الدكتور عبدالرازق عبدالوهاب الصافي- الرياض
قد ينجح الراعي في مساعدة حليفه على الوصول إلى السلطة، لكنه لا يضمن أن يبقى الحليف خاضعاً لإرادته بعد أن يصبح صاحب القرار. وهذه إحدى مفارقات العلاقة بين باكستان وحركة طالبان الأفغانية: علاقة امتزج فيها الدعم بالتدخل، والتعاون بالضغط، والاحتضان بالملاحقة، حتى صارت حدود النفوذ نفسها موضع صراع بين الطرفين.
منذ تسعينيات القرن الماضي نظرت المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الباكستانية إلى أفغانستان بوصفها ساحة حيوية لأمنها القومي وتوازنها الإقليمي. وفي هذا السياق برز مفهوم “العمق الاستراتيجي”، المرتبط بالسعي إلى منع قيام حكومة أفغانية معادية لإسلام آباد أو شديدة الارتباط بمنافستها التاريخية، الهند. لكن العلاقة لم تكن يوماً خطاً مستقيماً من التبعية المطلقة. فقد امتلكت طالبان حساباتها الأيديولوجية والتنظيمية وشبكاتها المحلية وتصوراتها الخاصة لمستقبل الحكم، وظهرت مع الوقت خلافات حول المفاوضات السياسية وحدود النفوذ الباكستاني والعلاقات الإقليمية والتعامل مع الجماعات المسلحة.
وتكشف ملفات اعتقال قادة طالبان في باكستان، وتسليم بعضهم إلى القوات الأمريكية، ومقتل آخرين في عمليات استهداف داخل الأراضي الباكستانية، عن بيئة معقدة تداخلت فيها الحسابات الأمنية والسياسية. غير أن السؤال المركزي ليس هل امتلكت باكستان نفوذاً على طالبان، فهذا النفوذ موثق في مراحل متعددة، بل كيف استخدمته، وما حدود قدرتها على التحكم في قرارات الحركة، ولماذا لم يتحول وصول طالبان إلى الحكم عام 2021 إلى تطابق استراتيجي دائم بين الطرفين.
جذور العلاقة: طالبان في حسابات “العمق الاستراتيجي”
تبلورت العلاقة في تسعينيات القرن الماضي وسط الفوضى التي أعقبت الانسحاب السوفييتي وسقوط حكومة نجيب الله عام 1992 وتصاعد صراع الفصائل وأمراء الحرب الأهلية، فقد رأت إسلام آباد في طالبان قوة قادرة على إعادة تشكيل المشهد الأفغاني وإنهاء التفكك السياسي والعسكري وإقامة سلطة لا تمنح الهند نفوذاً واسعاً في جوارها الغربي، ومع سيطرة الحركة على كابول عام 1996 تعززت هذه الرهانات، واعترفت باكستان بحكومتها إلى جانب السعودية والإمارات.
لم يكن هذا التقارب أيديولوجياً فحسب، فقد ارتبط بحسابات أمنية وجيوسياسية تتعلق بالتنافس مع الهند والحدود والنفوذ الإقليمي وطرق التجارة والاتصال بآسيا الوسطى، وكانت المشكلة الكامنة أن إسلام آباد أرادت أفغانستان صديقة، لكنها لم تكن مستعدة بالضرورة لقبول كل خيارات حكومة أفغانية مستقلة إذا تعارضت مع أولوياتها الأمنية العسكرية.
ومع ذلك فإن وصف طالبان بأنها مجرد أداة باكستانية يتجاهل جذورها المحلية وقيادتها المستقلة واعتباراتها الدينية والتنظيمية وقدرتها على اتخاذ قرارات لا توافق دائماً رغبات إسلام آباد، فالعلاقة منذ بدايتها نفوذ متبادل غير متكافئ، لا سيطرة مطلقة.
ما بعد 11 سبتمبر: التعاون مع واشنطن واستمرار النفوذ
غيّرت هجمات 11 سبتمبر 2001 والغزو الأمريكي طبيعة العلاقة جذرياً، حيث انضمت باكستان إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب، وقدمت تعاوناً أمنياً واستخباراتياً ولوجستياً مهماً. وفي المقابل اتهمها مسؤولون أمريكيون وأفغان بالسماح لقيادات وشبكات من طالبان بمواصلة نشاطها انطلاقاً من أراضيها، وصار هذا التناقض من أبرز أسباب الخلاف مع واشنطن طوال سنوات الحرب العشرينية، ولم تكن السياسة الباكستانية ثابتة في كل مراحلها: فقد اعتقلت قيادات من طالبان وسلّمت آخرين إلى الولايات المتحدة، بينما استمرت الاتهامات بتوفير الملاذ لقيادات أخرى، وإليك بيانها على النحو الآتي:
1. الملا عبد السلام ضعيف: تُعد قضية الملا عبد السلام ضعيف، سفير حكومة طالبان لدى باكستان قبل سقوطها، من أوضح الأمثلة على استعداد إسلام آباد للتعاون مع واشنطن في اعتقال شخصيات بارزة من الحركة. فقد اعتقلته السلطات الباكستانية في يناير 2002 وسلمته إلى القوات الأمريكية، فنُقل إلى غوانتانامو واحتُجز فيه حتى سبتمبر 2005 دون محاكمة أو إدانة جنائية أمريكية، وروى تجربته في مذكراته وشهاداته المنشورة.
2. الملا عبد الغني برادر: كان من مؤسسي الحركة وأبرز قادتها العسكريين، واعتُقل في كراتشي في عملية شارك فيها مسؤولون أمريكيون وباكستانيون بحسب تقارير صحفية معاصرة، في وقت كانت اتصالات سياسية تستكشف إمكان التفاوض مع طالبان، وأثار توقيت العملية تساؤلاً عن رغبة إسلام آباد في الاحتفاظ بدور محوري في أي تسوية ومنع نشوء مسار لا تؤثر فيه. وفي أكتوبر 2018 أُفرج عنه في سياق التحضير لمحادثات السلام، ثم صار من أبرز وجوه التفاوض مع الولايات المتحدة في الدوحة، وصولاً إلى اتفاق فبراير 2020. والمفارقة أن الدولة قد تعتقل قائداً في مرحلة، ثم تسعى إلى الإفراج عنه حين يصير وجوده ضرورياً لتسوية تخدم مصالحها أو مصالح الأطراف المتفاوضة.
3. الملا عبيد الله أخوند: كان وزير الدفاع السابق في حكومة طالبان من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بملف الاعتقالات في باكستان، أفادت تقارير صحفية باعتقاله عام 2007، ثم تداولت مصادر لاحقة خبر وفاته في الاحتجاز عام 2010. لكن ظروف اعتقاله ووفاته لم تتضح بما يسمح بإثبات أنه قُتل عمداً بسبب خلاف سياسي مع إسلام آباد، وأهمية القضية أن احتجاز شخصية بهذا المستوى أثار أسئلة عن قدرة قيادة طالبان على حماية مسؤوليها خارج أفغانستان، وعن مدى تأثير المؤسسات الأمنية الباكستانية في حركة الأفراد المرتبطين بها.
4. الملا أختر محمد منصور: في 21 مايو 2016 قُتل الملا أختر محمد منصور، خليفة الملا عمر في قيادة طالبان، في ضربة أمريكية بطائرة مسيّرة استهدفت مركبته في إقليم بلوشستان، وأكد مسؤولون أفغان مقتله، وأعلنت إسلام آباد اعتراضها على تنفيذ الهجوم داخل أراضيها وطالبت واشنطن بتوضيحات، كان وقع الحادثة كبيراً، فالمستهدف أمير الحركة وليس قائداً ميدانياً هامشياً، ومقتله على الأراضي الباكستانية أعاد طرح أسئلة عن قدرة الأجهزة الأمنية على رصد تحركاته وحمايته، أو عن المعلومات التي أفضت إلى استهدافه… والخلاصة السياسية أن الضربة أظهرت أن وجود قائد طالبان في باكستان لا يوفر له حصانة مطلقة، مهما كانت للحركة علاقات تاريخية مع مؤسسات البلاد الأمنية.
5. نصر الدين حقاني: افي نوفمبر 2013 قُتل نصر الدين حقاني، الشخصية المرتبطة بشبكة حقاني، بالرصاص في بهارة كاهو قرب إسلام آباد، وفق تقارير إعلامية معاصرة. كان ذا أهمية في الشبكة التي ارتبط اسمها بالعمليات المسلحة والاتصالات والتمويل، وأثار مقتله تساؤلات عن قدرة هذه الشبكات على العمل داخل باكستان وحماية قياداتها.
6. محمد عمر جان أخوندزاده: في أبريل 2024 قُتل محمد عمر جان أخوندزاده بالرصاص في كويتا بإقليم بلوشستان، وكانت حركة طالبان أكدت مقتله ووصفته بأنه عالم ديني بارز وعضو في إحدى هيئاتها الرقابية ومدرّس في مدرسة جهادية في قندهار، وأفادت تقارير بأنه كان يؤم المصلين في مسجد حين هاجمه مسلحون، وبأن الشرطة الباكستانية قالت إنه كان يحمل هوية باكستانية، وفُتح تحقيق في الحادثة. واتهمت حركة طالبان باكستان الاستخبارات الباكستانية بقتله.
وتعيد القضية سؤالاً يتجاوز الحادثة: كيف استمرت شخصيات مرتبطة بطالبان في الإقامة في باكستان، وما حدود الحماية التي تمتعت بها، ولماذا صارت بعض المدن الباكستانية مسرحاً لاستهداف شخصيات مرتبطة بالمشهد الأفغاني؟ لا إجابة قاطعة دون نتائج تحقيق موثوقة. لكن تكرار هذه الوقائع، حتى حين تبقى هوية الفاعل غير محسومة، يبين أن البيئة التي تحرك فيها قادة طالبان داخل باكستان كانت أكثر تعقيداً من صورة الملاذ الآمن الدائم.
هل كانت هناك سياسة ممنهجة للاعتقال والاغتيال؟
تُتداول أسماء أخرى في الحديث عن الاعتقالات والاغتيالات، منها أنوار الحق مجاهد وآغا جان معتصم والملا عبد الرقيب وشخصيات من القيادات المحلية للحركة، غير أن جمع هذه الأسماء في قائمة واحدة لا يكفي لإثبات أنها استُهدفت جميعاً بسبب رفض الوصاية الباكستانية، فلكل حالة تاريخها وظروفها، وقد تتفاوت الأدلة المتاحة تفاوتاً كبيراً، ولذلك يقوم التحليل الأصلب على التمييز بين أربعة مستويات:
الواقعة: هل ثبت الاعتقال أو القتل، ومتى وأين وقع؟
الجهة المنفذة: هل حُدد المسؤول عن العملية بأدلة مستقلة؟
الدافع: هل توجد أدلة على أن الخلاف السياسي كان سبباً مباشراً؟
التفسير الاستراتيجي: هل تكشف الواقعة، ضمن مجموعة من الوقائع، عن نمط متكرر من الضغط أو محاولة التأثير؟
بهذه المعايير يمكن بناء حجة سياسية قوية دون مبالغة، فوجود حالات موثقة من الاعتقال والتسليم لا يثبت تلقائياً مسؤولية باكستان عن كل اغتيال غامض، لكنه يسمح ببحث الدور الذي أدته المؤسسات الأمنية في إدارة العلاقة مع طالبان.
لماذا تريد إسلام آباد التأثير في القرار الأفغاني؟
يمكن تفسير جانب مهم من السياسة الباكستانية بثلاثة اعتبارات، الأول المنافسة مع الهند، فالمؤسسة العسكرية تنظر إلى العلاقات الأفغانية الهندية من منظور أمني شديد الحساسية، وتخشى أن تصير أفغانستان مساحة نفوذ استراتيجي للهند فتقع باكستان تحت ضغط من جهتين. والثاني التحكم في مسار التسوية، فالنفوذ على القيادات المسلحة يمنح الدولة الإقليمية قدرة على التأثير في المفاوضات وشروط التسوية ومستقبل السلطة، لكنه يصير موضع خلاف حين تسعى القيادة الأفغانية إلى اتصالات مستقلة أو سياسة خارجية لا تتطابق مع رغبات إسلام آباد. والثالث الأمن الداخلي، فباكستان ترى في حركة طالبان باكستان (TTP) تهديداً مباشراً، وتتهم السلطات الأفغانية بالسماح للجماعة باستخدام أراضيها، بينما تنفي كابول هذه الاتهامات أو ترفض الصيغة التي تعرضها بها إسلام آباد.
وتزداد المشكلة تعقيداً لأن حركة طالبان الأفغانية وحركة طالبان باكستان تنظيمان مختلفان رغم الروابط الأيديولوجية والتاريخية بينهما: الأولى تحكم أفغانستان منذ أغسطس 2021، والثانية تخوض صراعاً مسلحاً ضد الدولة الباكستانية. ولذلك فإن تفسير كل العلاقات بين هذه الأطراف بوصفها شبكة واحدة تحت قيادة مركزية واحدة لا يعكس الواقع التنظيمي والسياسي.
بعد أغسطس 2021: الحليف المضطر الذي صار حاكماً
كان وصول طالبان إلى كابول في أغسطس 2021 تطوراً استراتيجياً مهماً لباكستان، إذ بدا أن عودة الحركة إلى السلطة قد تفتح مرحلة أنسب لمصالحها الأمنية والإقليمية، لكن التوقعات اصطدمت بواقع مختلف: فالحركة التي أدارت تمرداً مسلحاً عقدين صارت مسؤولة عن دولة، بحدودها واقتصادها وتجارتها وعلاقاتها الخارجية وسعيها إلى الاعتراف الدولي، وتصاعدت الخلافات حول حركة طالبان باكستان، وتكررت التوترات الحدودية، وبقي خط ديورند موضع نزاع تاريخي وسياسي، ولم تتطابق الحسابات الأفغانية والباكستانية في العلاقات الإقليمية، ومنها موقع الهند. وقد رصدت دراسات تحليلية هذا التحول من اعتبار طالبان أصلاً استراتيجياً لباكستان إلى صيرورة العلاقة معها معضلة أمنية وسياسية.
والمفارقة أن إسلام آباد ربما امتلكت نفوذاً على بعض القيادات في زمن الحرب، لكنها لم تنل بذلك ضمانة دائمة لتطابق سياسات السلطة الأفغانية مع مصالحها، فالحكم يفرض أولويات غير أولويات التمرد، ويزداد الاستقلال السياسي أهمية حين تتولى الحركة إدارة مؤسسات الدولة والتعامل مع الجوار. وهذا لا يعني أن طالبان خرجت تماماً من دائرة التأثير الباكستاني، فالجغرافيا والروابط الاجتماعية والتجارية والاعتماد المتبادل عوامل لا تُتجاهل، لكن النفوذ لم يعد كافياً لضمان التوافق في كل الملفات.
ارتداد السياسة على صانعها
تُظهر التجربة أن الاعتماد على القوى المسلحة لتحقيق أهداف إقليمية قد يمنح الدولة مكاسب مرحلية، لكنه يحمل مخاطر بعيدة المدى. فالجماعات المسلحة ليست أدوات جامدة، بل تنظيمات لها قيادات وأفكار ومصالح، وقد تتغير أولوياتها حين تتبدل الظروف، فتجد الدولة التي سعت إلى التأثير فيها نفسها أمام شريك سابق يرفض بعض مطالبها أو يتبنى سياسات تتعارض مع حساباتها.
وتواجه باكستان اليوم هذا التحدي مع السلطة الحاكمة – الإمارة الإسلامية- في كابل: تريد تعاوناً أفغانياً حاسماً ضد حركة طالبان باكستان، لكنها لا تضمن استجابة كابل لكل مطالبها، ولا تستطيع تجاهل ما يترتب على أي تصعيد من أضرار أمنية واقتصادية وإنسانية على جانبي الحدود، وقد أكدت تحليلات حديثة أن الخلاف لا يقتصر على ملف الجماعات المسلحة، بل يتداخل مع قضايا السيادة والحدود والتنافس الإقليمي وتراكم انعدام الثقة. والدرس الأوسع أن النفوذ لا يساوي السيطرة، وأن التحالفات المبنية على الحسابات الأمنية وحدها قد تتأزم حين تتعارض المصالح أو تتغير موازين القوة، حيث لم تكن العلاقة بين إسلام آباد وطالبان تحالفاً ثابتاً، بل علاقة متغيرة حاولت فيها باكستان الحفاظ على نفوذها، واحتفظت الحركة بهامش من الاستقلال اتسع وضاق بحسب الظروف. وبعد عودة طالبان إلى الحكم عام 2021 صار التحدي أكبر، إذ لم تعد العلاقة تدور حول دعم حركة مسلحة أو التأثير في مفاوضاتها، بل حول إدارة دولتين متجاورتين تختلفان في ملفات أمنية وسياسية عدة.
ولا مخرج من هذه الدائرة بالاعتقالات أو التهديدات أو الرهان على تبعية دائمة. فالاستقرار يحتاج إلى ترتيبات حدودية قابلة للاستمرار، وتعاون أمني متبادل، وقنوات سياسية موثوقة، واحترام متبادل للسيادة، ومعالجة المخاوف الأمنية دون تحويلها إلى مبرر دائم للتدخل.
قد تستطيع الدولة أن تؤثر في صعود حليفها، لكنها لا تضمن إلى الأبد اتجاه قراراته. فالنفوذ قد يفتح أبواب السلطة، لكنه لا يمنح صاحبه حق امتلاك قرارها إلى الأبد.

