في أقصى غرب أفغانستان، لا تبدو صحراء نيمروز مجرد امتداد جغرافي يفصل البلاد عن إيران، بل تحولت بالنسبة إلى آلاف الشباب الباحثين عن العمل إلى بوابة محفوفة بالمخاطر نحو المجهول. وبينما تشكل الحدود ومسارات التهريب أحد أبرز الطرق التي يسلكها الراغبون في الوصول إلى إيران، تكشف شهادات مهاجرين عن عامل أكثر عمقًا يقف خلف هذه الظاهرة: البحث عن فرصة عمل وتأمين أبسط متطلبات الحياة.
وتُعرف ولاية نيمروز منذ سنوات بأنها من أبرز نقاط العبور نحو إيران، وهو ما جعلها محطة يتجمع فيها أشخاص من مختلف الولايات الأفغانية قبل محاولة اجتياز الحدود عبر طرق غير قانونية، لكن ما يدفع هؤلاء إلى خوض الرحلة ليس بالضرورة الرغبة في الهجرة بحد ذاتها، بقدر ما هو شعور متزايد لدى بعضهم بأن فرص العمل داخل البلاد لا تكفي لتأمين حياة مستقرة.
عبدالجليل، وهو من سكان ولاية تخار، يمثل نموذجًا لهذه الحالات، ورغم معرفته بالمخاطر التي تحيط بالطريق، قرر التوجه إلى إيران برفقة زوجته وطفله، ويقول إن البطالة والمشكلات الاقتصادية دفعته إلى اتخاذ قرار يعرف مسبقًا أنه قد يضع حياته وحياة أسرته أمام مخاطر كبيرة.
فبالنسبة إليه، الموت بالرصاص، والعطش والجوع، والحر الشديد والبرد، ليست مخاطر مجهولة؛ بل هي جزء من الطريق الذي اختار أن يسلكه بحثًا عن مصدر رزق. ومع ذلك، يرى أن غياب العمل يجعله مستعدًا لتحمل هذه المخاطر، في الوقت الذي لا يستطيع فيه تحمل تكاليف السفر بصورة قانونية، بما في ذلك نفقات جواز السفر والتأشيرة.
هذه الشهادة تكشف جانبًا مهمًا من أزمة الهجرة غير القانونية في أفغانستان: فحين تصبح كلفة البقاء من دون عمل أعلى في نظر بعض الأسر من مخاطر طريق التهريب، تتحول الهجرة من خيار إلى نوع من الاضطرار الاقتصادي.
عندما يصبح العمل أهم من الهجرة
لا تتوقف مطالب الشباب عند السماح لهم بالسفر أو تسهيل وصولهم إلى الخارج، بل يكرر كثير منهم مطلبًا أكثر مباشرة: توفير فرص العمل داخل أفغانستان.
سرور، وهو من سكان تخار، يقول إنه لم يكن ليخاطر بالذهاب إلى إيران لو وجد فرصة عمل داخل البلاد، حتى بأجر يومي يتراوح بين 100 و200 أفغاني. أما ناصر، من سكان هلمند، فيرى أن انعدام فرص العمل يدفعه وشبانًا آخرين إلى مغادرة البلاد وسلوك طرق التهريب بحثًا عن مصدر للدخل.
هذه الشهادات، رغم بساطتها، تحمل دلالة اقتصادية واجتماعية واسعة. فالشاب الذي يجد فرصة عمل مستقرة داخل بلاده تكون لديه أسباب أقل للمخاطرة بحياته في طريق مجهول، بينما يؤدي استمرار البطالة وضعف الدخل إلى توسيع دائرة الباحثين عن فرص خارج الحدود.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن التعامل مع الهجرة غير القانونية باعتبارها قضية أمنية أو حدودية فقط؛ فهي ترتبط كذلك بسوق العمل، والاستثمار، والإنتاج، وقدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب فئة شابة تبحث عن مصدر دخل.
نيمروز.. نقطة النهاية لرحلة تبدأ من ولايات بعيدة
المشهد في نيمروز لا يقتصر على سكان الولاية. فبحسب الشهادات الواردة، يصل أشخاص من مختلف أنحاء البلاد إلى هذه المنطقة على أمل العبور إلى إيران، وهذا يعني أن الظاهرة تتجاوز حدود ولاية واحدة، وأن معالجة المشكلة لا يمكن أن تبدأ وتنتهي عند الحدود. فحين يأتي شاب من تخار أو هلمند أو غيرهما إلى نيمروز، فإن المسار الذي سلكه بدأ في مكان آخر، غالبًا مع غياب فرصة عمل أو ضعف القدرة على توفير احتياجات أسرته. ومن هنا تبرز أهمية معالجة الأسباب الداخلية التي تدفع الشباب إلى الهجرة، بالتوازي مع مكافحة شبكات التهريب التي تستغل حاجتهم وتعرضهم لمخاطر جسيمة.
مكافحة التهريب.. مواجهة الجانب الأكثر خطورة
في الجانب الأمني، أكدت قيادة شرطة نيمروز إنها ألقت القبض خلال الشهرين الماضيين على 250 من مهربي البشر، ممن كانوا يحاولون نقل أشخاص إلى إيران، وأحالتهم إلى الجهات العدلية والقضائية، كما صادرت مركبات كانت تستخدم في عمليات التهريب.
ويمثل تفكيك شبكات التهريب جزءًا أساسيًا من مواجهة الظاهرة، لأن المهربين يحولون حاجة الباحثين عن العمل إلى نشاط مربح، بينما يتحمل المهاجرون المخاطر الأكبر على الطريق. لكن مكافحة التهريب وحدها لا تكفي. فحتى مع تشديد الرقابة على الحدود، سيظل الطلب على هذه المسارات قائمًا ما دامت هناك فئة من الشباب ترى أن فرص العمل خارج البلاد أفضل من الخيارات المتاحة أمامها في الداخل.
ولهذا، فإن المعالجة الأكثر استدامة تحتاج إلى الجمع بين الإجراءات الأمنية والسياسات الاقتصادية التي توسع سوق العمل، وتدعم المشاريع الإنتاجية، وتخلق فرصًا للشباب في الولايات المختلفة.
19 وفاة في الصحراء.. ثمن لا يمكن تجاهله
قبل نحو شهرين، لقي 19 مواطنًا أفغانيًا مصرعهم عطشا وجوعا في صحارى نيمروز شديدة الحرارة أثناء محاولتهم الوصول إلى إيران عبر طرق التهريب. لم تكن تلك الحادثة مجرد مأساة عابرة، بل تذكيرًا قاسيًا بأن الطريق الذي يبدأ بحلم العثور على عمل قد ينتهي بالموت. فالصحراء، والحدود، والعطش، ودرجات الحرارة القاسية، وشبكات التهريب، كلها تجعل الهجرة غير القانونية مغامرة قد يدفع المهاجر وأسرته ثمنها غاليًا.
وتكشف هذه الحوادث كذلك أن قضية الهجرة لا يمكن اختزالها في الأرقام؛ فخلف كل شخص يغادر البلاد أسرة تنتظر، وخلف كل رحلة محفوفة بالمخاطر قصة بطالة أو فقر أو بحث عن فرصة أفضل.
فرص العمل.. الطريق الأكثر واقعية للحد من الهجرة غير القانونية
تضع هذه المعطيات السلطات الأفغانية أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في حماية الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر من جهة، وتوسيع فرص العمل وتحسين الظروف الاقتصادية من جهة أخرى؛ فالاستثمار في المصانع والمشاريع الإنتاجية والبنية التحتية والزراعة والتجارة المحلية يمكن أن يؤدي دورًا يتجاوز البعد الاقتصادي المباشر، إذ يمكن أن يقلل أيضًا من دوافع الهجرة غير القانونية، خصوصًا بين الشباب.
وتبدو الرسالة التي يكررها المهاجرون المحتملون واضحة، فكثير منهم لا يبحثون بالضرورة عن حياة خارج أفغانستان، بل عن إمكانية للعيش داخلها. وإذا وجد الشاب عملاً يوفر له دخلاً معقولاً، فقد تصبح الصحراء والتهريب والحدود أقل جاذبية بكثير.
ولا شك أن مأساة الهجرة غير القانونية عبر نيمروز وطرق تهريب أخرى ليست قصة حدود فقط، ولا قصة مهربين ولاجئين فحسب؛ إنها انعكاس لتحدٍ اقتصادي أوسع، وكلما اتسعت فرص العمل والإنتاج داخل البلاد، تراجعت الحاجة إلى المخاطرة بالحياة في طرق التهريب.
أما استمرار البطالة دون بدائل اقتصادية كافية، فيعني أن الطريق إلى الحدود سيظل مفتوحًا أمام شباب مستعدين للمجازفة بكل شيء بحثًا عن فرصة تمنحهم ما لم يجدوه في الداخل: عملًا، ودخلًا، وحياة أكثر استقرارًا.

