عبد الكريم مصطفى
عودة الحديث عن استخدام القنبلة الأميركية تفتح نقاشاً حول قدرتها على استهداف المنشآت المحصنة، والفارق بين الأثر العسكري والرسالة السياسية التي يحملها سلاح ارتبط اسمه باستعراض القوة.
أعادت تقارير عن خطط عسكرية أميركية محتملة ضد إيران تسليط الضوء على قنبلة «أم القنابل»، التي استخدمتها الولايات المتحدة للمرة الأولى في القتال بأفغانستان عام 2017. ويتركز النقاش هذه المرة على مدى ملاءمتها لاستهداف منشآت تحت الأرض، بينها المجمع المعروف باسم «جبل الفأس» قرب نطنز.
وبحسب تقارير صحفية نقلت عن مسؤولين أميركيين، تشمل الخيارات المطروحة احتمال استخدام القنبلة إذا صدر قرار باستئناف العمليات القتالية. لكن إعداد خطط عسكرية لا يعني اعتمادها أو صدور أمر بتنفيذها.
وتستدعي هذه الاحتمالات مراجعة التجربة الأفغانية: ماذا حققت القنبلة ميدانياً؟ وما حدود المقارنة بين استهداف أنفاق لجماعة مسلحة وضرب منشأة عميقة التحصين؟ وهل يمكن للصدمة التي يصنعها انفجار ضخم أن تتحول إلى نتيجة استراتيجية مستدامة؟
أفغانستان.. أول استخدام قتالي
في 13 أبريل/نيسان 2017، ألقت القوات الأميركية قنبلة من طراز «GBU-43/B»، المعروفة اختصاراً بـ«MOAB»، على مجمع أنفاق تابع لتنظيم داعش–خراسان في مديرية أتشين بولاية ننكرهار شرقي أفغانستان.
وقالت القيادة العسكرية الأميركية آنذاك إن الهدف كان تقليص العوائق والتحصينات التي يستخدمها التنظيم، ومواصلة الهجوم عليه مع الحد من المخاطر التي تواجه القوات الأميركية والأفغانية. وهذا هو التفسير العملياتي المعلن للضربة، بصرف النظر عن التأثير الإعلامي الواسع الذي صاحبها.
وأثار الاستخدام الأول للسلاح اهتماماً دولياً كبيراً، طغى أحياناً على تفاصيل المعركة نفسها. كما واجه تقييم نتائجه صعوبات تتعلق بالوصول إلى الموقع والتحقق المستقل من حجم الخسائر والأضرار، وفق مراجعة نشرتها شبكة محللي أفغانستان عقب الهجوم.
قوة تفجيرية كبيرة.. لكنها ليست قنبلة خارقة للتحصينات
يُعدّ التمييز بين أنواع الذخائر أساسياً لفهم النقاش. فقنبلة «MOAB» مصممة لإحداث انفجار هوائي واسع التأثير، وليست سلاحاً مخصصاً لاختراق طبقات عميقة من الصخور والخرسانة قبل الانفجار. ويعكس اسمها الرسمي، «الذخيرة الضخمة ذات الانفجار الهوائي»، طبيعة وظيفتها.
أما القنبلة «GBU-57»، المعروفة باسم «MOP»، فهي سلاح مختلف، صُمم للوصول إلى أهداف محصنة ومدفونة تحت الأرض. وبالتالي، لا يجوز الخلط بين القنبلتين أو افتراض أن ضخامة الانفجار تعني تلقائياً قدرة أكبر على تدمير منشآت عميقة.
ومن هذا الفارق تنشأ حدود المقارنة بين أفغانستان وإيران. فإلحاق الضرر بموقع أنفاق أو تحصينات في ساحة قتال لا يثبت القدرة على تدمير مجمع صناعي موزع داخل جبل. كما أن تضرر المرافق الظاهرة لا يكشف وحده عن حالة المنشآت الداخلية.
ماذا تعلّمنا من استمرار داعش–خراسان؟
لم تؤدِّ ضربة ننكرهار إلى إنهاء تنظيم داعش–خراسان. وقد وثّقت دراسة لمركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية ويست بوينت استمرار التنظيم وقدرته على التكيف رغم العمليات العسكرية وخسائره القيادية خلال الفترة بين 2015 و2018.
لكن استمرار التنظيم لا يثبت أن القنبلة لم تحقق أي أثر ميداني. فهناك فرق بين تدمير موقع أو تعطيل استخدامه، وبين تفكيك تنظيم يمتلك شبكات تجنيد وتمويل وخلايا موزعة في مناطق مختلفة.
وبالمثل، لا تكفي مقارنة حصيلة هجمات التنظيم قبل الضربة وبعدها لعزل أثر سلاح واحد. إذ تتداخل عوامل عديدة، منها تغير مناطق النشاط والأهداف والقيادات والضغط العسكري.
والدرس الأوضح من التجربة الأفغانية هو أن النجاح التكتيكي، إن تحقق، لا يضمن نصراً استراتيجياً. فتدمير تحصين لا ينهي بالضرورة قدرة الخصم على إعادة التنظيم أو نقل عملياته إلى مكان آخر.
جبل الفأس.. ما الذي تكشفه الصور وما الذي يبقى مجهولاً؟
يتعلق النقاش الإيراني بمجمع تحت الأرض قرب نطنز، يعرف باسم «جبل الفأس». وقد رصد تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية زيادة في النشاط الإنشائي خلال عام 2026، شملت تعزيز مناطق المداخل وشبكة الطرق الداخلية ومحيط الوصول إلى الموقع.
وتساعد هذه الصور على تتبع أعمال ظاهرة، لكنها لا تقدم وحدها وصفاً كاملاً لما تحت الجبل، أو عمق جميع القاعات، أو المعدات الموجودة فيها وحالتها التشغيلية.
ولذلك، لا يمكن اعتماد تقديرات متداولة عن الأعماق والتحصينات باعتبارها حقائق نهائية، ثم بناء حكم قاطع بشأن إمكان تدمير المنشأة أو استحالة ذلك.
كما ينبغي التمييز بين تعطيل الوصول إلى الموقع، وإلحاق أضرار بمرافقه، وتدمير قدراته الداخلية. فهذه نتائج مختلفة، ولكل منها أثر مختلف على المدى الزمني المطلوب لإعادة التشغيل.
الرسالة السياسية.. حين يصبح اسم السلاح جزءاً من المواجهة
يحمل لقب «أم القنابل» أثراً نفسياً وإعلامياً واضحاً. فهو يستدعي صورة القوة الاستثنائية، ويجعل الحديث عن استخدام السلاح رسالة ضغط حتى قبل وقوع أي ضربة.
ويمكن، من منظور تحليلي، أن تخدم هذه الرسائل أغراضاً متعددة: ردع الخصم، وطمأنة الحلفاء، وإظهار الحزم أمام الجمهور الداخلي، أو تعزيز الموقف التفاوضي.
غير أن هذا البعد لا يثبت أن الغرض من استخدام القنبلة دعائي حصراً. كما لا يكفي لاستنتاج دوافع شخصية للرئيس الأميركي، أو الجزم بأن واشنطن تبحث عن ضربة رمزية لإعلان النصر.
والتقييم المهني يحتاج إلى النظر في الهدف المعلن، وطبيعة السلاح، والنتائج التي يمكن التحقق منها، ثم مقارنتها بالخطاب السياسي المصاحب للعملية.
تدمير منشأة لا يساوي إنهاء برنامج نووي
حتى عند إلحاق أضرار كبيرة بمنشأة، يبقى تقييم أثر الضربة على برنامج نووي أوسع مسألة منفصلة. فالبرنامج لا يختزل في مبنى واحد؛ بل يشمل معرفة تقنية وكوادر ومعدات ومواد ومنشآت مترابطة.
وقد تؤدي ضربة إلى تأخير نشاط أو تعطيل جزء منه، من دون أن تنهي القدرة على استعادته. ولذلك، يحتاج أي إعلان عن حسم الملف إلى أدلة تتجاوز صور الانفجار أو الأضرار السطحية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند المقارنة بأفغانستان. فكما لم يكن تدمير موقع لداعش كافياً للقضاء على التنظيم، لا يمكن افتراض أن استخدام سلاح ضخم ضد منشأة سيحسم تلقائياً نزاعاً سياسياً وتقنياً مع دولة.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانفجار
تكشف التجربة الأفغانية والنقاش بشأن إيران عن فجوة محتملة بين قوة السلاح وحجم التوقعات المعلقة عليه. فالقنبلة قد تحدث ضرراً واسعاً ورسالة سياسية قوية، لكن قدرتها على تحقيق الهدف تعتمد على ملاءمتها للمهمة ودقة المعلومات وطبيعة الاستراتيجية الأوسع.
وبالنسبة إلى «أم القنابل»، يظل السؤال الحاسم هو ما الذي ستغيره في قدرات الخصم، ومدة استمرار ذلك التغيير، والكلفة المترتبة عليه.
أما حجم الانفجار والاهتمام الإعلامي، فلا يكفيان وحدهما لقياس النجاح. وتبدأ المراجعة الجادة عندما تنتهي الصور الأولى، ويصبح ممكناً التحقق مما تعطل فعلاً، وما بقي قادراً على العمل، وما إذا كانت الضربة قد قرّبت التسوية أم وسّعت المواجهة.

