نجيب الله علي خيل
ترجمة : الملف الأفغاني
لم تكن العلاقات بين أفغانستان وباكستان، على امتداد العقود الماضية، مجرد علاقة بين دولتين جارتين تجمعهما حدود طويلة وروابط تاريخية واجتماعية معقدة، بل ظلت رهينة حسابات جيوسياسية وأمنية متشابكة، يتصدرها الخلاف بشأن خط ديورند، والمخاوف الباكستانية من تنامي النفوذ الهندي في أفغانستان. وبين هاتين القضيتين، تشكلت واحدة من أكثر العلاقات الثنائية تعقيدًا في جنوب آسيا، حيث كثيرًا ما طغت الهواجس الأمنية على فرص التعاون والمصالح المشتركة.
خلال مقابلة أجريتها مؤخرًا مع تلفزيون «رنا»، تناولت أبرز القضايا التي حكمت العلاقات الأفغانية الباكستانية على مدى عقود، وفي مقدمتها خط ديورند، الذي لا تزال شرعيته موضع خلاف تاريخي بين البلدين، والدور الهندي الذي ظل حاضرًا في الحسابات الإستراتيجية لصناع القرار في إسلام آباد.
ومن واقع تجربتي الدبلوماسية خلال فترة عملي في إسلام آباد، أستطيع القول إن العامل الهندي لم يكن مجرد قضية عابرة في المحادثات الثنائية، بل شكّل أحد المحاور الأساسية التي كان المسؤولون الباكستانيون، مدنيون وعسكريون، يثيرونها باستمرار خلال اللقاءات والمباحثات الرسمية.
أفغانستان في العقيدة الأمنية الباكستانية
لفهم طبيعة العلاقات بين كابل وإسلام آباد، لا بد من التوقف عند مفهوم «العمق الإستراتيجي» الذي احتل موقعًا مهمًا في التفكير الأمني والعسكري الباكستاني، ولا سيما في ما يتعلق بالعلاقة مع الهند.
فوفق هذا التصور، تسعى باكستان إلى وجود نظام سياسي في أفغانستان تستطيع الاحتفاظ بنفوذ مؤثر عليه، بما يضمن عدم تحوّل الأراضي الأفغانية إلى مصدر تهديد لأمنها القومي، أو إلى مساحة لنفوذ هندي تعتبره إسلام آباد موجهًا ضد مصالحها الإستراتيجية.
وبعبارة أخرى، لم تقتصر التطلعات الباكستانية على إقامة علاقات طبيعية مع أفغانستان، بل امتدت، في مراحل مختلفة، إلى محاولة التأثير في خياراتها السياسية والخارجية، خصوصًا ما يتعلق بطبيعة علاقاتها مع نيودلهي وحدود التعاون بين البلدين.
وقد تجلّى هذا النهج بوضوح خلال سنوات الجمهورية الأفغانية السابقة، إذ اعتادت باكستان، عقب وقوع حوادث أمنية على أراضيها، توجيه أصابع الاتهام إلى أفغانستان، وربط بعض تلك الحوادث بالدور الهندي، من دون أن تقدم، في حالات عديدة، أدلة علنية تدعم تلك الاتهامات.
وأدى هذا المناخ من الشكوك المتبادلة إلى تعميق أزمة الثقة بين البلدين، وتحويل ملفات التعاون الثنائي إلى امتداد للصراع الإقليمي بين الهند وباكستان.
اتفاق كابل ونيودلهي.. محطة مفصلية
شكّل توقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية بين أفغانستان والهند عام 2011 محطة مهمة في تطور العلاقات بين البلدين، وأثار في الوقت نفسه حساسية شديدة لدى المؤسسة السياسية والأمنية الباكستانية.
فالاتفاقية لم تقتصر على توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي، بل شملت أيضًا مجالات تتعلق بتدريب القوات الأمنية والدفاعية الأفغانية، ورفع قدراتها وتعزيز إمكاناتها.
ومن وجهة نظر إسلام آباد، مثّل هذا التطور تحولًا إستراتيجيًا مقلقًا، إذ رأت فيه توسيعًا للحضور الهندي في بلد تحتل علاقاته الخارجية موقعًا حساسًا في الحسابات الأمنية الباكستانية.
وفي المقابل، سعت باكستان إلى إبرام اتفاقية تعاون إستراتيجي مماثلة مع أفغانستان، لكنها لم تتمكن من تحقيق هذا الهدف.
وكان اللافت أن التصور الباكستاني للاتفاقية لم يقتصر على تنظيم التعاون الثنائي، بل تضمن، إلى جانب قضايا أساسية أخرى، مطالب تتعلق بطبيعة العلاقات الأفغانية الهندية، والسعي إلى وضع قيود عليها.
ورغم ثقل تلك المطالب وحساسيتها بالنسبة إلى السيادة الأفغانية واستقلال قرارها الخارجي، فإن مجرد تقديمها بصورة مكتوبة ومباشرة مثّل تطورًا غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين.
فللمرة الأولى، وضعت باكستان جانبًا من مطالبها الجوهرية على الورق، بدل الاكتفاء بإثارتها عبر القنوات غير الرسمية أو التلميحات الدبلوماسية.
وربما كان ذلك، في حينه، فرصة مهمة لفتح مسار تفاوضي جاد يتناول القضايا الخلافية الأساسية، ويبحث عن تفاهمات واضحة بشأن المصالح الأمنية والسياسية لكل طرف، بدل استمرار إدارة الخلافات من خلال الأزمات المتكررة.
أزمة سياسات أم إخفاق دبلوماسي؟
عند مراجعة تاريخ العلاقات الأفغانية الباكستانية خلال العقود الماضية، يبرز سؤال جوهري: هل كانت هناك بالفعل فرصة واقعية للتوصل إلى تسوية عادلة ومستدامة تنهي حالة التوتر المزمن بين البلدين؟
وهل تعود جذور الأزمة أساسًا إلى طبيعة السياسة الباكستانية طويلة الأمد، القائمة على تفضيل وجود أفغانستان ضعيفة ومعتمدة على جارتها الشرقية، بما يسهل التأثير في قراراتها؟
أم أن استمرار الخلافات يعكس أيضًا إخفاقًا دبلوماسيًا متبادلًا، وعجزًا عن ابتكار مقاربات سياسية قادرة على التوفيق بين المصالح الوطنية والهواجس الأمنية للطرفين؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بمعزل عن طبيعة التوازنات الإقليمية والتحولات السياسية التي شهدتها أفغانستان، لكن المؤكد أن غياب الثقة، وهيمنة المقاربات الأمنية، وتراجع فرص الحوار المباشر، أسهمت جميعها في إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات تسويتها.
معضلة اللعبة الصفرية
في العلاقات الدولية، يصعب بناء سياسة خارجية مستقرة ومستدامة على منطق «اللعبة الصفرية» (Zero-sum Game)، الذي يفترض أن مكاسب طرف لا بد أن تتحقق على حساب خسائر الطرف الآخر.
وينطبق ذلك على العلاقات بين القوى الكبرى، كما ينطبق على العلاقات بين الدول المتجاورة التي تفرض عليها الجغرافيا والتاريخ التعايش والتعاون، مهما بلغت خلافاتها.
ومن هذا المنطلق، فإن سعي باكستان إلى توسيع علاقاتها مع أفغانستان، بالتوازي مع مطالبتها كابل بتقليص علاقاتها مع الهند أو إنهائها، يمثل مقاربة غير واقعية، تتعارض مع حق الدول في تنويع شراكاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية.
فمن غير المنطقي أن يُطلب من أفغانستان أن تجعل علاقاتها مع دولة إقليمية مرهونة بموافقة دولة أخرى، أو أن تختار بين جيرانها وشركائها على أساس التنافس القائم بينهم.
لكن هذا المبدأ لا يلغي حقيقة أخرى، وهي أن أفغانستان، بوصفها دولة أنهكتها الحروب والصراعات الممتدة، تحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة تراعي الحساسيات الإقليمية، وتتجنب الانخراط في صراعات المحاور أو التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.
ومن هنا، تبرز أهمية تبني دبلوماسية أفغانية تقوم على استقلال القرار الوطني، مع مراعاة المصالح الأمنية المشروعة لدول الجوار، من دون التضحية بالسيادة أو التنازل عن حق البلاد في إقامة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
والأجدى أن تتحول أفغانستان من ساحة للتنافس الإقليمي إلى مساحة للتعاون الاقتصادي والتجاري، وجسر يربط جنوب آسيا بآسيا الوسطى، بدل أن تبقى رهينة للمخاوف الأمنية والصراعات الجيوسياسية.
هل يمكن تجاوز إرث الماضي؟
يبقى مستقبل العلاقات الأفغانية الباكستانية مرتبطًا، إلى حد بعيد، بمدى استعداد الطرفين لمراجعة السياسات التي حكمت علاقاتهما خلال العقود الماضية.
فإذا كانت باكستان تسعى بالفعل إلى وجود أفغانستان مستقرة وصديقة على حدودها الغربية، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب إعادة النظر في المقاربات التقليدية التي تعاملت مع أفغانستان من منظور النفوذ الأمني والعمق الإستراتيجي، بدل النظر إليها بوصفها دولة مستقلة ذات مصالح وطنية مشروعة.
وفي المقابل، فإن أفغانستان الموحدة والقوية، التي تمتلك قرارها السيادي وتحدد أولوياتها وفق مصالحها الوطنية، ستكون أكثر قدرة على بناء علاقات طبيعية ومتوازنة مع باكستان، شريطة أن تقوم هذه العلاقات على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ولا يعني ذلك تجاهل الجراح التاريخية أو القفز فوق الخلافات المتراكمة، بل التعامل معها بواقعية سياسية وإرادة دبلوماسية تفتح المجال أمام حلول تدريجية ومستدامة.
في المحصلة، لا يمكن بناء علاقة مستقرة بين كابل وإسلام آباد على أساس إضعاف أفغانستان أو عزلها عن الهند، كما لا يمكن لأفغانستان أن تحقق استقرارها عبر الانخراط في التنافس الهندي الباكستاني. فالطريق إلى علاقات طبيعية يمر عبر الاعتراف المتبادل بالمصالح والسيادة، والتخلي عن منطق الهيمنة واللعبة الصفرية، والانتقال من إدارة الخلافات إلى البحث عن المصالح المشتركة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار في البلدين لم يعد كيف يمكن لأحدهما التأثير في خيارات الآخر، بل كيف يمكن تحويل الجغرافيا التي كانت مصدرًا للصراع إلى أساس لشراكة تحقق الأمن والاستقرار والتنمية لشعبيهما.

