د. عبدالرازق عبدالوهاب الصافي – الرياض
تمتلك العلاقات السعودية الأفغانية رصيدًا من الروابط الدينية والتواصل السياسي والمساعدات الإنسانية، لكن تحويل هذا الرصيد إلى شراكة مستدامة يتطلب أكثر من استدعاء التاريخ. فالعلاقة بين الرياض وكابل محكومة اليوم بأسئلة الأمن والاستقرار، وأولويات التنمية، وقدرة الطرفين على بناء تعاون يستند إلى مصالح واضحة والتزامات متبادلة.
وبين حاجة أفغانستان إلى توسيع انفتاحها الخارجي، واهتمام السعودية باستقرار محيطها الإقليمي والإسلامي، تبرز فرص للتعاون في مجالات الإغاثة والتعليم والتجارة. غير أن استثمار هذه الفرص يرتبط بمعالجة العقبات السياسية والأمنية والمؤسسية التي قد تحدّ من تطور العلاقة.
رصيد تاريخي يحتاج إلى ترجمة عملية
شكّل الدعم السعودي للشعب الأفغاني خلال الحرب السوفيتية، وما رافقها من نزوح وأزمات إنسانية، محطة بارزة في العلاقات بين البلدين. وشمل ذلك مساندة سياسية ومساعدات إغاثية للاجئين والمتضررين، قبل أن تتواصل أشكال من الدعم الإنساني في المراحل اللاحقة.
ويمثل هذا الإرث أساسًا للتقارب، لكنه لا يحدد وحده مسار العلاقات الراهنة. فالتجارب المشتركة تمنح الدول مساحة للتفاهم، بينما يتوقف استمرار التعاون على قدرتها على التوفيق بين مصالحها والاستجابة للتحولات السياسية.
ومن هذا المنظور، تكتسب الذاكرة التاريخية قيمتها حين تسهم في بناء الثقة وتسهيل الحوار، ثم تُترجم إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم. أما تحميلها التزامات سياسية مفتوحة فقد يضيّق مساحة النقاش حول احتياجات البلدين وأولوياتهما الحالية.
الأمن والسيادة أساس الثقة
يشكل الأمن أحد الملفات المركزية في أي تقارب سعودي أفغاني. فمن مصلحة الرياض الحصول على ضمانات موثوقة بشأن عدم استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد أمنها أو استهداف مصالحها، في حين تحتاج كابل إلى علاقات خارجية تحترم سيادتها وتساعدها على تجاوز العزلة وتداعيات الصراع.
ويقتضي بناء الثقة التزامًا متبادلًا بعدم التدخل، ورفض الاعتداء على الدول والمدنيين والمنشآت الحيوية، وتسوية الخلافات بالوسائل السياسية. وتكتسب هذه المبادئ أهمية أكبر عندما تقترن بإجراءات عملية وقنوات اتصال منتظمة، بدل الاكتفاء بالبيانات العامة.
كما يتطلب التعاون الأمني التمييز بين مكافحة الجماعات التي تمارس العنف وبين إدارة الخلافات السياسية. فوضوح الأهداف والأطر القانونية واحترام الحقوق عناصر ضرورية لضمان أن يخدم التعاون استقرار البلدين، وأن يحظى بالثقة والاستمرارية.
ولا يستلزم التقارب تطابقًا كاملًا في المواقف الإقليمية. فالعلاقات المستقرة تستطيع استيعاب اختلاف التقديرات، ما دام الطرفان قادرين على إدارة خلافاتهما ومنع تحولها إلى تهديد لمصالحهما الأساسية.
الملاحة البحرية ومصالح الدولة الحبيسة
رغم افتقار أفغانستان إلى منفذ بحري، فإن اقتصادها يتأثر بأمن الممرات البحرية وانتظام حركة التجارة الدولية. فاضطراب الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين قد ينعكسان على أسعار وارداتها وقدرتها على الوصول إلى الأسواق.
وبالنسبة إلى السعودية، ترتبط سلامة الملاحة بأمن سواحلها وموانئها وتجارتها ومشروعاتها الاقتصادية. ومن هنا، يشكل دعم أمن الممرات البحرية وحماية السفن التجارية مساحة محتملة للتوافق بين البلدين.
ويظل الموقف الأكثر اتساقًا هو رفض استهداف الملاحة المدنية، مع دعم التهدئة ومعالجة النزاعات التي تهددها عبر المسارات الدبلوماسية والقانونية. فاستقرار التجارة مصلحة مشتركة، وتتحمل الاقتصادات الأضعف كلفة مرتفعة حين تتعطل سلاسل الإمداد أو تتسع دائرة الصراع.
التنمية مدخل لبناء علاقة أوسع
يمكن للتعاون الإنساني والتنموي أن يمنح العلاقات السعودية الأفغانية مضمونًا مباشرًا يتصل بحياة السكان. وتشمل مجالاته الرعاية الصحية، والأمن الغذائي، والمياه، والتعليم، والتدريب المهني، ودعم سبل العيش.
وتتوقف فاعلية هذا التعاون على تحديد الاحتياجات بصورة دقيقة، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، ووجود آليات للمتابعة والشفافية. كما أن الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مشروعات تعزز قدرة المجتمعات على الإنتاج يمثل خطوة مهمة نحو تقليل الاعتماد الطويل على الإغاثة.
ويحتل التعليم موقعًا أساسيًا في هذا المسار. فتوسيع فرص التعلم للفتيات والفتيان، وتأهيل الكفاءات، وربط التدريب باحتياجات سوق العمل، كلها عوامل تؤثر في قدرة أفغانستان على التعافي. وأي تعاون تعليمي مستدام يحتاج إلى بيئة تتيح للمستفيدين الوصول إلى برامجه والاستفادة منها على نحو منصف.
التجارة والاستثمار.. فرص بشروط
توجد مجالات تستحق الدراسة في الزراعة والصناعات الغذائية والخدمات والبنية التحتية، لكن تحويلها إلى استثمارات يتطلب تقييمًا واقعيًا للمخاطر والعوائد.
فالروابط السياسية والدينية لا تعوّض الحاجة إلى قواعد واضحة لحماية المستثمرين، وتسوية المنازعات، وتحويل الأموال، وإدارة العقود. كما أن وضوح المتطلبات المصرفية والقانونية والعقوبات ذات الصلة ضروري لتحديد ما يمكن تنفيذه وكيفية تنفيذه.
وقد يكون البدء بمشروعات محددة النطاق وقابلة للقياس أكثر جدوى من إعلان شراكات واسعة تفتقر إلى أدوات التنفيذ. فنجاح مشروع زراعي أو صحي أو تدريبي يمكن أن يبني خبرة مشتركة، ويمهد لتعاون أكبر يستند إلى نتائج ملموسة.
ومن المهم كذلك التمييز بين المساعدات والاستثمار؛ فلكل منهما أهدافه وشروطه وآليات تقييمه. ويساعد هذا الوضوح على ضبط التوقعات وتحديد مسؤوليات الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الإنسانية.
الحوار المؤسسي بدل الرهانات العامة
تحتاج العلاقة بين الرياض وكابل إلى قنوات مؤسسية تتجاوز المناسبات والاتصالات المتفرقة. ويمكن للمشاورات المنتظمة أن تتيح مناقشة الملفات الأمنية والإنسانية والاقتصادية، وتحديد نقاط الاتفاق والخلاف، ومتابعة الالتزامات.
كما يمكن للتواصل بين الجامعات والمؤسسات الصحية والجهات الإنسانية والغرف التجارية أن يوسع قاعدة العلاقة، بحيث لا تبقى محصورة في المستوى السياسي. غير أن نجاح هذه المسارات يستلزم تحديد الجهات المسؤولة، والجداول الزمنية، ومصادر التمويل، ومعايير قياس النتائج.
وتبقى طبيعة التعامل الدبلوماسي والوضع القانوني للسلطات في كابل من المسائل التي ينبغي أخذها في الحسبان عند تصميم أي تعاون. فالتواصل وتقديم المساعدات والتعاون الفني لا تحمل بالضرورة الدلالات السياسية والقانونية نفسها، ويقتضي التعامل المهني مع هذه الملفات توضيح حدود كل مسار.
شراكة تقاس بالنتائج
لن يتحدد مستقبل العلاقات السعودية الأفغانية بقوة الخطاب عن الماضي وحده، بل بقدرة الطرفين على بناء مصالح متبادلة وإدارة الملفات الحساسة بواقعية.
وتملك أفغانستان مصلحة في علاقات تساعد على تنمية اقتصادها وتوسيع فرص شعبها، بينما يمكن للسعودية أن تجد في استقرار أفغانستان مجالًا لدعم الأمن الإقليمي والتعاون الإنساني والاقتصادي. لكن هذه المصالح تحتاج إلى التزامات قابلة للتحقق، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، واحترام متبادل للسيادة والحقوق.
وسيكون المعيار الأوضح لتقدم العلاقة هو ما تحققه على الأرض: مساعدات تصل إلى مستحقيها، وفرص تعليم وعمل أوسع، وتجارة أكثر انتظامًا، وتراجع للمخاطر الأمنية. بهذه النتائج يمكن للرصيد التاريخي أن يتحول إلى أساس لشراكة تستجيب لاحتياجات الحاضر وتملك مقومات الاستمرار.

