أفاد البنك الدولي بأن قطاع الأمن استحوذ على 45.2% من إجمالي إنفاق إدارة طالبان منذ بداية السنة المالية الحالية، متجاوزًا مجموع ما أُنفق على التعليم والصحة والزراعة والبنية التحتية وتنمية القطاع الخاص، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأفغاني تباطؤًا في النشاط وضغوطًا متزايدة على المالية العامة والتجارة ومستويات المعيشة.
وبحسب تقرير البنك الدولي لرصد الوضع الاقتصادي في أفغانستان لشهر أغسطس/آب 2026، بلغ الإنفاق الأمني نحو 787 مليون دولار، مقابل 281 مليون دولار للتعليم، و37 مليون دولار للصحة، و18 مليون دولار للزراعة.
وتعكس هذه الأرقام توزيع الإنفاق العام في ظل تراجع المساعدات الخارجية، واضطراب طرق التجارة والعبور، واستمرار عودة أعداد من الأفغان من إيران وباكستان؛ وهي عوامل تزيد الأعباء على سوق العمل والخدمات العامة وموارد الأسر.
تفاوت في توزيع الإنفاق
جاء التعليم بعد الأمن بحصة بلغت 16.1% من إجمالي الإنفاق، بينما لم تتجاوز حصة الصحة 2.1% والزراعة نحو 1%.
وبلغ الإنفاق على الحماية الاجتماعية نحو 167 مليون دولار، وعلى الحوكمة 166 مليون دولار، فيما خُصص نحو 144 مليون دولار للبنية التحتية والموارد الطبيعية، و124 مليون دولار للحوكمة الاقتصادية وتنمية القطاع الخاص. وبلغت مخصصات القطاعات الأخرى نحو 17 مليون دولار.
وتأتي هذه الأولويات المالية في مرحلة يرى فيها البنك الدولي أن تحسن الأمطار وآفاق زيادة الإنتاج الزراعي لم يكونا كافيين للحفاظ على زخم النشاط الاقتصادي أو إحداث تحسن واسع في مستويات المعيشة.
النفقات تنمو أسرع من الإيرادات
بلغ الإنفاق العام في أغسطس/آب نحو 419 مليون دولار، بانخفاض 4% عن يوليو/تموز، لكنه ارتفع بنحو 31% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025.
ومنذ بداية السنة المالية، زاد إجمالي الإنفاق بنسبة 7% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، ليعادل نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي. وتجاوزت هذه الزيادة نمو الإيرادات المحلية، الذي بلغ 4%، ما أبقى المالية العامة تحت الضغط.
واستحوذت الرواتب على نحو 196 مليون دولار من نفقات أغسطس/آب، بزيادة شهرية قدرها 2% وسنوية بلغت 20%. ومع ذلك، ظل إجمالي الإنفاق على الرواتب منذ بداية السنة المالية أقل بنسبة 16% من مستواه في الفترة المقابلة من العام السابق.
وبلغ الإنفاق على السلع والخدمات نحو 100 مليون دولار خلال الشهر، مرتفعًا 7% مقارنة بيوليو/تموز و23% على أساس سنوي. ووصلت الزيادة التراكمية في هذا البند منذ بداية السنة المالية إلى 35%.
أما المدفوعات الاجتماعية، فتراجعت إلى نحو 34 مليون دولار، بانخفاض 44% على أساس شهري و7% على أساس سنوي، رغم ارتفاع إجماليها منذ بداية السنة المالية بنسبة 15%.
وسجل الإنفاق على شراء الأصول نحو 89 مليون دولار في أغسطس/آب، بانخفاض شهري طفيف بلغ 1%، مقابل زيادة سنوية بنحو 135%. وارتفع هذا البند بنسبة 286% منذ بداية السنة المالية، ليشكل، وفق البنك الدولي، أحد أبرز العوامل وراء نمو الإنفاق العام.
تحسن الإيرادات لا يبدد الضغوط المالية
بلغت الإيرادات المحلية في أغسطس/آب نحو 390 مليون دولار، بزيادة 27% عن الشهر السابق و9% مقارنة بأغسطس/آب 2025. وارتفع مجموعها منذ بداية السنة المالية إلى نحو 1.71 مليار دولار، بما يعادل قرابة 7% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي.
ووصلت الإيرادات الضريبية خلال الشهر إلى نحو 152 مليون دولار، مرتفعة 24% على أساس شهري و7% على أساس سنوي، فيما بلغت زيادتها التراكمية منذ بداية السنة المالية 4%.
وارتفعت حصيلة الرسوم والضرائب الجمركية إلى نحو 78 مليون دولار، بزيادة 41% عن يوليو/تموز، لكنها بقيت أقل بنسبة 18% من مستواها قبل عام. وعلى امتداد السنة المالية حتى فترة التقرير، تراجعت الإيرادات الجمركية بنسبة 22%.
وعزا البنك الدولي هذا التراجع إلى اضطراب التجارة وتغير مساراتها وتركيبة الواردات، بما في ذلك انخفاض استيراد السلع الخاضعة لرسوم مرتفعة.
في المقابل، بلغت الإيرادات غير الضريبية نحو 160 مليون دولار في أغسطس/آب، بزيادة شهرية قدرها 27% وسنوية بلغت 33%. وارتفع مجموعها منذ بداية السنة المالية بنسبة 22%، مسجلة أكبر مساهمة في نمو الإيرادات الكلية.
ورغم هذا التحسن، أدى نمو النفقات بوتيرة أسرع من الإيرادات إلى تسجيل عجز في الميزانية بلغ نحو 32 مليون دولار منذ بداية السنة المالية.
عجز تجاري يتجاوز مليار دولار في شهر
بلغت قيمة التجارة الخارجية الأفغانية نحو 1.34 مليار دولار في أغسطس/آب، بزيادة 19% عن يوليو/تموز و2% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. غير أن الفجوة الواسعة بين الواردات والصادرات دفعت العجز التجاري إلى نحو 1.05 مليار دولار، بارتفاع شهري قدره 10% وسنوي بلغ 8%.
وزادت الصادرات بنسبة 75% على أساس شهري لتصل إلى 145.6 مليون دولار، مدفوعة أساسًا بارتفاع صادرات المواد الغذائية خلال موسم الحصاد. لكنها ظلت أقل بنسبة 18% من مستواها في أغسطس/آب 2025.
وشكلت المواد الغذائية نحو 68% من إجمالي الصادرات، بقيمة 98.5 مليون دولار؛ بزيادة 92% عن الشهر السابق، وانخفاض 36% على أساس سنوي.
كما ارتفعت صادرات المنسوجات إلى 22.3 مليون دولار، بزيادة شهرية قدرها 18% وسنوية بلغت 212%. وأرجع التقرير هذا الأداء إلى تحسن الوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية، بما فيها السوق الصينية عبر آسيا الوسطى.
وبلغت الصادرات الأخرى 24.9 مليون دولار، بينما لم يسجل التقرير صادرات للفحم خلال الشهر، مقابل 4.1 ملايين دولار في أغسطس/آب من العام السابق.
وعلى أساس تراكمي، بلغ إجمالي الصادرات منذ بداية السنة المالية 480 مليون دولار، بانخفاض 12% عن الفترة المقابلة من العام الماضي. وكانت إيران أكبر وجهة للصادرات الأفغانية بحصة 31.1%، تلتها الصين، ثم أوزبكستان والإمارات والهند.
واردات مرتفعة وضعف في السلع الاستثمارية
وصلت الواردات الأفغانية في أغسطس/آب إلى نحو 1.19 مليار دولار، مرتفعة 15% مقارنة بالشهر السابق و4% على أساس سنوي.
وتصدرت المواد الغذائية أبرز بنود الاستيراد بقيمة 276.9 مليون دولار، تلتها المنتجات المعدنية بقيمة 266.2 مليون دولار، ثم المواد الكيميائية والمنتجات الصناعية المرتبطة بها بقيمة 96.2 مليون دولار. وبلغت واردات معدات النقل 71.4 مليون دولار، والمنسوجات 58.4 مليون دولار.
ورغم ارتفاع الواردات خلال الشهر، أشار البنك الدولي إلى استمرار ضعف الاستيراد المرتبط بالاستثمار؛ إذ لم تتجاوز حصة السلع الرأسمالية 8% من إجمالي الواردات، مع انخفاض قيمتها بنسبة 40% منذ بداية السنة المالية.
ومثلت المواد الوسيطة والخام 51% من الواردات، والسلع الاستهلاكية 39%، وسجلت كلتا الفئتين نموًا بنسبة 8% منذ بداية السنة المالية. أما إجمالي الواردات خلال الفترة نفسها فظل شبه مستقر، بزيادة طفيفة قدرها 0.6%.
وظلت إيران أكبر مصدر للواردات الأفغانية بحصة 32.9%، تلتها الصين بنسبة 13.5%، والإمارات بنسبة 10.9%، ثم أوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان وروسيا.
وبحسب التقرير، شكلت التجارة المباشرة والعبور عبر إيران 56.6% من التدفقات التجارية المسجلة، مقابل 38.9% عبر مسار آسيا الوسطى. وبذلك استحوذ المساران معًا على أكثر من 95% من هذه التدفقات، في مؤشر إلى استمرار تحول التجارة الأفغانية نحو طرق إقليمية بديلة.
تراجع التضخم مع استمرار ضغوط الأسعار
قدّر البنك الدولي معدل التضخم السنوي في أغسطس/آب بنحو 6.7%، مقارنة بـ7.5% في يوليو/تموز. واستقر تضخم أسعار الغذاء عند 7%، بينما تراجع التضخم غير الغذائي من 7.9% إلى 6.4%.
وعلى أساس شهري، انخفض مؤشر أسعار المستهلك بنحو 0.2%، مع تراجع أسعار الغذاء بنسبة 0.4% وأسعار السلع غير الغذائية بنسبة 0.1%. وظل التضخم الأساسي عند 7.5% على أساس سنوي، بما يشير إلى استمرار ضغوط الأسعار رغم التراجع الشهري.
وحدد التقرير النقل والصحة والإسكان ضمن أبرز مصادر هذه الضغوط، مشيرًا إلى تأثير ارتفاع أسعار النفط، واضطراب التجارة، وزيادة الطلب على المساكن مع عودة الأفغان من الخارج.
وأوضح البنك أن بيانات التضخم لشهر أغسطس/آب تقديرية، وتستند إلى أسعار السوق التي يجمعها برنامج الأغذية العالمي، على أن تُحدّث عند توافر الإحصاءات الرسمية.
تحسن العملة لا ينعكس بعد على معيشة الأسر
ارتفعت قيمة العملة الأفغانية أمام الدولار بنسبة 1.1% في أغسطس/آب، بعد انخفاضها بنسبة 2.4% في يوليو/تموز. وبلغ متوسط سعر الصرف 65.18 أفغانيًا للدولار، مع بقاء العملة أقوى من مستواها قبل عام.
كما ارتفع سعر الصرف الفعلي الاسمي، الذي يقيس أداء العملة أمام عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين، بنسبة 0.9% شهريًا و4.4% سنويًا. وفي المقابل، ظل سعر الصرف الفعلي الحقيقي شبه مستقر على أساس شهري، لكنه انخفض بنسبة 9% سنويًا، متأثرًا بتحركات العملات وفروق التضخم.
ورغم تحسن العملة وتراجع التضخم وآفاق الإنتاج الزراعي، يرى البنك الدولي أن الاقتصاد الأفغاني لا يزال يواجه قيودًا تحدّ من قدرته على تحسين معيشة السكان. فتراجع المساعدات، واضطراب التجارة، والتوترات الإقليمية، وضغوط عودة الأفغان من إيران وباكستان، تواصل إثقال سوق العمل والخدمات العامة وميزانيات الأسر.

