خمس دول تبحث دفع الممر السككي العابر لأفغانستان، وسط رهانات على توسيع التجارة وتحديات تتعلق بالتمويل والبنية التحتية وضمان استقرار حركة العبور.
الملف الأفغاني
تسعى دول في آسيا الوسطى وجنوبها إلى منح أفغانستان دوراً أوسع في حركة التجارة الإقليمية، عبر مشروع للسكك الحديدية يربط الأسواق الشمالية بالموانئ البحرية جنوباً. لكن هذا الطموح، الذي يتصدر مباحثات مشروع «كاسا»، لا يزال أمام اختبار تحويل التفاهمات السياسية إلى تمويل وأعمال إنشائية وترتيبات تشغيل قابلة للاستمرار.
وفي العاصمة الكازاخستانية أستانا، بحث مسؤولون كبار في قطاع النقل من أفغانستان وكازاخستان وأوزبكستان وباكستان وإيران تطوير الممر العابر لأفغانستان، على هامش مؤتمر «طريق الحرير الجديد» التجاري الدولي.
ووفق وزارة النقل الكازاخستانية، تناول الاجتماع الوضع الحالي للمشروع، وتنسيق المسارات، وتطوير البنية التحتية، واستقطاب المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية. وانتهت المباحثات بتأكيد مواصلة التعاون وإعداد خطوات عملية، من دون إعلان جدول زمني محدد للتنفيذ أو ترتيبات نهائية للتمويل.
وتكمن أهمية المشروع في قدرته المحتملة على منح الدول غير الساحلية منافذ تجارية إضافية، وإتاحة فرص لأفغانستان للاستفادة من موقعها بين منطقتين اقتصاديتين. غير أن الموقع وحده لا يضمن نجاح الممر، ما لم تقترن خطوط النقل بخدمات موثوقة وتكاليف تنافسية وإجراءات عبور مستقرة.
مسار نحو الموانئ.. ومشروع لا يزال قيد الدراسة
يشير اسم «كاسا» في المباحثات إلى مشروع الربط بالسكك الحديدية بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وهو منفصل عن مشروع «كاسا–1000» لنقل الكهرباء.
ويمتد المسار المقترح من كازاخستان عبر أوزبكستان وأفغانستان وصولاً إلى باكستان، بما يتيح ربط اقتصادات آسيا الوسطى بالموانئ البحرية، ولا سيما كراتشي وغوادر. أما مشاركة إيران في اجتماع أستانا، فتأتي ضمن النقاش الإقليمي الأوسع بشأن تطوير الممرات، من دون أن توضح المعلومات المتاحة دورها التنفيذي في هذا المسار تحديداً.
وتشير تقديرات نقلتها تقارير كازاخستانية وإقليمية إلى أن الطاقة الاستيعابية المحتملة للممر قد تبلغ عشرة ملايين طن من البضائع سنوياً. ويظل هذا الرقم تقديراً لقدرة مستهدفة، وليس حجماً قائماً للشحن أو ضماناً لمستوى الطلب عند التشغيل.
وسبق أن وقعت كازاخستان وأوزبكستان والإمارات مذكرة تفاهم لإجراء دراسات فنية واقتصادية ومالية بشأن المشروع، وتقييم احتياجات البنية التحتية والمرافق المرتبطة به، مع بحث تشكيل فريق عمل مشترك.
وتمثل هذه الدراسات مرحلة لتحديد الجدوى والمتطلبات، ولا تعني بدء الإنشاء أو اكتمال الترتيبات الاستثمارية. كما أن المشاركة في دراسة المشروع لا تعني بالضرورة الالتزام بتمويل تنفيذه.
أفغانستان بين دور المعبر وفرصة بناء اقتصاد للخدمات
بالنسبة إلى أفغانستان، يطرح المشروع فرصة تتجاوز تحصيل رسوم مرور البضائع. فالربط بالسكك الحديدية قد يساعد على توسيع وصول المنتجات المحلية إلى الأسواق، ويشجع الاستثمار في التخزين والتوزيع والشحن والخدمات المرتبطة بالتجارة.
لكن حجم هذه المكاسب سيتوقف على كيفية اتصال الخط المقترح بالاقتصاد المحلي. فمرور القطارات عبر الأراضي الأفغانية لا يضمن تلقائياً استفادة مناطق الإنتاج أو الشركات المحلية، ما لم تتوافر محطات ومرافق شحن وطرق تربطها بالمزارع والمصانع والأسواق.
ومن هنا، تبرز أهمية التخطيط للمرافق المساندة بالتوازي مع المسار الرئيسي. ويمكن لمراكز التخزين والتجميع والتوزيع أن توسع النشاط الاقتصادي حول الخط، بينما قد يؤدي غيابها إلى حصر العائد في خدمات عبور محدودة.
كما أن فرص العمل المحتملة ستختلف بين مرحلة الإنشاء ومرحلة التشغيل؛ فالاستفادة المستدامة تحتاج إلى تدريب كوادر محلية قادرة على إدارة النقل والصيانة والخدمات اللوجستية، وربط الاستثمارات باحتياجات السوق الأفغانية.
التمويل.. من يتحمل الكلفة والمخاطر؟
تصدّر التمويل مباحثات أستانا، بما يعكس بقاء أحد أهم شروط التنفيذ دون حسم معلن. فمشروع عابر لعدة دول يحتاج إلى تحديد كلفة كل جزء، والجهات التي ستموله، ومسؤوليات الإنشاء والتشغيل والصيانة.
ولا تتوقف قابلية المشروع لجذب المستثمرين على أهميته الجغرافية. إذ يتطلب القرار الاستثماري تقديرات موثوقة لحجم البضائع المتوقع، والإيرادات الممكنة، وتكاليف التشغيل، والمدة اللازمة لاسترداد رأس المال.
كذلك، ينبغي التمييز بين القدرة الاستيعابية للخط وحجم استخدامه الفعلي. فقد يُصمم ممر لنقل ملايين الأطنان سنوياً، لكن جدواه المالية تعتمد على وجود شركات وشحنات تختاره بصورة منتظمة بدلاً من المسارات البديلة.
ولهذا، ستكون دراسات الطلب وتوزيع المخاطر والضمانات التعاقدية عناصر حاسمة في تحويل الاهتمام السياسي إلى التزامات تمويلية. وحتى الآن، لم تتضمن المعلومات المعلنة تفاصيل نهائية تتيح تقييم هذه الجوانب.
كفاءة الممر تبدأ عند الحدود
يتطلب نجاح الربط السككي توافقاً على المعايير الفنية وآليات انتقال الشحنات بين الشبكات، إلى جانب ترتيبات واضحة للجمارك والتفتيش ورسوم العبور وتبادل الوثائق.
فميزة النقل بالسكك الحديدية قد تتراجع إذا واجهت البضائع فترات انتظار طويلة عند المعابر، أو إجراءات متباينة وغير متوقعة بين دولة وأخرى. ومن منظور الشركات، ترتبط جاذبية المسار بكلفة الرحلة كاملة ووقتها وانتظامها، وليس بسرعة القطارات على جزء واحد منها.
ويجعل ذلك التنسيق التشغيلي جزءاً أساسياً من المشروع، لا مرحلة ثانوية تأتي بعد اكتمال الإنشاء. كما يفرض الاتفاق مسبقاً على مسؤوليات إدارة المرافق وصيانتها وتسوية الخلافات التي قد تعطل حركة التجارة.
وأي تعثر في إحدى حلقات الممر قد يؤثر في كفاءته الإجمالية، حتى لو اكتملت بقية أجزائه.
مصالح مشتركة وأدوار تحتاج إلى تحديد
تلتقي مصالح الدول المشاركة في توسيع التجارة وتنويع مسارات النقل، لكن دوافعها ومكاسبها المحتملة تختلف.
فكازاخستان وأوزبكستان تتطلعان إلى خيارات إضافية للوصول إلى الأسواق والموانئ. وتسعى أفغانستان إلى تعزيز دورها في العبور وتنشيط اقتصادها المحلي، بينما يمكن لباكستان أن تستفيد من ربط موانئها وأسواقها بشبكات التجارة شمالاً.
أما حضور إيران، فيبرز اتساع الاهتمام بتطوير الاتصال الإقليمي، لكنه لا يكفي وحده لاستنتاج مسار إيراني داخل المشروع أو التزامات محددة بشأنه.
ويحتاج تحويل هذه المصالح إلى شراكة تشغيلية إلى اتفاقات تفصيلية توضح الأدوار وتوزيع التكاليف والعوائد. فالتوافق على أهمية الربط يمثل نقطة انطلاق، بينما يتطلب تشغيله تنسيقاً مستمراً بين الحكومات والجهات المشغلة والشركات التجارية.
دعوة إلى التنفيذ.. وأسئلة تنتظر الإجابة
قال وزير النقل الكازاخستاني نورلان ساورانباييف إن الدول المشاركة أكدت اهتمامها بتطوير الممر العابر لأفغانستان وتنفيذ مشروع «كاسا»، مشدداً على ضرورة الانتقال من المباحثات إلى خطوات عملية.
وتعكس هذه الدعوة رغبة في تسريع المشروع، لكن تقييم تقدمه سيعتمد على مؤشرات ملموسة، أبرزها استكمال دراسات الجدوى، واعتماد المسار التفصيلي، وتحديد مصادر التمويل ومراحل الإنشاء، وإبرام ترتيبات التشغيل والعبور.
كما ستتيح هذه الخطوات اختبار الوعود الاقتصادية المرتبطة بالمشروع: هل يوفر مساراً أقل كلفة وأكثر انتظاماً؟ وهل يجذب حجماً كافياً من الشحنات؟ وما مقدار النشاط الذي سيولّده داخل أفغانستان؟
الاختبار الحقيقي: ما الذي يبقى للاقتصاد الأفغاني؟
تفتح مباحثات أستانا نافذة لتعزيز موقع أفغانستان في التجارة الإقليمية، لكنها لا تعني أن المشروع بات جاهزاً للتنفيذ النهائي. فالانتقال إلى شبكة عاملة يتطلب استثمارات واتفاقات وقدرات مؤسسية تتجاوز إعلان الاهتمام المشترك.
وبالنسبة إلى كابل، سيُقاس النجاح بقدرة الممر على خدمة الاقتصاد الأفغاني إلى جانب تجارة الدول المجاورة: نقل الصادرات المحلية، وتطوير الخدمات، وتوفير وظائف مستدامة، وجذب استثمارات حول محطات الشحن ومسارات النقل.
وبقدر ما تتحقق هذه الروابط، يمكن لأفغانستان أن تتحول إلى شريك اقتصادي في الممر، وأن تجعل من موقعها الجغرافي مورداً للنمو تتجاوز منافعه رسوم العبور.

