داود ياسر
بعد ربع قرن على بدء الحرب الأميركية في أفغانستان، قدّم الجنرال عبد الرشيد دوستم، زعيم حزب الحركة الوطنية الأفغانية وأحد أبرز أمراء الحرب آنذاك، روايته للاتصالات التي سبقت التعاون العسكري مع واشنطن، والدور الذي أدته أوزبكستان في تسهيل وصول الفرق الأميركية إلى شمال البلاد.
استعاد الجنرال دوستم تفاصيل اللقاءات الأولى وتنسيق العمليات البرية والغارات الجوية التي أسهمت في إسقاط حكم طالبان عام 2001. وتقدم شهادته منظور أحد المشاركين الرئيسيين في تلك الأحداث، فيما تبقى تقديراته لأعداد المقاتلين والأسرى وحجم دوره القيادي منسوبة إليه.
اتصال عبر أوزبكستان
قال دوستم إن التواصل مع الولايات المتحدة بدأ عبر أوزبكستان، عندما اتصل به أميركي يتحدث الأوزبكية بطلاقة، عرّفه باسم دافود تايسون، وأبلغه برغبة فريق أميركي في الوصول إلى قواته.
وبحسب روايته، رحّب بالفكرة وأكد استعداده لمواصلة القتال ضد طالبان، مستنداً إلى قوات تضم آلاف الفرسان. وبعد اتصالات لاحقة، وصل الفريق الأميركي الأول ليلاً إلى معسكر محمد محقق.
ووصف دوستم الفريق بأنه مؤلف من تسعة رجال يرتدون ملابس مدنية ويحملون صناديق كبيرة تضم معدات اتصال وتجهيزات ووثائق. وأضاف أنه شرح لهم، باستخدام الخرائط، مواقع قواته وانتشارها في فارياب وجوزجان وسرِ بُل وسمنغان، وأطلعهم على الخيول المستخدمة في التنقل والقتال، مشيراً إلى محدودية خبرتهم في ركوبها.
طشقند بوابة الدعم اللوجستي
منح دوستم أوزبكستان دوراً محورياً في تسهيل التعاون مع الأميركيين، قائلاً إن استخدام قاعدة عسكرية في منطقة قشقداريا أتاح نقل الأفراد والمعدات والإمدادات بواسطة الطائرات والمروحيات.
وتبرز هذه الجزئية، في روايته، أهمية التسهيلات الإقليمية في دعم العمليات داخل أفغانستان، إلى جانب التعاون الميداني بين القوات الأميركية والفصائل الأفغانية المناهضة لطالبان.
مزار شريف في قلب الخطة
قدّم دوستم السيطرة على مزار شريف بوصفها نقطة التحول الرئيسية في معارك الشمال. وقال إنه أبلغ الأميركيين بأن سقوط المدينة سيؤدي إلى انهيار مواقع طالبان في مناطق واسعة أخرى.
وذكر أنه نسّق مع محمد محقق وعطا محمد نور لتفعيل شبكات محلية وتهيئة السكان للتحرك ضد الحركة، بالتوازي مع العمليات العسكرية.
وبحسب شهادته، أعقب دخول مزار شريف اتساع سريع لسيطرة القوات المناهضة لطالبان على مناطق في الشمال والشمال الغربي. ووصف هذه التطورات بأنها تحققت خلال يوم واحد، وهو تسلسل يورده من منظوره بوصفه قائداً مشاركاً في المعارك.
فرق أميركية صغيرة وإسناد جوي
قال دوستم إن الفريق الأول انضم إليه لاحقاً اثنا عشر عسكرياً بقيادة شخص سماه «مارك»، ليبلغ عدد الأميركيين العاملين إلى جانب قواته 21 فرداً، وصفهم جميعاً بأنهم من القوات الخاصة.
وأوضح أن دورهم تمثل في تنسيق الغارات الجوية، بينما وفرت القوات الأفغانية المعلومات الميدانية وإحداثيات الأهداف، مشيراً أيضاً إلى حضور عناصر من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية للتشاور.
وتعكس هذه الرواية طبيعة التعاون الذي جمع بين الإسناد الجوي الأميركي والقوات المحلية على الأرض، بما أتاح تنفيذ عمليات واسعة بمشاركة أعداد محدودة من الأميركيين في الخطوط الأمامية.
الأسرى وحدود الرواية
تحدث دوستم عن أسر أعداد كبيرة من مقاتلي طالبان وحلفائها، بينهم الملا فاضل والملا نوري والأميركي جون ووكر ليند، مقدّراً إجمالي الأسرى بأكثر من عشرة آلاف شخص.
كما قال إن بين المحتجزين نحو ألف مقاتل من القوات المرتبطة بأسامة بن لادن. وتظل هذه الأرقام والتوصيفات جزءاً من شهادته، ولا تتضمن المادة المقدمة توثيقاً مستقلاً يؤكدها.
ويكتسب الفصل بين رواية القائد والسجل التاريخي أهمية خاصة في تناول معارك شاركت فيها أطراف متعددة، وتداخلت فيها العمليات العسكرية مع وقائع الأسر والاحتجاز.
قيادة المعركة أم تعدد الجبهات؟
نسب دوستم إلى نفسه دوراً مركزياً في التخطيط والتنسيق بين جبهات باميان وتخار وغور والقوات الأميركية، مشيراً إلى تحركات عبد الكريم خليلي وإسماعيل خان وقادة آخرين ضد طالبان.
لكن شهادته نفسها تكشف تعدد القوى والجبهات التي شاركت في إسقاط حكم الحركة. ومن ثم، فإن إبراز دوره لا يحسم وحده السؤال عن الوزن النسبي لكل طرف في النتيجة العسكرية، التي ارتبطت بتضافر العمليات البرية والضربات الجوية والدعم اللوجستي.
تعاون عسكري بلا تفاهم سياسي معلن
اختتم دوستم روايته بالقول إن التعاون مع الأميركيين لم يتضمن، من جانبه، وعوداً أو تنازلات سياسية، وإن هدفه كان أن يتوحد الأفغان ويقرروا مستقبلهم ونظامهم السياسي.
وتفتح هذه الخاتمة سؤالاً يتجاوز تفاصيل الانتصار العسكري: إلى أي مدى امتلك المتحالفون ضد طالبان تصوراً مشتركاً لما بعد إسقاط حكمها؟
فرواية دوستم تشرح جانباً من كيفية بناء التحالف الميداني عام 2001، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير المسار السياسي الذي أعقبه، وانتهى بعد عشرين عاماً بانسحاب القوات الأميركية وعودة طالبان إلى السلطة.

