عبد الكريم مصطفي
يثير تكريم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في باكستان أسئلة تتجاوز مراسم منح الأوسمة إلى دلالاتها السياسية: هل يعكس التكريم تقديراً لجهود السلام، أم يمنح الدولة المضيفة فرصة لتحسين صورتها وصرف الأنظار عن ملفات تستوجب المساءلة؟
فبحسب الإعلان عن المناسبة، منح الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري غوتيريش وسام «نشان امتياز»، تقديراً لخدماته الدولية وجهوده في دعم السلام والتنمية. غير أن الاحتفاء بهذه الجهود يأتي في عالم تتواصل فيه الحروب، وتتسع الفجوة بين الوعود بحماية المدنيين والقدرة على توفير تلك الحماية.
باكستان وصناعة صورة الدولة الراعية للسلام
من منظور نقدي، يمكن قراءة التكريم باعتباره محاولة من إسلام آباد لتقديم نفسها شريكاً في صناعة السلام، والاستفادة من المكانة الرمزية للأمين العام لتعزيز هذه الصورة.
وتصبح هذه القراءة أكثر إلحاحاً عند وضع المناسبة في مقابل الاتهامات الموجهة إلى السياسات الباكستانية بشأن الانتهاكات في المناطق القبلية، ودورها في النزاع حول كشمير، وتدخلاتها وعملياتها العسكرية المرتبطة بأفغانستان. وهذه ملفات تختلف في سياقاتها ومسؤوليات أطرافها، وتحتاج إلى فحص وتوثيق ومساءلة، لا إلى حجبها خلف خطاب دبلوماسي احتفالي.
والسؤال هنا هو ما إذا كانت باكستان تسعى، عبر تكريم شخصية أممية، إلى إبعاد الاهتمام عن هذه الملفات وتثبيت صورة لنفسها بوصفها داعمة للسلام. يظل ذلك تفسيراً سياسياً للدافع وراء الخطوة، وليس حقيقة مثبتة؛ لكنه يطرح معياراً مشروعاً للحكم على خطابها: مدى اتساق ما تعلنه خارجياً مع ممارساتها على الأرض.
فالدولة لا تكتسب صفة صانعة السلام بمنح الأوسمة، وإنما بحماية المدنيين واحترام الحقوق وقبول المساءلة عن الانتهاكات المنسوبة إلى مؤسساتها.
غزة وأفغانستان.. أين نتائج الجهود الأممية؟
ويستدعي التكريم سؤالاً موازياً عن الأمم المتحدة نفسها: ماذا استطاعت أن تحقق لأهل غزة وأفغانستان، وأين الأثر الذي يبرر الاحتفاء بقيادتها بوصفها عنواناً للسلام؟
ليس المقصود اختزال عمل المنظمة أو إنكار قيمة الجهود الإنسانية والدبلوماسية، بل مساءلة المسافة بين تلك الجهود والنتائج التي يلمسها المتضررون. فبالنسبة إلى المدنيين، لا تُقاس فعالية المؤسسة الدولية بعدد البيانات والاجتماعات، وإنما بقدرتها على الإسهام في وقف العنف وحماية الحقوق وتخفيف المعاناة.
وفي غزة، يتركز الاختبار الأخلاقي والسياسي على حماية السكان ومنع الإفلات من العقاب. وفي أفغانستان، يبرز في قدرة المجتمع الدولي على دعم السكان وحماية حقوقهم، بعيداً عن انتقائية المصالح وحسابات النفوذ. ومن حق المتضررين في الحالتين أن يسألوا عما تغير في حياتهم قبل الاحتفاء بإنجازات السلام.
مسؤولية غوتيريش وحدود المنظمة
مع ذلك، تقتضي المساءلة التمييز بين مسؤولية الأمين العام ومسؤولية الدول الأعضاء. فغوتيريش لا يملك منفرداً قرار وقف الحروب أو فرض التسويات، وتتأثر قدرة المنظمة على التحرك بمواقف القوى الكبرى وخلافاتها.
لكن هذه القيود لا تعفي القيادة الأممية من التقييم، ولا تجعل قبول التكريم منفصلاً عن سياقه السياسي. فمكانة المنصب تفرض حساسية خاصة تجاه احتمال توظيف حضوره أو تكريمه لتحسين صورة دولة تواجه انتقادات بشأن سجلها وسياساتها.
ولا يكفي منح الوسام لوصف المناسبة بأنها «رشوة سياسية»؛ فذلك اتهام يحتاج إلى دليل على منفعة متبادلة أو تأثير في قرار. أما التساؤل عن توظيف التكريم لتلميع الصورة، وعن أثره في الانطباع باستقلالية المنظمة وحيادها، فيبقى مشروعاً وضرورياً.
إن الاختبار الحقيقي لباكستان ليس قدرتها على تنظيم مراسم باسم السلام، بل استعدادها لمراجعة سياساتها ومواجهة الاتهامات الموجهة إليها بشفافية. والاختبار الحقيقي للأمم المتحدة هو أثر عملها في حياة من ينتظرون الحماية والإنصاف. وبين الاختبارين، لا ينبغي أن تصبح الأوسمة بديلاً عن المساءلة، ولا أن يتحول الاحتفاء بالسلام إلى وسيلة لحجب معاناة ضحايا الحروب.

