الملف الأفغاني
يفتح التقارب بين نيودلهي وحكومة طالبان نقاشاً يتجاوز حدود التواصل الدبلوماسي: كيف توفّق الهند بين مصالحها الأمنية والاقتصادية في أفغانستان، ومواقفها المعلنة بشأن الحكم الشامل وحقوق الأفغان؟ وما الذي يمكن أن يحققه هذا الانفتاح للسكان في التعليم والعمل والتنمية؟
تستند العلاقات الهندية الأفغانية إلى تاريخ من التعاون، شمل اتفاقية الصداقة عام 1950 واتفاقية الشراكة الاستراتيجية عام 2011. لكن عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021 فرضت واقعاً مختلفاً، دفع نيودلهي إلى إعادة صياغة أدوات حضورها والتعامل مع السلطات القائمة، مع استمرار الأسئلة المتعلقة بالتمثيل السياسي والحقوق والحريات.
وفي قراءة نقدية لهذا المسار، ترى الكاتبة والمحللة نيلابو شانتي أن تقييم العلاقة ينبغي أن يشمل أثرها على حياة الأفغان، إلى جانب المكاسب السياسية والأمنية التي تسعى إليها الهند. وتدعو إلى ربط الانفتاح بفرص تنموية ومشاركة مجتمعية أوسع، بدلاً من اقتصاره على التواصل مع السلطة.
حسابات الأمن وحضور العامل الباكستاني
يمثل الأمن أحد المحاور الأساسية في اهتمام الهند بأفغانستان، خصوصاً المخاوف من استخدام أراضيها منطلقاً لأنشطة جماعات مسلحة تهدد المنطقة. ومن هذا المنظور، يتيح التواصل مع كابل قناة لطرح هذه المخاوف ومتابعة التطورات عن قرب.
ويحضر التنافس الهندي الباكستاني أيضاً في تفسير التقارب. فالتوتر بين كابل وإسلام آباد قد يخلق مساحة لتوسيع العلاقات بين الهند وطالبان، لكنه لا يكفي وحده لتفسيرها أو ضمان استمرارها.
وتطرح القراءة النقدية لهذا المسار سؤالاً بشأن مدى استقلال العلاقة عن الخلاف مع باكستان: هل يمكن بناء تعاون طويل الأجل يستند إلى مصالح اقتصادية واجتماعية واضحة، أم يبقى الانفتاح متأثراً بتقلبات العلاقات الإقليمية؟
ويظل ربط التقارب بمنطق «عدو العدو» تفسيراً تحليلياً، لا وصفاً معلناً لسياسة الأطراف. كما أن اختزال أفغانستان في منافسة القوى الإقليمية يغفل احتياجات سكانها وأولوياتهم.
التواصل لا يحسم مسألة التمثيل
تثير العلاقات مع طالبان تمييزاً مهماً بين التعامل مع سلطة قائمة وبين تأييد سياساتها أو منحها قبولاً سياسياً شاملاً. فالاتصالات قد تساعد في إدارة ملفات المساعدات والتجارة والأمن، لكنها لا تعالج تلقائياً قضايا المشاركة السياسية وحقوق الإنسان.
وتستحضر شانتي مواقف هندية سابقة دعت إلى حكومة أفغانية واسعة التمثيل، وإلى منع استخدام الأراضي الأفغانية ملاذاً للجماعات المسلحة. وترى أن اختبار هذه المواقف يكمن في حضورها ضمن الحوار العملي مع طالبان، ومدى انعكاسها على أولويات التعاون.
وفي هذا السياق، يبرز تعليم الفتيات ومشاركة النساء ضمن أبرز الملفات التي يطالب منتقدو التقارب بإبقائها على جدول الأعمال. فالعلاقات بين الدول لا تقتصر آثارها على الحكومات، بل تمتد إلى فرص الأفراد في التعلم والعمل والمشاركة في مستقبل بلادهم.
من الإغاثة إلى التنمية
قدّمت الهند مساعدات إنسانية ودعماً لمشاريع تنموية في أفغانستان، لكن استمرار الاحتياجات المعيشية يطرح تحدياً يتجاوز الاستجابة الطارئة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من الأفغان من دول الجوار.
وتؤكد شانتي أن المساعدات، على أهميتها في تخفيف المعاناة، لا تشكّل وحدها أساساً للاكتفاء الاقتصادي. وتدعو إلى توجيه التعاون نحو استثمارات وفرص عمل وبرامج تمكّن الأفغان من المشاركة في الإنتاج وإعادة بناء مجتمعاتهم.
ويشمل هذا التوجه دعم المهارات والتعليم والأنشطة الاقتصادية المحلية، بحيث تصبح استفادة السكان معياراً لتقييم الشراكات. كما يتطلب الانتقال إلى مشاريع مستدامة وضوحاً في الإدارة والالتزامات، ومتابعة للنتائج التي تصل فعلياً إلى المستفيدين.
التأشيرات والتعليم اختبار للعلاقة الشعبية
بعيداً عن الاجتماعات الرسمية، تتأثر صورة الهند لدى الأفغان بقدرتهم على الوصول إلى الدراسة والعلاج وتسوية أوضاع إقامتهم. وتتناول المادة انتقادات للصعوبات التي واجهها أفغان في إجراءات التأشيرات بعد عام 2021، وما ترتب عليها من تعطل خطط تعليمية ومعيشية.
ولا تتوافر في المادة بيانات كافية لتحديد حجم الحالات المتضررة، لكن الملف يوضح جانباً عملياً من العلاقة يمكن قياس أثره مباشرة على الأفراد والأسر.
ومن ثم، فإن تسهيل الإجراءات القنصلية، وتوضيح مسارات الدراسة والإقامة، واستمرار التواصل مع المجتمع الأفغاني، يمكن أن تعزز الروابط التي راكمها البلدان عبر عقود، بالتوازي مع الاتصالات السياسية.
شراكة تُقاس بنتائجها
تكشف مناقشة التقارب الهندي مع طالبان عن معادلة تتداخل فيها ضرورات التعامل مع الواقع ومطالب الحفاظ على المبادئ المعلنة. فالحوار يتيح قنوات لمعالجة المصالح والمخاوف، فيما تتوقف قيمته الأوسع على النتائج التي يحققها للأفغان.
وتخلص القراءة النقدية التي تقدمها شانتي إلى أن العلاقة المستدامة تحتاج إلى حضور أوضح لقضايا التعليم والحقوق والتمثيل والتنمية. وبذلك، يصبح السؤال عن مستقبل التقارب مرتبطاً بما ينتجه من فرص عمل وتعاون اقتصادي وخدمات، وبقدرته على الحفاظ على علاقة الهند بالمجتمع الأفغاني، إلى جانب علاقتها بالسلطات القائمة.

