داود ياسر
أثار إخفاق الاجتماع الثامن لمنتدى موسكو في إصدار بيان مشترك بشأن أفغانستان تساؤلات حول جذور الأزمة الأمنية بين كابل وإسلام آباد، ومدى ارتباط تصاعد العنف داخل باكستان بالأوضاع الأفغانية، خصوصًا أن دولًا أخرى تشترك في الحدود مع أفغانستان لا تواجه المستوى نفسه من الهجمات المسلحة، ولا تتبنى المطالب الأمنية والعسكرية التي تطرحها إسلام آباد.
وبحسب تحليل نشرته مجلة «ذا دبلومات» (The Diplomat)، حالت الخلافات بين الوفدين الأفغاني والباكستاني بشأن الإرهاب والعمليات العسكرية العابرة للحدود دون التوصل إلى بيان مشترك في الاجتماع الثامن لصيغة موسكو، الذي استضافته العاصمة الروسية لبحث القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية المتعلقة بأفغانستان.
وأوضح التحليل أن الوفد الباكستاني اتهم أفغانستان بالضلوع في الهجمات التي شهدتها الأراضي الباكستانية، بينما رفض الجانب الأفغاني هذه الاتهامات، معتبرًا أن الضربات العسكرية التي تنفذها إسلام آباد داخل أفغانستان تمثل انتهاكًا لسيادة البلاد والقانون الدولي.
وجاءت هذه الخلافات في أعقاب هجمات شهدها إقليم خيبر بختونخوا يومي 18 و26 سبتمبر/أيلول الماضي، وأسفرت، وفق الأرقام الواردة في التحليل، عن مقتل نحو 44 شخصًا وإصابة 138 آخرين، قبل أن تشن باكستان ضربات داخل الأراضي الأفغانية.
لماذا لا يواجه بقية جيران أفغانستان التهديدات نفسها؟
ويطرح التحليل تساؤلًا جوهريًا بشأن الرواية الباكستانية التي تربط تصاعد الهجمات المسلحة داخل البلاد بالأوضاع الأمنية في أفغانستان: إذا كانت الأراضي الأفغانية تمثل المصدر الرئيسي للتهديدات الإرهابية، فلماذا لا تواجه الدول الأخرى المجاورة لأفغانستان تحديات أمنية مماثلة، رغم اشتراكها معها في الحدود الجغرافية؟
فالصين وأوزبكستان وطاجيكستان وإيران تشترك جميعها في حدود مع أفغانستان، لكنها لا تتبنى النهج العسكري الباكستاني نفسه، ولا توجه إلى كابل مطالب أمنية مماثلة من حيث طبيعتها وحدتها.
ويشير التحليل إلى أن الصين وأوزبكستان تواجهان مستويات أقل من التهديدات المسلحة العابرة للحدود، في حين تختلف طبيعة التحديات الأمنية التي تواجهها طاجيكستان عن تلك التي تواجهها باكستان.
ومع أن اختلاف طول الحدود وطبيعة الجماعات المسلحة لا يسمح بإجراء مقارنة مباشرة بين جميع هذه الدول، فإن التباين يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن العوامل الداخلية التي تسهم في استمرار العنف داخل باكستان، ومدى كفاية تفسيره انطلاقًا من الوضع الأفغاني وحده.
هل تحمّل باكستان أفغانستان مسؤولية إخفاقاتها الأمنية؟
وتعيد هذه المقارنة إلى الواجهة الجدل بشأن ما إذا كانت إسلام آباد تحمّل كابل مسؤولية إخفاقاتها في احتواء الجماعات المسلحة داخل أراضيها، بدلًا من معالجة الأسباب السياسية والأمنية والاجتماعية التي تغذي العنف، خصوصًا في المناطق الحدودية.
فحركة طالبان باكستان، التي تمثل أحد أبرز التحديات الأمنية لإسلام آباد، نشأت في سياق الصراعات الداخلية الباكستانية، ولها امتدادات تاريخية واجتماعية في المناطق القبلية، الأمر الذي يجعل اختزال نشاطها في العامل الأفغاني موضع نقاش.
وتقول باكستان إن الجماعة تستفيد من ملاذات داخل الأراضي الأفغانية لشن هجمات ضد قواتها ومؤسساتها الأمنية، بينما ترفض أفغانستان تحميلها مسؤولية الأمن الداخلي الباكستاني، وتؤكد أن معالجة هذه التحديات تقع في المقام الأول على عاتق إسلام آباد.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية المطالب الباكستانية الموجهة إلى كابل، إذ تطالب إسلام آباد بضمانات أمنية وإجراءات حاسمة ضد حركة طالبان باكستان، في حين يرفض الجانب الأفغاني الالتزامات التي يرى أنها تتجاوز مسؤولياته أو تمس سيادته، خصوصًا عندما تقترن بالتهديد باستخدام القوة العسكرية.
وتكشف هذه الخلافات عن تباين أعمق في تعريف المسؤولية الأمنية؛ فبينما تعتبر باكستان أن منع استخدام الأراضي الأفغانية ضدها التزام يقع على عاتق السلطات في كابل، ترى الأخيرة أن إسلام آباد لا تستطيع نقل كامل أعباء أزمتها الأمنية الداخلية إلى أفغانستان.
ضغوط داخلية وخيارات عسكرية
ووفقًا للأرقام التي أوردها التحليل، سجلت باكستان 1232 هجومًا إرهابيًا حتى سبتمبر/أيلول 2026، في مؤشر على حجم التحديات التي تواجهها الأجهزة الأمنية الباكستانية.
وتشمل هذه التحديات نشاط حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان وتنظيم الدولة الإسلامية، وهي جماعات تختلف في أهدافها ومناطق نشاطها وطبيعة صراعها مع الدولة الباكستانية.
ويرى منتقدو السياسة الباكستانية تجاه أفغانستان أن اللجوء المتكرر إلى الضربات العابرة للحدود قد يحوّل الأزمة الأمنية الداخلية إلى مواجهة إقليمية، من دون معالجة العوامل التي تسمح باستمرار نشاط الجماعات المسلحة.
في المقابل، تستند إسلام آباد إلى حقها في حماية أمنها ومواطنيها، وتتهم السلطات الأفغانية بعدم اتخاذ إجراءات كافية لمنع استخدام أراضيها في التخطيط للهجمات.
الجيران يفضلون الدبلوماسية
ولفت التحليل إلى أن دولًا إقليمية، من بينها الصين وروسيا وإيران، تفضل الحوار والتفاهمات الأمنية على العمليات العسكرية، وتدعو إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد بين أفغانستان وباكستان.
ويعكس هذا الموقف اختلافًا في المقاربات الإقليمية للتعامل مع الملف الأفغاني، إذ تركز الدول المجاورة على منع انتقال الاضطرابات الأمنية عبر الحدود، مع الحفاظ على قنوات التواصل والتعاون مع كابل.
كما يثير غياب التأييد الإقليمي الصريح للضربات الباكستانية تساؤلات بشأن مدى قدرة إسلام آباد على حشد دعم دبلوماسي لنهجها العسكري، رغم تأكيدها المتكرر أن العمليات تستهدف جماعات مسلحة تهدد أمنها القومي.
وبينما تتمسك باكستان بمطالبها الأمنية، ترفض كابل تحويل أراضيها إلى ساحة لعمليات عسكرية خارجية أو قبول التزامات تراها متعارضة مع سيادتها.
وهكذا، فإن تعثر التوافق في اجتماع موسكو لا يعكس خلافًا بشأن الإرهاب فحسب، بل يكشف أيضًا عن أزمة أعمق تتعلق بتحديد المسؤولية عن العنف داخل باكستان، وحدود الالتزامات التي يمكن مطالبة أفغانستان بها، ومدى جدوى استخدام القوة العسكرية في معالجة أزمة تتداخل فيها العوامل الداخلية مع التعقيدات الإقليمية.

