كشفت أول عملية تقييم جغرافي شامل لشبكة الطرق في أفغانستان عن مفارقة لافتة في قطاع البنية التحتية؛ فبينما تمتد الطرق في البلاد على أكثر من 245 ألف كيلومتر، لا تتجاوز حصة الطرق المعبدة منها 7.4%، ما يعني أن أكثر من تسعة أعشار الشبكة لا تزال طرقاً غير معبدة.
وأعلنت الهيئة الوطنية للإحصاء والمعلومات أن إجمالي طول شبكة الطرق بلغ 245 ألفاً و72 كيلومتراً، منها 18 ألفاً و241 كيلومتراً فقط من الطرق المعبدة، مقابل 226 ألفاً و831 كيلومتراً من الطرق غير المعبدة، بما يعادل نحو 92.6% من إجمالي الشبكة.
وتكشف هذه الأرقام أن مشكلة النقل البري في أفغانستان لا ترتبط بغياب الطرق بقدر ما ترتبط بنوعيتها، وقدرتها على العمل طوال العام، ومدى ربطها المناطق الريفية والجبلية بالمدن والأسواق والمراكز الخدمية.
ويكتسب التقييم أهمية إضافية لكونه الأول من نوعه الذي يوثق شبكة الطرق الأفغانية ضمن قاعدة بيانات جغرافية موحدة، بعدما ظلت المعلومات المتعلقة بهذا القطاع موزعة بين مؤسسات حكومية ومصادر مختلفة.
واعتمدت عملية التقييم على جمع وتحليل بيانات من وزارة الأشغال العامة ووزارة تطوير الأرياف وإعادة الإعمار، إضافة إلى بيانات منصة OpenStreetMap وصور الأقمار الصناعية، بهدف بناء صورة أكثر شمولاً لشبكة النقل البرية في الولايات الأفغانية.
شبكة ضخمة.. لكن معظمها غير معبد
للوهلة الأولى، قد يوحي رقم 245 ألف كيلومتر بامتلاك أفغانستان شبكة طرق واسعة، لكن تفصيل الأرقام يقدم صورة مختلفة؛ إذ إن أقل من كيلومتر واحد من كل 13 كيلومتراً من الطرق في البلاد معبد.
وهذا يعني أن الجزء الأكبر من الشبكة يعتمد على طرق ترابية أو غير مؤهلة بالكامل، وهي طرق قد تؤدي دوراً في الربط المحلي، لكنها تصبح أكثر هشاشة عند استخدامها للنقل التجاري لمسافات طويلة أو أثناء الأمطار والثلوج والسيول.
وتزداد المشكلة تعقيداً في بلد تغطي الجبال والوديان أجزاء واسعة منه، وتتعرض مناطقه النائية بصورة متكررة لانقطاع الطرق بسبب الظروف المناخية والانهيارات والسيول.
ومن ثم، فإن حجم الشبكة وحده لا يمثل مؤشراً كافياً لقياس تطور البنية التحتية، إذ ينبغي النظر أيضاً إلى جودة الطريق، وقدرته على العمل على مدار العام، وزمن التنقل عليه، ومدى ارتباطه بالأسواق والمدن والمراكز الصحية والتعليمية.
كابل في الصدارة.. ونورستان بـ12 كيلومتراً فقط
ولا تتوزع الطرق المعبدة بالتساوي بين الولايات، إذ يكشف التقييم عن فجوة واسعة في مستوى البنية التحتية بين مناطق البلاد.
وتتصدر كابل الولايات من حيث إجمالي طول الطرق المعبدة بنحو 4 آلاف و84 كيلومتراً، بينما لا تمتلك ولاية نورستان سوى 12 كيلومتراً من الطرق المعبدة.
لكن المفارقة تصبح أكثر وضوحاً عند مقارنة نسبة الطرق المعبدة بإجمالي شبكة كل ولاية.
فقد سجلت كابيسا أعلى نسبة للطرق المعبدة على مستوى البلاد بنحو 25.1%، بينما انخفضت النسبة في ولايتي دايكندي وغور إلى نحو 0.5% فقط.
وتشير هذه الفوارق إلى أن أزمة الطرق ليست متشابهة في جميع الولايات؛ فبعض المناطق تحتاج إلى توسيع شبكتها أساساً، في حين تمتلك مناطق أخرى شبكة كبيرة من الطرق، لكنها تحتاج إلى تعبيدها وإعادة تأهيلها.
كما تعكس الأرقام جانباً من التفاوت التنموي بين المناطق القريبة من المراكز الحضرية والمناطق الجبلية والريفية التي لا تزال تعتمد على طرق محدودة الجودة.
245 ألف كيلومتر لا تصنع بالضرورة شبكة متكاملة
تكمن إحدى أبرز مشكلات شبكة الطرق الأفغانية في الفرق بين وجود طريق على الخريطة وبين وجود طريق قادر على تأمين حركة منتظمة للسكان والبضائع.
فالطريق الترابي قد يربط قرية بمركز مديرية أو سوق محلي، لكنه قد يصبح غير صالح للحركة في أوقات معينة من السنة، أو يرفع تكلفة النقل ويزيد زمن الرحلات ويعرض المركبات والبضائع لمخاطر إضافية.
ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة بالنسبة إلى الاقتصاد المحلي، ولا سيما في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها على نقل المنتجات إلى أسواق المدن.
فكلما ازدادت المسافة بين المزارعين والطرق المعبدة، ارتفعت كلفة الوصول إلى السوق، وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض العائد الذي يحصل عليه المنتج وارتفاع السعر الذي يدفعه المستهلك.
وينطبق الأمر ذاته على الوصول إلى المستشفيات والمدارس والمراكز الإدارية، وهو ما يجعل جودة الطرق قضية تنموية لا مجرد مسألة هندسية.
الجسور والسيول.. نقاط هشاشة داخل الشبكة
ولا تقتصر التحديات على تعبيد الطرق، إذ أظهر التقييم وجود آلاف المنشآت المرتبطة باستمرارية شبكة النقل.
فقد جرى تسجيل 4 آلاف و747 جسراً، إلى جانب 8 آلاف و681 عبارة مائية، و854 موقعاً لعبور السيول.
كما رصد التقييم 16 جسراً متضرراً، فضلاً عن 249 موقعاً تحتاج إلى إنشاء جسور جديدة.
وتبدو أهمية هذه المنشآت أكبر في المناطق الجبلية، حيث يمكن لوادٍ أو مجرى مائي أو سيل موسمي أن يعزل منطقة بأكملها، حتى وإن كان الطريق المؤدي إليها قائماً.
ولهذا، فإن تطوير البنية التحتية لا يعني زيادة عدد الكيلومترات المعبدة فقط، وإنما يشمل أيضاً بناء الجسور والعبارات والمنشآت المائية التي تضمن استمرار الحركة وعدم انقطاع الطريق عند تغير الظروف المناخية.
طريق قريب.. لكنه ليس بالضرورة صالحاً
وتظهر بيانات الوصول إلى الطرق مفارقة أخرى؛ إذ يستطيع نحو 96% من سكان المناطق الريفية الوصول إلى شبكة طرق من أي نوع ضمن نطاق محدد، لكن النسبة تنخفض بصورة كبيرة عندما يتعلق الأمر بالطرق الأفضل جودة.
فوفق التقييم، يستطيع نحو 63% من سكان المناطق الريفية الوصول إلى الطرق العامة، بينما لا يستطيع سوى 41% منهم الوصول إلى طريق معبد ضمن مسافة كيلومترين.
وتكشف هذه الأرقام الفرق بين الاتصال الجغرافي والاتصال الفعلي؛ فقد يكون الطريق قريباً من القرية، لكنه لا يوفر بالضرورة تنقلاً سريعاً وآمناً ومنتظماً.
وتنعكس هذه الفجوة مباشرة على فرص التنمية، إذ يساعد تحسين الوصول إلى الطرق المعبدة على تقليل كلفة نقل المنتجات، وتسهيل الوصول إلى المدارس والمستشفيات والأسواق، وربط المناطق النائية بالمراكز الاقتصادية.
قاعدة بيانات جديدة.. فهل تتغير أولويات المشاريع؟
ربما لا تكمن القيمة الأبرز للتقييم الجديد في الرقم الإجمالي لشبكة الطرق، وإنما في إنشاء قاعدة بيانات يمكن استخدامها لتحديد المناطق الأكثر احتياجاً.
ففي السابق، كان تعدد الجهات المسؤولة عن الطرق وتوزع المعلومات بين المؤسسات المختلفة يجعل تقييم الاحتياجات أكثر تعقيداً.
أما توحيد البيانات جغرافياً، فيتيح مقارنة الولايات والمديريات، وتحديد المناطق التي تحتاج إلى تعبيد طرق قائمة، أو إعادة تأهيل طرق متضررة، أو بناء جسور وعبارات جديدة.
كما يمكن أن يساعد في ربط قرارات الإنفاق بمعايير أكثر وضوحاً، مثل عدد السكان، ومستوى النشاط الاقتصادي، وبعد المناطق عن الأسواق والخدمات.
وهنا يتحول التقييم من مجرد عملية إحصائية إلى أداة محتملة لتحديد أولويات الإنفاق على البنية التحتية.
الاختبار ليس في عدّ الطرق بل في تطويرها
تقدم الأرقام الجديدة صورة مزدوجة عن قطاع النقل في أفغانستان: فمن جهة، تمتلك البلاد شبكة واسعة تمتد إلى ربع مليون كيلومتر تقريباً، ومن جهة أخرى، لا يزال معظم هذه الشبكة خارج نطاق الطرق المعبدة.
ويضع ذلك السلطات أمام تحدٍ يتجاوز إنشاء طرق جديدة إلى تحسين الشبكة الموجودة بالفعل، خصوصاً في الولايات التي تظهر فيها أكبر فجوة بين طول الطرق ومستوى تأهيلها.
وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقل البري، لا يقتصر أثر تطوير الطرق على حركة السيارات والشاحنات، بل يمتد إلى حياة المزارعين والتجار والعمال والطلاب والمرضى، وإلى قدرة القرى والمناطق النائية على الارتباط بالأسواق ومراكز الخدمات.
لذلك، قد لا يكون الرقم الأهم في التقييم الجديد هو 245 ألف كيلومتر، بل حقيقة أن أكثر من 92% منها غير معبد.
ومن هنا يبدأ السؤال الأكثر أهمية: هل تستطيع أفغانستان تحويل شبكة ضخمة من المسارات والطرق الترابية إلى بنية نقل متكاملة، أم سيظل اتساع الشبكة رقماً كبيراً يخفي وراءه فجوة بنية تحتية أوسع؟

