الدكتور عبد الرازق عبد الوهاب الصافي- الرياض
تواجه العاصمة الأفغانية كابل أزمة حضرية مركّبة، تتداخل فيها مشكلات المياه والنفايات والصرف الصحي والكهرباء والنقل والتمدد العمراني غير المنظم، مع محدودية الموارد المالية وضعف البنية المؤسسية.
وهذه المشكلات، وإن كانت ذات خصوصية أفغانية، تذكّرنا إلى حدّ ما بالتحديات التي واجهتها إسطنبول خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما كانت المدينة تعاني من أزمات حادة في المياه والنقل والنفايات والخدمات البلدية.
وتكشف تجربة إسطنبول أن التحول الحضري لا يبدأ بالضرورة من وفرة الموارد، بل من ترتيب الأولويات، وتحسين الإدارة، وتوجيه الموارد المحدودة نحو مشروعات ذات أثر مباشر، وربط التخطيط الحضري بالإصلاح المالي والمؤسسي.
ومن هنا يمكن طرح مشروع «نهضة كابول» بوصفه رؤية طويلة المدى لإعادة بناء العاصمة، لا من خلال مشروع واحد ضخم، وإنما عبر برنامج متكامل يعمل على عدة جبهات متزامنة.
أولاً: جبهة المياه والصرف الصحي (إعادة الحياة إلى نهر كابل): تأتي أزمة المياه في مقدمة التحديات التي تهدد مستقبل كابول، فالتوسع السكاني والعمراني يرفع الطلب على المياه في الوقت الذي تتعرض فيه الموارد الجوفية لضغوط متزايدة، وتكون الاستجابة لهذه الأزمة على:
1. تأمين مصادر مستدامة لمياه الشرب: ينبغي وضع خطة وطنية متكاملة للمياه تقوم على تنويع مصادر الإمداد، وتطوير مشاريع تخزين المياه، ومن بينها المشاريع الاستراتيجية مثل سد شاه توت، إلى جانب دراسة نقل المياه من المصادر القريبة وفق دراسات هيدرولوجية وبيئية دقيقة، والهدف ليس مجرد زيادة كمية المياه، بل إنشاء منظومة تضمن استدامة المصدر، ومعالجة المياه، وتقليل الفاقد، وتوزيعها بصورة عادلة على أحياء العاصمة.
٢. إنقاذ نهر كابل: ينبغي التعامل مع نهر كابل باعتباره جزءاً من البنية البيئية والحضرية للمدينة، وليس مجرد مجرى مائي يخترقه، ويبدأ ذلك بمنع تصريف مياه الصرف الصحي والنفايات الصلبة في النهر، وإنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف، وإزالة الترسبات والنفايات المتراكمة، ثم تطوير ضفافه تدريجياً لتصبح مناطق عامة مفتوحة للسكان، وبذلك يمكن أن يتحول النهر من مصدر للتلوث إلى محور بيئي وحضري يربط أجزاء المدينة.
ثانياً: إدارة النفايات والتحول الأخضر: لا يمكن بناء عاصمة حديثة من دون معالجة مشكلة النفايات باعتبارها قضية صحية وبيئية واقتصادية في آن واحد، ويكون الجواب لهذه النقطة بالخطة الآتية:
١. الانتقال من جمع النفايات إلى إدارتها: المطلوب ليس فقط زيادة عدد شاحنات جمع القمامة، بل إنشاء منظومة متكاملة تبدأ من المنـزل والمؤسسة، عبر الفرز من المصدر بحاويات مخصصة إلى مراكز تجميع حديثة ومصانع لإعادة التدوير ومعالجة النفايات العضوية وإنتاج السماد، واستخدام جزء من النفايات في إنتاج الطاقة وفق معايير بيئية مناسبة على المدى البعيد.
٢.إنشاء الحزام الأخضر لكابل: يمكن إطلاق برنامج طويل الأمد لتشجير سفوح الجبال والتلال المحيطة بالعاصمة، باستخدام أنواع نباتية محلية أو ملائمة للبيئة الجافة وقليلة الاحتياج للمياه، ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد إعلان رقم كبير لعدد الأشجار، بل إنشاء منظومة غطاء نباتي قابلة للبقاء، مع أنظمة ري مناسبة ومتابعة سنوية لمعدلات بقاء الأشجار.
ثالثاً: النقل والمواصلات وإنهاء عزلة الأحياء: الازدحام في كابل ليس مشكلة طرق فقط، بل نتيجة مباشرة للنمو العمراني غير المنظم وغياب منظومة نقل عام متكاملة، ومن ثمّ، فإن معالجة هذه الأزمة تتطلب الانتقال من الحلول الجزئية إلى تخطيط حضري شامل، ويكون ذلك على النحو الآتي:
1. بناء شبكة نقل عام فعالة: يمكن البدء بشبكة حافلات النقل السريع (BRT) على المحاور الأكثر ازدحاماً، قبل الانتقال ــ بعد دراسة الجدوى ــ إلى حلول أكثر كلفة مثل الترام أو النقل بالسكك الخفيفة، والأولوية هنا هي توفير نقل عام سريع ومنتظم ورخيص يستطيع المواطن الاعتماد عليه يومياً.
2. ربط الأحياء الريفية والمحافظات الحدودية بالعاصمة: ينبغي أن تترافق مشاريع النقل الكبرى مع تحسين الطرق المحلية وربط المحافظات القريبة والمناطق الريفية ومساكن التلال بالمحاور الرئيسية، فالحي الذي لا تصل إليه الطرق والخدمات بسهولة يتحول مع مرور الوقت إلى منطقة منفصلة عن الاقتصاد الحضري، ولهذا يجب أن يكون التخطيط قائماً على مبدأ: لا مدينة حديثة من دون ربط أحيائها ومحافظاتها بشبكة واحدة من الطرق والنقل والخدمات.
رابعاً: الإصلاح المالي (المال العام قبل المشاريع الكبرى) قد تمتلك المدينة مشاريع طموحة، لكنها لن تستطيع تنفيذها إذا ظلت مواردها المالية محدودة أو تعرضت للتسرب، لذلك ينبغي أن يبدأ الإصلاح من طريقة إدارة المال العام بطريقة آتية:
1. شفافية العقود والمناقصات: ينبغي نشر العقود والمناقصات البلدية بصورة واضحة، وتحديد معايير الإحالة، وإخضاع المشاريع الكبرى للتدقيق المستقل، فالشفافية هنا ليست قضية إدارية فقط؛ بل وسيلة لخفض تكلفة المشاريع وزيادة ثقة المواطن والمستثمر.
2. إشراك القطاع الخاص: يمكن استخدام نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومنها نظام BOT: البناء والتشغيل ثم نقل الملكية، في مشاريع محددة مثل مواقف السيارات، وبعض محطات الطاقة، والمنشآت الخدمية، وقد أثبتت عدة مشاريع بلدية كابول جدواها، لكن الشراكة مع القطاع الخاص لا ينبغي أن تتحول إلى نقل غير منضبط للأصول العامة؛ بل يجب أن تقوم على عقود شفافة، ومنافسة حقيقية، وآليات رقابة واضحة.
3. ربط الخدمة بالإيراد: كلما لمس المواطن تحسناً حقيقياً في المياه والنظافة والكهرباء والنقل، أصبح تحصيل الرسوم وأداء الفواتير أكثر قابلية للاستمرار، لذلك فإن إصلاح الإيرادات لا يبدأ دائماً بزيادة الرسوم، وإنما يبدأ أولاً من تحسين الخدمة، وتقليل الهدر، وتوسيع قاعدة التحصيل، ومعالجة المتأخرات المستحقة بصورة قانونية ومنظمة.
خامساً: الخدمات الأساسية والتخطيط الحضري: لا ينبغي أن ينحصر مفهوم «نهضة كابل» في الطرق والجسور والمباني، فالمدينة في النهاية تُقاس بجودة الحياة التي توفرها لسكانه، وتظهر في النقاط الآتية:
1. أمن الطاقة: تحتاج العاصمة إلى مزيج متنوع من مصادر الطاقة، مع التوسع المدروس في الطاقة الشمسية وتحسين شبكات النقل والتوزيع وتقليل الفاقد، ويمكن أن تكون المباني الحكومية والمدارس والمراكز الصحية مجالاً مناسباً لتطبيق حلول الطاقة الشمسية اللامركزية حيث تكون مجدية اقتصاديا.
2. الخدمات في الأحياء الفقيرة: ينبغي أن تذهب الاستثمارات إلى المناطق الأكثر احتياجاً، من خلال إنشاء أو تأهيل المدارس والمراكز الصحية والحدائق والمساحات العامة، وشبكات المياه والصرف الصحية، والطرق المحلية، وتوزيع خدمات الكهرباء. فالعدالة في توزيع الخدمات ليست مجرد قضية اجتماعية، وإنما جزء من التخطيط الحضري والاستقرار المجتمعي.
سادساً: من المشروع إلى التنفيذ: ثلاث مراحل:
لكي لا يتحول «مشروع نهضة كابول» إلى قائمة أمنيات، ينبغي تقسيمه إلى مراحل واضحة:
المرحلة الأولى: 1-٣ سنوات: تركز على الملفات ذات الأثر السريع مثل: النظافة، إدارة النفايات، إصلاح الطرق الرئيسية، تنظيم المرور، تحسين شبكات المياه، الشفافية المالية، وإطلاق مشاريع تجريبية للنقل العام والطاقة الشمسية.
المرحلة الثانية: 4-7 سنوات: تتوسع فيها مشاريع المياه والصرف الصحي، ومعالجة النفايات، والنقل العام، وتأهيل الأحياء، وتطوير المساحات الخضراء.
المرحلة الثالثة: 8-15 سنة: تستهدف التحول الهيكلي للعاصمة بشبكة نقل متكاملة، ومنظومة مياه مستدامة، وإعادة تأهيل نهر كابول، وتوسع عمراني منظم، ومراكز اقتصادية جديدة تخفف الضغط عن قلب المدينة القديمة.
وفي الأخير نستطيع القول: إن نهضة كابل ليست مشروعاً هندسياً فحسب، بل مشروع إدارة وحوكمة وتخطيط طويل المدى، والدرس الأهم من تجارب المدن التي نجحت في تجاوز أزماتها ليس أن كابل تستطيع نسخ تجربة إسطنبول حرفياً؛ فالظروف السياسية والاقتصادية والجغرافية مختلفة، وإنما أن المدينة تستطيع تغيير مسارها عندما تتحول مشكلاتها من أزمات متفرقة إلى برنامج عمل واحد، له أولويات واضحة، ومؤسسات مسؤولة، وميزانية شفافة، ومؤشرات تقيس ما تحقق على الأرض.
فكابول لا تحتاج إلى أن تصبح نسخة من إسطنبول؛ بل تحتاج إلى أن تبني نموذجها الخاص لمدينة أفغانية حديثة، تستند إلى جغرافيتها ومواردها وسكانها واحتياجاتها الحقيقية، والسؤال الحاسم ليس: هل تستطيع كابل أن تصبح مدينة حديثة؟ بل: هل تستطيع أن تنتقل من إدارة الأزمات اليومية إلى صناعة مستقبل حضري مخطط له؟

