د.عبدالرازق عبدالوهاب الصافي
ماذا يدفع شبابا إلى المخاطرة بحياتهم على طرق الهجرة غير النظامية؟
تخيّل شابًا في العشرين يبيع ما يملك، ويجمع مدخراته، ثم يسلّمها لمهرّب لا يعرفه، يودّع أمه وهو يعلم أنه قد لا يعود، ثم يمضي أيامًا في جبال وصحارى وبحار لم يرها من قبل، قد يُعتقل في الطريق، وقد يُرحّل، وقد يقع ضحية للاستغلال والابتزاز والاعتداء والاعتقال، وقد لا يصل أصلًا، بل قد يفقد حياته في الطريق.
ومع ذلك، ما زال شباب من أفغانستان يسلكون هذه الطرق غير النظامية كل عام.
من السهل أن نختصر قصتهم في عبارة: «إنهم يبحثون عن لقمة العيش». لكن الحقيقة أعمق من ذلك؛ فهي تخبرنا عن واقع الشباب الأفغاني بقدر ما تخبرنا عن الهجرة نفسها.
ما تقوله الأرقام، وما لا تقوله
لا يوجد أرقام موحدة وموثوقة يمكن أن تحدد بدقة عدد الأفغان الذين غادروا البلاد منذ عام 2021م، فحركة الأفغان تمت عبر مسارات قانونية وأخرى غير نظامية، كما أن ملايين الأفغان كانوا يعيشون أصلًا في إيران وباكستان قبل ذلك بسنوات طويلة، ويبحثون ويحاولون الوصول إلى أوروبا بأي شكل كان، لذلك فإن المؤشرات المختلفة تعطينا صورة أدق من البحث عن رقم واحد، وتشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن عدد اللاجئين الأفغان وغيرهم من الأشخاص المحتاجين إلى حماية دولية بلغ نحو 3.7 مليون شخص في نهاية عام 2025، وهذا مؤشر يؤكد انخفاض كبير مقارنة بالعام السابق، وتستضيف إيران وباكستان الجزء الأكبر من هذه الفئة، لكن انخفاض عدد المسجلين لا يعني بالضرورة أن أزمة الهجرة انتهت، فقد شهد عام 2025 عودة واسعة للأفغان إلى بلادهم، في ظل تشديد سياسات الإقامة والعودة القسرية بل ترحيل ممنهج في دول الجوار. وبحسب بيانات المفوضية، عاد نحو 2.9 مليون أفغاني خلال عام 2025، في واحدة من أكبر حركات العودة خلال السنوات الأخيرة، والعودة لا تعني دائمًا انتهاء المشكلة، فكثير من العائدين يعودون إلى بلد يعاني أصلًا من ضعف فرص العمل والموارد والخدمات. وتشير بيانات المفوضية إلى أن نسبة كبيرة من الأسر العائدة تعيش تحت مستويات دخل شديدة الانخفاض، بينما لا يجد سوى جزء من العائدين عملًا، وغالبًا ما يكون عملًا غير رسمي.
وهذا يخلق مفارقة مؤلمة: قد يعود الشاب إلى أفغانستان لأنه لم يعد يستطيع البقاء في الخارج، ثم يجد نفسه بعد فترة يفكر في الخروج مرة أخرى.
أما في الاتحاد الأوروبي، فقد قدم الأفغان نحو 63,830 طلب لجوء أول مرة خلال عام 2025، أي قرابة عُشر مجموع الطلبات، وتكشف بيانات عام 2026 استمرار تقديم الطلبات، وإن كانت المستويات الشهرية قد شهدت تراجعًا مقارنة ببعض فترات العام السابق، لكن هذه الأرقام لا تعني أن جميع طالبي اللجوء الأفغان سلكوا طرق التهريب، ولا أن دوافعهم واحدة، لكنها تؤكد أن الهجرة الأفغانية ما زالت ظاهرة مستمرة وليست صفحة أُغلقت بعد عام 2021.
الفقر ليس كل القصة
حين نقول «الفقر» نتوقف عند نصف الحقيقة.
الشاب لا يريد المال فقط؛ يريد حياة يستطيع أن يبنيها
يريد عملًا يليق بقدراته، وتعليمًا يستطيع أن يبني عليه مستقبله، ودخلًا يمكنه من الزواج وإعالة أسرته، وشعورًا بأن السنوات القادمة يمكن أن تكون أفضل من السنوات الماضية.
وعندما تغلق هذه الأبواب، لا يحتاج الشاب إلى أن يصل إلى مرحلة الجوع حتى يفكر في الرحيل.
يكفي أحيانًا أن يشعر بأن مستقبله مسدود، أو مجهول لا يعرف ماذا يخبئ له الغد.
وهنا تتداخل العوامل الاقتصادية مع عوامل أخرى، من بينها المخاوف الأمنية، وأوضاع حقوق الإنسان، والقيود المفروضة على بعض فئات المجتمع، وضعف فرص التعليم والعمل، وعدم وضوح المسار المهني أمام قطاعات من الشباب،
وقدّر البنك الدولي أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أفغانستان شهد تراجعًا في عام 2025، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية كبيرة مع استمرار الحاجة إلى المساعدات وعودة أعداد ضخمة من الأفغان من الخارج.
هاتف يريك الوصول ولا يريك الطريق
الشاب الأفغاني اليوم يعيش في قريته وعينه على العالم، هاتفه يفتح أمامه أبوابًا لم تكن متاحة للأجيال السابقة، يرى أقاربه وأصدقاءه في أوروبا وأمريكا ودول أخرى، وهم يعملون ويدرسون ويلتقطون الصور في مدن حديثة،
لكنه لا يرى دائمًا القصة كاملة.
يرى صورة الوصول، ولا يرى أسابيع الطريق، يرى الوظيفة، ولا يرى سنوات الانتظار، يرى السيارة والمنزل، ولا يرى الديون والالتزامات التي قد يكون صاحب الصورة قد تحملها.
يرى النجاح، ولا يرى الخوف، وهكذا يمكن أن تقدم وسائل التواصل الاجتماعي صورة غير مكتملة عن الهجرة: العالم الخارجي حاضر على الشاشة، بينما ثمن الوصول إليه مختفٍ خلف الصورة.
من يبيع الوهم؟
على هذه الفجوة تعيش شبكات التهريب، المهرّب لا يبيع للشاب وسيلة انتقال فقط، بل يبيع له وعدًا: طريقًا آمنًا، ووصولًا سريعًا، ومستقبلًا أفضل.
وقد يكتشف الشاب بعد بدء الرحلة أن الواقع مختلف تمامًا، لقد دفع المال، وأصبح بعيدًا عن أسرته، والعودة قد تعني خسارة كل ما دفعه، ومع كل مرحلة جديدة يصبح أكثر اعتمادًا على الشبكة التي نقلته.
وهنا قد يتحول المهاجر من شخص يبحث عن فرصة إلى شخص معرض للابتزاز والاحتجاز والعنف والاستغلال.
والثمن قد يكون أفدح من المال، فبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة، سُجلت خلال عام 2025 أعداد كبيرة من الوفيات وحالات الاختفاء بين الأفغان على طرق الهجرة، ولا سيما في المنطقة الممتدة بين أفغانستان وإيران والحدود التركية وهي إحدى طرق العبور الرئيسية لمن يحاولون الوصول إلى تركيا وأوروبا، وتحذر المنظمة من أن الأرقام المسجلة لا تمثل بالضرورة العدد الحقيقي، لأن كثيرًا من حالات الوفاة والاختفاء لا تصل إلى السجلات الرسمية.
ليسوا جميعاً قصة مشتركة
تُختصر هذه القصة كثيرًا في عبارة «المهاجر الأفغاني»، وكأنها تصف شخصًا واحدًا، لكن الواقع أكثر تعقيدًا، بين هؤلاء لاجئون، وطالبو لجوء، وطلاب، وعمال، وأسر، وقاصرون، وأشخاص ولدوا أصلًا في إيران أو باكستان ولم يعيشوا في أفغانستان إلا لفترات محدودة، ولهذا فإن فهم الهجرة يحتاج إلى التمييز بين دوافع ومسارات مختلفة.
كما أن وجود أسباب اقتصادية للهجرة لا يعني بالضرورة غياب الحاجة إلى الحماية، ففي عام 2025 حصل الأفغان على نسبة مرتفعة من القرارات الإيجابية في المرحلة الأولى من إجراءات اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي، وهو مؤشر على أن عددًا كبيرًا منهم كان ينظر إلى وضعه باعتباره يتطلب حماية دولية.
حين يكون المسافر طفلًا قاصراً
تزداد المأساة حين يكون المسافر قاصرًا، فالأفغان ظلوا من أبرز جنسيات القاصرين غير المصحوبين الذين يتقدمون بطلبات اللجوء في أوروبا، وفي عام 2025 قدم القاصرون الأفغان غير المصحوبين نحو 2,690 طلبًا في الاتحاد الأوروبي، الطفل الذي يسافر من دون والديه أكثر تعرضًا للاستغلال والابتزاز ، وأقل قدرة على معرفة حقوقه، وأكثر هشاشة أمام شبكات الاتجار والتهريب، وهنا تتحول القضية من قضية هجرة فقط إلى قضية حماية للطفولة ومستقبل جيل كامل.
لماذا لا تكفي الحدود المغلقة وحدها؟
تستطيع الدول أن تشدد الرقابة على الحدود، وتلاحق شبكات التهريب، وتطبق قوانين الهجرة، وترحّل من لا يملك حق البقاء، لكن هذه الإجراءات، مهما كانت ضرورية في بعض الحالات، لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم:
لماذا قرر الشاب أصلًا أن يخاطر بحياته؟
إذا لم يجد عملًا، ولم يرَ طريقًا واضحًا للتعليم، ولم يشعر بأن لديه فرصة لبناء حياة مستقرة، فإن إغلاق طريق قد يدفعه إلى البحث عن طريق آخر، ولهذا فإن التعامل مع الهجرة غير النظامية يحتاج إلى مسارين متوازيين:
الأول: مكافحة شبكات التهريب وحماية المهاجرين من الاستغلال والموت.
والثاني: معالجة الأسباب التي تجعل الطريق الخطر خيارًا مقبولًا في نظر بعض الشباب.
والمسار الثاني أصعب وأبطأ، لكنه يعالج جذور المشكلة.
ما الذي تحتاج إليه أفغانستان؟
تحتاج أفغانستان إلى اقتصاد قادر على خلق فرص عمل، وتعليم مرتبط بسوق العمل، وتشجيع للاستثمار والمشاريع الصغيرة، وفرص حقيقية للشباب كي يحولوا طاقاتهم إلى إنتاج، كما تحتاج إلى بيئة يشعر فيها الشاب بأن الكفاءة يمكن أن تصنع له مستقبلًا، وأن النجاح لا يتطلب بالضرورة مغادرة البلاد، وفي المقابل، يحتاج المجتمع الدولي إلى تجاوز منطق المساعدات الإنسانية الطارئة وحدها، لأن المساعدات قد تمنع الجوع، لكنها لا تستطيع وحدها بناء اقتصاد يستوعب ملايين الشباب، ولهذا فإن دعم الاقتصاد، والتعليم، والتدريب المهني، وخلق فرص العمل، وفتح مسارات قانونية للدراسة والعمل، ومساندة المجتمعات التي تستقبل العائدين، كلها عناصر يمكن أن تساعد في تقليل دوافع الهجرة غير النظامية.
ما الذي نخسره؟
المشكلة ليست أن شابًا سافر، المشكلة أن يصبح السفر هو الحلم الوحيد لجيل كامل، فالشباب هم المعلمون والأطباء والمهندسون والحرفيون والتقنيون وأصحاب المشاريع، وهم القوة التي ستبني أفغانستان في المستقبل، وحين يغادر هؤلاء، لا تخسر البلاد أفرادًا فقط، بل تخسر جزءًا من رأس مالها البشري.
وهذا النوع من الخسارة لا تعوّضه المساعدات المالية بسهولة.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم:
كيف نمنع الشباب الأفغاني من الهجرة؟
بل:
كيف نجعل الشاب الأفغاني يرى في وطنه مستقبلًا يستحق البقاء من أجله؟
فالإنسان لا يترك وطنه بسهولة، وحين يصبح الطريق المجهول، بكل مخاطره، أكثر إغراءً من المستقبل المجهول في الوطن، فهذه ليست مشكلة حدود فقط.
إنها رسالة ينبغي أن يتوقف الجميع عندها.
الشاب الذي يجد في وطنه تعليمًا وعملًا وكرامة وأملًا، لن يجعل من طريق التهريب مشروع حياته.

