذلك لا يعني أن تلك الحقبة كانت مثالية، ولا أنها خلت من المشكلات أو الاستبداد أو الفقر أو الصراعات السياسية. لكنه يعني شيئاً أبسط وأهم: أن أفغانستان كانت موجودة قبل كل نظام جاء بعدها.
من يملك الطريق الذي شُيّد قبل نصف قرن؟
هذه نقطة غالباً ما تضيع وسط الصراع السياسي، الطريق الذي شُق في عهد الملكية ليس ملكاً للملك، والجامعة التي تأسست في عهد حكومة سابقة ليست ملكاً للحكومة التي أنشأتها، والمستشفى أو السد أو المطار أو المدرسة أو القناة لا تصبح ملكاً لحزب أو نظام لمجرد أنها بنيت في عهده.
إنها في النهاية ملك للشعب.
قد دفع الأفغاني البسيط ثمن بناء الدولة بعمله وضرائبه وجهده، وعاش في مدارسها ومستشفياتها، وسلك طرقها، وخدم في جيشها وإدارتها، وعلّم أبناءه في جامعاتها، ولذلك فإن الإنجازات التي تحققت في أي مرحلة من مراحل التاريخ الأفغاني ينبغي أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من الرصيد الوطني، لا باعتبارها ملكية سياسية للنظام الذي كان في السلطة آنذاك. وهنا تكمن إحدى مشكلات الذاكرة الأفغانية: حين يسقط النظام، لا يسقط معه النظام السياسي فقط، بل قد تسقط في الخطاب العام أحياناً حتى إنجازاته ومؤسساته ورموزه، وكأن الاعتراف بها يعني بالضرورة الدفاع عن النظام الذي أنشأها.
وهذا غير صحيح، حيث يمكنك أن ترفض نظاماً سياسياً، وفي الوقت نفسه تعترف بأن بعض مؤسساته أو مشاريعه أو سياساته تركت أثراً نافعاً، ويمكنك أن تنتقد الملكية دون أن تمحو تاريخها، وأن تنتقد الجمهورية دون أن تنكر ما تحقق خلالها، وأن تختلف مع طالبان دون أن تنكر وجودها وتأثيرها في التاريخ الأفغاني المعاصر.
حين يصبح إسقاط النظام إسقاطاً للذاكرة
المشكلة لا تتوقف عند الكتب والمناهج، فالذاكرة الوطنية تُحفظ أيضاً في المباني، والصور، والأرشيفات، والصحف، والمراسلات الدبلوماسية، والجامعات، وأسماء الشوارع، والقصص التي يرويها الآباء لأبنائهم، وحين تتغير السلطة، فإن تغيير بعض الرموز أمر مفهوم في سياقه السياسي، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التغيير إلى محاولة لقطع الصلة بين الأجيال، فالجيل الأفغاني الذي ولد بعد 2001، مثلاً، يحتاج إلى أن يعرف كيف كانت كابول قبل الحرب الأهلية، وكيف كانت مؤسسات الدولة تعمل، وكيف كان التعليم، وكيف كانت الحياة الاجتماعية، وكيف كانت علاقات أفغانستان بالدول الأخرى.
والجيل الذي ولد بعد 2021 يحتاج أيضاً إلى معرفة ما الذي حدث خلال العقدين السابقين، وما الذي تحقق وما الذي فشل، وكيف تشكلت مؤسسات الجمهورية، ولماذا انهارت، وما الذي سبقها وما الذي جاء بعدها.
وليس المطلوب أن يحب الجيل الجديد كل هذه المراحل، بل المطلوب فقط أن يعرفها؛ لأن الذاكرة ليست ولاءً سياسياً.
الدرس الأهم لنا:
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم، أن التاريخ لا ينبغي أن يكون غنيمة للمنتصر، ولا سجلاً يكتبه كل نظام ليبرهن أن البلاد بدأت معه، فأفغانستان أقدم من جمهورياتها وممالكها وحكوماتها وحركاتها السياسية المعاصرة، وكل مرحلة من هذه المراحل، مهما كانت قصيرة أو مثيرة للجدل، أصبحت جزءاً من تجربة الشعب الأفغاني.
ولهذا فإن إعادة قراءة التاريخ الأفغاني لا تعني تمجيد الملكية، ولا الدفاع عن الشيوعية، ولا تبرير الحرب الأهلية، ولا تبرئة الجمهورية، ولا تأييد طالبان، بل تعني ببساطة أن نعيد التاريخ إلى مكانه الطبيعي: ذاكرة مشتركة للأمة، لا ملكية حصرية للسلطة.
أفغانستان لم تولد عام 2021م، ولم تولد عام 2001، ولم تولد عام 1978م ولم تبدأ في عام 1992 أو 1996م أو ٢٠٢١م، فقد كانت هناك أفغانستان قبل كل هذه التواريخ، وسيبقى هناك تاريخ أفغاني بعدها، وإذا أراد الأفغان بناء دولة أكثر وإذا أراد الأفغان بناء دولة أكثر استقراراً في المستقبل، فإنهم يحتاجون إلى أكثر من تغيير الحكومات والدساتير والأعلام؛ يحتاجون أيضاً إلى مصالحة مع ذاكرتهم الوطنية.
فالأمة التي تنظر إلى تاريخها كله، بما له وما عليه، تكون أقدر على فهم حاضرها وبناء مستقبلها، أما الأمة التي تضطر في كل مرة إلى أن تبدأ تاريخها من الصفر، فإنها لا تخسر الماضي فقط؛ بل تخسر أيضاً جزءاً من قدرتها على فهم نفسها.

