باسل الخطيب
لم تُنهِ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس/آب 2021 الخلافات بين كابل وإسلام آباد. فالحركة التي راهنت عليها باكستان طويلًا لم تتحول إلى شريك يستجيب بالضرورة لأولوياتها الأمنية، فيما تصاعدت النزاعات بشأن الجماعات المسلحة وأمن الحدود والعلاقة مع الهند، وصولًا إلى مواجهات عسكرية وضغوط اقتصادية متبادلة التداعيات.
ويعيد هذا التحول طرح سؤال يتجاوز مستقبل العلاقة مع كابل: إلى أي حد تستطيع باكستان التأثير في بقاء الحكومات الأفغانية أو سقوطها؟ فقد أدت إسلام آباد أدوارًا مؤثرة في التحولات التي شهدتها أفغانستان خلال العقود الماضية، لكن نفوذها لم يكن مطلقًا، ولم تكن وحدها صاحبة القرار في مسارات انتهت بانهيار أنظمة وصعود أخرى.
ولفهم الأزمة الراهنة، لا بد من قراءة هذا التاريخ في ضوء ثلاثة عوامل متداخلة: حسابات الأمن الباكستاني، والتوازنات الداخلية الأفغانية، وأثر التدخلات الدولية والإقليمية.
نفوذ مؤثر.. وأسباب متعددة لانهيار الأنظمة
خلال الحرب ضد القوات السوفيتية والحكومة المدعومة من موسكو، شكّلت باكستان ممرًا رئيسيًا للمساعدات الأمريكية والسعودية وغيرها من أشكال الدعم المقدم إلى جماعات المجاهدين. وأسهم دورها في التدريب والتسليح والإمداد في تعزيز قدرة هذه الجماعات على مواجهة الحكومة الأفغانية.
لكن سقوط حكومة الرئيس الأفغاني الأسبق نجيب الله عام 1992 لم يكن نتيجة الدعم الباكستاني للمعارضة وحده. فقد تضافر توقف المساعدات السوفيتية مع الانقسامات الداخلية وتحول ولاءات قادة عسكريين وتغير موازين القوى، بما سرّع انهيار الحكم.
وبعد قيام حكومة برهان الدين رباني، توترت علاقاتها مع إسلام آباد، التي دعمت الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، ثم أصبحت من أبرز داعمي طالبان. وساعد الدعم الباكستاني العسكري واللوجستي الحركة على توسيع نفوذها، بالتوازي مع الحرب الأهلية وتفكك السلطة واستنزاف القوى المتنافسة، حتى سيطرت على كابل عام 1996.
غير أن العلاقة تبدلت بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. فباكستان، التي كانت إحدى الدول الثلاث المعترفة بحكومة طالبان الأولى، تعاونت بقيادة الجنرال برويز مشرف مع الولايات المتحدة في عمليتها العسكرية بأفغانستان، وقدمت تسهيلات جوية ولوجستية واستخباراتية، وقامت باعتقال قادة طالبان وتسليمها إلى الولايات المتحدة.
وكان هذا التعاون عاملًا مساعدًا في الحملة التي أنهت حكم طالبان، فيما جاء الحسم بفعل التدخل العسكري الأمريكي وتقدم القوات الأفغانية المناهضة للحركة. وقد أظهر التحول أن علاقة إسلام آباد بحلفائها الأفغان تخضع لحسابات المصالح والضغوط الدولية، ولا تمثل التزامًا ثابتًا ببقائهم.
الجمهورية الأفغانية وحدود التفسير الباكستاني
خلال عهدي رئيسين حامد كرزاي وأشرف غني، عادت اتهامات التدخل الباكستاني إلى صدارة الخلافات. واتهمت الحكومتان إسلام آباد بتوفير ملاذات لقادة طالبان والسماح لشبكاتها بالعمل على الأراضي الباكستانية. كما تناولت تقارير ودراسات أمنية أشكالًا من الدعم المالي واللوجستي للحركة، وهي اتهامات نفتها باكستان أو اعترضت عليها في مناسبات مختلفة.
ومع أهمية هذا العامل، فإن تفسير انهيار الحكومة الأفغانية السابقة عام 2021 بالسياسة الباكستانية وحدها يحجب أسبابًا حاسمة أخرى، من بينها الاتفاق الأمريكي مع طالبان، وانسحاب القوات الأجنبية، وضعف مؤسسات الحكم، والانقسامات السياسية، والانهيار المتسارع للقوات الأمنية.
تكشف هذه التجارب نمطًا متكررًا: تستطيع باكستان التأثير في موازين القوى الأفغانية، لكن نتائج هذا التأثير تتوقف على قابلية النظام الداخلي للصمود، ومواقف القوى المحلية، واتجاهات السياسة الدولية. فالنفوذ الخارجي قد يفاقم أزمات الدولة، لكنه لا يفسر وحده أسباب عجزها عن احتوائها.
الأمن والهند في صلب حسابات إسلام آباد
تستند السياسة الباكستانية تجاه أفغانستان إلى تصور أمني تشكل عبر أزمات متراكمة. فقد ترك النزاع مع الهند بشأن كشمير، وحرب عام 1971 وانفصال بنغلاديش، أثرًا عميقًا في حسابات المؤسسة السياسية والعسكرية. وتضاف إلى ذلك حركات التمرد في بلوشستان، والنزعات القومية البشتونية، والخلاف مع أفغانستان حول خط ديوراند.
ضمن هذا التصور، لا تنظر إسلام آباد إلى تطورات جارتها الغربية باعتبارها شأنًا ثنائيًا فحسب، بل تربطها أيضًا بتوازن القوى مع الهند وأمن حدودها ووحدة أراضيها.
ومن هنا تنبع مخاوف ما يُعرف بالتطويق الاستراتيجي: أن تواجه باكستان ضغوطًا من الهند شرقًا، ومن حكومة أفغانية وثيقة الصلة بنيودلهي غربًا. ولا يقتصر هذا القلق على احتمال مواجهة عسكرية، بل يشمل تنامي النفوذ السياسي والأمني الهندي في أفغانستان.
لكن التمييز ضروري بين تصورات التهديد والأدلة على وجوده. فمخاوف إسلام آباد من استخدام الأراضي الأفغانية ضدها لا تثبت تلقائيًا وجود تنسيق بين كابل ونيودلهي لهذا الغرض. وفي المقابل، تقدم الهند علاقاتها مع أفغانستان أساسًا في إطار التعاون التنموي والاقتصادي والدبلوماسي.
ولم تكن الحكومات الأفغانية مجرد أطراف تتحرك داخل هذا التنافس؛ إذ سعت، بدرجات متفاوتة، إلى توظيف علاقاتها الخارجية وفق مصالحها. غير أن الحفاظ على توازن مستقر بين الهند وباكستان ظل مهمة معقدة، خصوصًا عندما اعتبرت إسلام آباد تقارب كابل مع نيودلهي تهديدًا مباشرًا.
بحسب مصادر أمنية ودبلوماسية، تحتفظ المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات الباكستانية بالدور الحاسم في إدارة الملف الأفغاني والبرنامج النووي وملف كشمير، فيما يظل هامش تأثير الحكومات المدنية محدودًا في هذه القضايا. وترى المصادر أن تغليب المقاربة الأمنية على الأدوات السياسية والدبلوماسية في التعامل مع أفغانستان يسهم في تعميق الخلافات بين كابل وإسلام آباد، ويضيّق فرص التفاهم بينهما.
في المقابل، تقول مصادر في حركة طالبان إن قادة في الحركة توصلوا إلى قناعة بأن إسلام آباد لا ترغب في قيام حكومة قوية ومستقلة القرار في كابل، بصرف النظر عن هويتها السياسية. ووفق هذه المصادر، باتت الحركة تنظر إلى باكستان بوصفها ندًّا ينبغي التعامل معه انطلاقًا من المصالح الوطنية الأفغانية، لا شريكًا تتوافق معه الأولويات بالضرورة. ويعكس هذا التصور اتساع الفجوة بين الطرفين، كما يشير إلى صعوبة تحويل النفوذ الباكستاني التاريخي إلى قدرة فعلية على توجيه قرارات طالبان.
وتقدّر المصادر أن إخضاع الحركة للمطالب الباكستانية يتطلب ضغوطًا وجهودًا أكبر، في وقت تواجه فيه إسلام آباد تحديات أمنية داخلية وخارجية، واحتقانًا سياسيًا وضغوطًا اقتصادية واجتماعية، من بينها البطالة وهجرة الكفاءات. وتضيف أن التزامات باكستان ضمن ما تصفه بـ«تحالف مكة» تفرض أعباء إضافية على حساباتها الإقليمية، بما يزيد تعقيد خيارات المؤسسة العسكرية في التعامل مع الملف الأفغاني.
خط ديوراند.. خلاف يتجاوز الحدود
يمثل خط ديوراند أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الثنائية. فبينما تعتبره باكستان حدودًا دولية، ظل موضع اعتراض لدى الحكومات والقوى السياسية الأفغانية، وتداخلت بشأنه الاعتبارات التاريخية والقومية والسياسية.
وفي مراحل مختلفة، تحولت القضية إلى أداة للتعبئة الداخلية، من دون أن تقترن دائمًا باستراتيجية عملية لإدارة الخلاف. وفي المقابل، اتخذت باكستان إجراءات ميدانية، أبرزها إقامة سياج على أجزاء من الحدود، ما أثار اعتراضات أفغانية.
ومع أهمية هذا النزاع، فإنه لا يختزل أسباب التوتر. فقضايا الجماعات المسلحة والتدخلات المتبادلة والتنافس الإقليمي تمتلك دينامياتها الخاصة. ولذلك، تحتاج إدارة العلاقة إلى فصل الملفات حيثما أمكن، وتحديد خيارات دبلوماسية واضحة، وتقدير كلفة كل مسار، بدل ترك الخلاف الحدودي يحكم مجمل العلاقات.
لماذا لم تستجب طالبان لحسابات باكستان؟
أظهرت السنوات التي أعقبت عودة طالبان إلى الحكم أن الدعم السابق لا يضمن تطابق المصالح بعد الوصول إلى السلطة. فالحركة تمتلك حساباتها الداخلية وروابطها الأيديولوجية وأولوياتها السياسية، وهي عوامل تحد من قدرة إسلام آباد على توجيه قراراتها.
وتتصدر حركة طالبان باكستان الخلاف بين الطرفين. إذ تتهم إسلام آباد الجماعة باستخدام الأراضي الأفغانية للتخطيط لهجمات داخل باكستان، وتطالب حكومة طالبان باتخاذ إجراءات فعالة ضدها. كما تطالب بمنع نشاط جماعات مسلحة أخرى، من بينها جيش تحرير بلوشستان.
وتعقّد الروابط الأيديولوجية والتنظيمية بين طالبان الأفغانية وطالبان باكستان استجابة كابول لهذه المطالب، إلى جانب حسابات تتعلق بتداعيات المواجهة مع الجماعة. وهنا يتجاوز الخلاف مسألة التعاون الأمني إلى اختلاف في تعريف التهديد وتحديد المسؤولية عن معالجته.
ويتداخل هذا الملف مع القلق الباكستاني من نفوذ الهند. غير أن جمع هذه القضايا في تصور أمني واحد لا يكفي لإثبات وجود تنسيق عملياتي بين جميع الأطراف التي تتهمها إسلام آباد بتهديد أمنها.
أدوات ضغط واسعة.. ونتائج غير محسومة
لجأت باكستان إلى مزيج من الضغوط العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية، شمل عمليات حدودية وضربات جوية وقيودًا على التجارة والمعابر، إلى جانب تكثيف ترحيل الأفغان. وألقت هذه الإجراءات بأعباء مباشرة على التجار والمجتمعات الحدودية والأسر المتضررة.
وفي الوقت نفسه، لم تنجح اتصالات المسؤولين ووساطات علماء الدين وبعض دول المنطقة في التوصل إلى تسوية دائمة. فالخلاف لا يتعلق بنقص قنوات التواصل وحده، بل بتباين التصورات بشأن طبيعة الالتزامات المطلوبة وحدود التعاون الممكن.
ويعكس استمرار التصعيد ثقل المؤسسة العسكرية في صياغة السياسة الباكستانية تجاه أفغانستان، وأولوية الاعتبارات الأمنية، حتى عندما تترتب عليها خسائر اقتصادية للطرفين.
لكن قدرة هذه الأدوات على إلحاق الضرر لا تعني بالضرورة قدرتها على انتزاع التنازلات. فالضغط الاقتصادي قد يفاقم الأزمة من دون أن يغير حسابات قيادة طالبان، كما قد يدفعها إلى تنويع علاقاتها ومسارات تجارتها بحثًا عن تقليل الاعتماد على باكستان.
تغيير سلوك طالبان أم تغيير حكمها؟
يبقى التمييز بين هذين الهدفين أساسًا لأي قراءة لمستقبل الأزمة. فتصعيد الضغط على طالبان لا يثبت، في حد ذاته، أن باكستان اتخذت قرارًا بإسقاط حكمها. ولا تقدم المادة محل التحليل ما يكفي للجزم بوجود سياسة باكستانية معلنة لتغيير النظام في كابول.
أما احتمال إضعاف حكم الحركة أو انهياره، فلا يتوقف على إرادة إسلام آباد وحدها، بل يرتبط بتماسك طالبان، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وقدرة خصومها على التنظيم، ومواقف القوى الإقليمية والدولية.
لقد أثبت التاريخ أن باكستان تستطيع التأثير بعمق في أفغانستان، لكنه أثبت أيضًا أنها لا تملك التحكم الكامل في القوى التي تدعمها، ولا في النتائج التي تنتجها تدخلاتها. والتحدي الراهن هو ما إذا كان الطرفان قادرين على تحويل مطالبهما الأمنية إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، أم أن استمرار التصعيد سيزيد كلفة الخلاف من دون أن يمنح أيًّا منهما النتيجة التي يسعى إليها.

