داود ياسر
وصل الطريق الأفغاني الجديد عبر ممر واخان إلى مسافة عشرات الأمتار من الحدود الصينية، لكن الوصول إلى الأسواق خلفها لا يزال بعيد المنال. ففيما تراهن كابل على المشروع لتخفيف عزلتها التجارية وتقليص اعتمادها على دول العبور، تبدو بكين أكثر انشغالًا بالمخاطر الأمنية والكلفة الاقتصادية لفتح منفذ في هذه المنطقة الجبلية النائية.
وعكس افتتاح الطريق في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول هذه الفجوة بين تطلعات الطرف الأفغاني وحسابات جاره الصيني. فبحسب تقارير صحفية لم ترسل بكين ممثلين إلى الحفل، ولم تعلن موقفًا رسميًا منه، بينما بقيت الحدود مغلقة خلف التحصينات والأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة.
وأظهرت صورة التقطها قمر صناعي في 11 أكتوبر وصول الطريق إلى مسافة بضع عشرات من الأمتار من الحدود، بما يؤكد إنجاز امتداده على الجانب الأفغاني، من دون أن يعني ذلك اقتراب افتتاح معبر بين البلدين.
طريق مكتمل.. ومعبر مؤجل
يمثل الطريق امتدادًا لمشروع بدأ عام 2019 في عهد الحكومة الأفغانية السابقة، ثم توقفت أعماله مع سيطرة طالبان على البلاد عام 2021، قبل استئنافها في 2023. ووفق التقارير التي أوردتها المادة، نفذ مهندسون أفغان الأعمال بتمويل من كابل بلغت كلفته نحو 5.6 مليون دولار.
غير أن إنجاز الطريق لا يكفي لتحويله إلى ممر تجاري. ففتح الحدود يحتاج إلى قرار صيني لا تبدو فرص صدوره قريبًا مرتفعة، بحسب تشو يونغبيو، مدير مركز الدراسات الأفغانية في جامعة لانتشو الصينية.
ويرى تشو أن العائد الاقتصادي المتوقع للصين محدود مقارنة بالنفقات والمخاطر المرتبطة بتشغيل هذا المسار. وتشمل أبرز الصادرات الأفغانية إلى السوق الصينية الصنوبر والمشمش المجفف والأحجار الكريمة، لكن حجم هذه التجارة، وفق تقديره، لا يوفر حافزًا كافيًا لتجاوز التحفظات الأمنية.
ويفسر الباحث إنشاء الطريق أيضًا بوصفه رسالة من طالبان إلى بكين، مفادها أن الحركة قادرة على تطوير البنية التحتية في منطقة يصعب الوصول إليها. إلا أن هذه الرسالة لم تتحول حتى الآن إلى استجابة صينية معلنة بشأن فتح الحدود.
الأمن يتقدم على التجارة
تتصدر الجماعات المسلحة مخاوف بكين، ولا سيما حركة تركستان الشرقية الإسلامية ويقول تشو إن السلطات الأفغانية لم تستجب لمعظم المطالب الصينية المتعلقة بالتعامل مع الجماعة، معتبرًا أن ذلك يقلل احتمالات إقدام بكين على خطوات إضافية تجاه طالبان في المدى القريب.
في المقابل، أكد حاكم بدخشان المعين من طالبان، رحمت الله نجيب، خلال حفل الافتتاح، عدم وجود مشكلات أمنية في الولاية. ويكشف التباين بين هذا التأكيد وتقييم الباحث الصيني حجم الفجوة في تقدير الوضع الأمني ومتطلبات فتح الحدود.
وللبنية التحتية القائمة على الجانب الصيني وظيفة مختلفة عن تلك التي تتطلع إليها كابول؛ إذ أُنشئت قبل أكثر من عقد لتعزيز مراقبة الحدود وتسهيل حركة الدوريات العسكرية. وسبق أن وصفت وسائل إعلام صينية الحدود مع أفغانستان، البالغ طولها نحو 76 كيلومترًا، بأنها جبهة رئيسية لمكافحة الإرهاب.
رهان أفغاني على تقليص ضغوط العبور
تمنح كابل المشروع أهمية تتجاوز تنمية واخان إلى إعادة ترتيب مسارات تجارتها الخارجية. فتقرير صادر عن الحكومة الأفغانية، يعرض فتح الممر باعتباره وسيلة لتقليل الاعتماد على المنافذ الباكستانية والإيرانية، والحد مما تصفه الحكومة باستخدام طرق التجارة للضغط السياسي.
ويشير التقرير الأفغاني إلى طرق الوصول إلى ميناءي كراتشي وجوادر في باكستان، وميناء تشابهار في إيران، بوصفها مسارات يمكن أن تتأثر بالخلافات مع دول العبور، بما يسبب خسائر للتجار.
لكن الانتقال من هذا الطموح إلى منفذ تجاري فعلي يظل مرتبطًا بموافقة الصين، فضلًا عن تجاوز تحديات الطبيعة والمناخ وتجهيزات النقل. فالطريق يصل إلى الحدود، لكنه لا يمنح أفغانستان بمفرده وصولًا مباشرًا إلى السوق الصينية.
الجغرافيا تضيف عوائقها
إلى جانب الأمن، تفرض البيئة الجبلية قيودًا على جدوى المشروع. وأشار مقال نُشر على منصة «سوهو» الصينية في العاشر من أكتوبر إلى أن الممر، الواقع على ارتفاع يقارب 4800 متر، لا يتيح عبور المركبات إلا خلال فترة صيفية قصيرة تُقدّر بثلاثة أشهر.
وربط المقال أي فتح محتمل للحدود بقدرة الحكومة الأفغانية الحالية على ضبط أراضيها ومعالجة مخاطر تسلل المسلحين. ويعكس هذا الطرح اتجاهًا في النقاش الإعلامي الصيني، لكنه لا يمثل إعلانًا رسميًا عن سياسة بكين.
ويتفق إحسان الله عمرخيل، الباحث في الشؤون الصينية المقيم في ماليزيا، مع التقييم المتحفظ لجدوى الطريق. ويرى أن المشروع يحمل، في وضعه الراهن، دلالة رمزية أكبر من قدرته العملية على ربط التجار الأفغان بالأسواق الصينية، نظرًا إلى الكلفة المرتفعة مقارنة بالفرص المتوقعة.
سكان واخان ينتظرون نهاية العزلة
بعيدًا عن الحسابات الاستراتيجية، ينظر سكان واخان إلى الطريق باعتباره فرصة لتحسين حياتهم في منطقة عانت طويلًا من العزلة وصعوبة التنقل.
وقال المرشد السياحي يار محمد إن المشروع يمنح السكان أملًا في تحسين ظروفهم المعيشية وتعزيز اتصالهم بالعالم الخارجي. وأوضح أن الطريق بدأ بالفعل يوفر فوائد محلية، لكن أثره الأكبر سيظل مرتبطًا بالافتتاح الرسمي للحدود الصينية.
ويمتد واخان كشريط ضيق من الأراضي الأفغانية بين جبال المنطقة، وقد تشكل في القرن التاسع عشر بوصفه منطقة عازلة بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية. وبعد أكثر من قرن، يسعى سكانه إلى تحويل موقعه الحدودي من مصدر للعزلة إلى فرصة للتواصل والتجارة.
وهكذا، يقف المشروع عند مفارقة واضحة: أنجزت أفغانستان طريقها إلى الحدود، لكن قرار تحويله إلى بوابة تجارية لا يزال في يد الصين. وبين حاجة كابل إلى منفذ جديد وتحفظات بكين الأمنية والاقتصادية، يبقى سكان واخان والتجار الأفغان في انتظار فتح الطريق من جانبه الآخر.

