خاص بالملف الأفغاني
بعد خمس سنوات على عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، لم تعد علاقات كابل الخارجية تختزل في ثنائية العزلة والانفتاح. فالحركة لم تنجح في انتزاع اعتراف دولي واسع بحكومتها، لكنها تمكنت في المقابل من بناء شبكة متنامية من الاتصالات والتفاهمات مع دول الجوار وقوى إقليمية غير غربية.
وتقدم دراسة حديثة للباحث في معهد واشنطن آرون زيلين قراءة إحصائية لمسار هذه الدبلوماسية، استناداً إلى بيانات اللقاءات والتصريحات المعلنة لطالبان بين 15 أغسطس/آب 2021 و15 أغسطس/آب 2026. وتظهر البيانات أن السياسة الخارجية للحركة انتقلت تدريجياً من البحث عن شركاء جدد إلى تثبيت العلاقات القائمة، ثم إلى إنشاء آليات أكثر استدامة للتعاون.
خمس سنوات
بحسب بيانات معهد واشنطن، أعلنت طالبان عن 3651 لقاءً دبلوماسياً مع 103 دول ومؤسسات خلال السنوات الخمس الماضية. وارتفع عدد اللقاءات من 387 في السنة الأولى إلى 952 في السنة الثالثة، قبل أن يتراجع إلى 844 في السنة الخامسة.
وعلى الرغم من أن الرقم الأخير يقل بنحو 12% عن ذروة اللقاءات، فإنه لا يزال يشير إلى مستوى مرتفع من الانخراط الدبلوماسي. غير أن الدلالة الأهم لا تتصل بعدد الاجتماعات فحسب، بل بتغير طبيعة الشركاء الذين تتواصل معهم كابل.
فعدد الدول أو الجهات التي بدأت التواصل مع طالبان للمرة الأولى انخفض من 35 شريكاً في السنة الأولى و37 في الثانية، إلى 8 في السنة الرابعة و3 فقط في الخامسة. ويعني ذلك أن الحركة لم تعد توسع شبكة اتصالاتها بالوتيرة نفسها، بل تركز على العلاقات التي بنتها بالفعل.
من كسر العزلة إلى بناء شبكة
في العامين الأولين بعد عودة طالبان إلى الحكم، بدا الهدف الأساسي لكابل هو كسر العزلة الأولية وفتح قنوات حوار مع أكبر عدد ممكن من الدول. كانت الحكومة الجديدة تمثل واقعاً سياسياً غير مألوف لكثير من العواصم، فيما سعت طالبان إلى إظهار قدرتها على التواصل مع جيرانها والقوى الإقليمية، وحتى مع بعض الدول الغربية.
وتشير زيادة عدد الشركاء الجدد في تلك المرحلة إلى طابع استكشافي للدبلوماسية الأفغانية؛ إذ كانت كابل تختبر قنوات متعددة، في وقت كانت فيه الحكومات الأخرى تحاول تحديد طبيعة تعاملها مع السلطة الجديدة.
لكن هذا التوسع لم يتحول بالضرورة إلى علاقات دائمة أو مؤسسية مع جميع الأطراف. ومع التراجع الحاد في عدد الشركاء الجدد، يبدو أن طالبان حددت نطاق الدول والجهات الأكثر استعداداً للتعامل معها، وانتقلت إلى الاستثمار في تلك العلاقات.
خمسة شركاء في الصدارة
تبرز إيران والصين وتركيا وقطر وأوزبكستان بوصفها أكثر الشركاء تواصلاً مع حكومة طالبان. فقد سجلت إيران 494 تفاعلاً، تلتها الصين بـ432، ثم تركيا بـ394، وقطر بـ347، وأوزبكستان بـ316.
وتمثل هذه الأطراف الخمسة مجتمعة نحو 54% من مجموع التفاعلات المسجلة مع طالبان، بما يعكس تركيزاً واضحاً على شبكة إقليمية محددة. ويجمع هذه الدول تنوع في المصالح، بين الأمن والحدود والتجارة والطاقة والنقل والوساطة.
كما تشير البيانات إلى تبدل في ترتيب بعض الشركاء؛ إذ أصبحت إيران الأكثر تكراراً في التعامل مع كابل، في حين برزت الهند تدريجياً كشريك أكثر حضوراً مقارنة بالسنوات الأولى. أما باكستان، التي كانت من أكثر الأطراف ارتباطاً بطالبان تاريخياً، فقد اتسمت علاقتها بكابل بتوتر متزايد، خصوصاً حول أمن الحدود وحركة طالبان باكستان.
تراجع الحضور الغربي
في مقابل تزايد ثقل الشركاء الإقليميين، تراجعت حصة الدول الغربية من تفاعلات طالبان من نحو 16% في السنة الأولى إلى 5% في السنة الخامسة. كما انخفض عدد تفاعلات الاتحاد الأوروبي من ذروة بلغت 20 تفاعلاً إلى 7 تفاعلات.
ولا يعني ذلك انقطاع الاتصال بين كابل والغرب، لكنه يعكس محدودية هذا الانخراط وارتباطه بملفات محددة، مثل المساعدات الإنسانية، ومكافحة الإرهاب، والهجرة، وحقوق الإنسان.
ومن زاوية أوسع، تكشف هذه الأرقام عن توجه متزايد نحو إقليمية السياسة الخارجية لطالبان، في ظل استمرار تردد العواصم الغربية في الانتقال من التواصل الوظيفي إلى الاعتراف السياسي الكامل.
ويعزز هذا التوجه تغير مواقع الاجتماعات؛ إذ تراجعت حصة كابل من أماكن اللقاءات من نحو 55% في السنة الأولى إلى 32% في السنة الخامسة. وباتت الدبلوماسية الأفغانية تُدار بدرجة أكبر في العواصم والمراكز الإقليمية.
من اللقاءات إلى المؤسسات
لا يقتصر التحول على جغرافيا العلاقات أو عددها، بل يشمل طبيعتها أيضاً. فقد ارتفعت نسبة تصريحات طالبان المتعلقة بالعلاقات والأنشطة القنصلية من 2% في السنة الأولى إلى 14% في السنة الخامسة.
كما شهدت الفترة الأخيرة الحديث عن آليات دائمة للتعاون، بينها فريق العمل الأفغاني القرغيزي، واللجنة الوزارية الأفغانية الكازاخستانية المشتركة، ومجلس التجارة الأفغاني الأوزبكي المشترك.
وتكتسب هذه الآليات أهمية خاصة لأن اللقاءات السياسية قد تكون مؤقتة، بينما تمثل القنصليات واللجان المشتركة ومجالس التجارة بنية أكثر استمرارية للعلاقات. ومن ثم، فإن نجاح سياسة طالبان الخارجية لا يقاس بعدد الاجتماعات وحده، بل بقدرتها على تحويل التواصل إلى قنوات اقتصادية وقنصلية وإدارية مستقرة.
اعتراف وظيفي لا سياسي
تكشف السنوات الخمس الماضية أن طالبان لم تحقق هدفها الرئيس المتمثل في الاعتراف الدولي الواسع، لكنها نجحت في تجاوز العزلة العملية بدرجة كبيرة. فقد قبلت دول في الخليج وتركيا وآسيا الوسطى دبلوماسيين عينتهم الحكومة الأفغانية، واتسعت في الوقت نفسه مجالات التعاون الاقتصادي والأمني.
وتشير هذه المعطيات إلى أن مستقبل علاقات كابل الخارجية قد يتجه نحو مزيد من الاندماج في شبكات التجارة والطاقة والنقل والأمن الإقليمية، من دون أن يوازي ذلك اندماج كامل في النظام الدبلوماسي الذي تطمح إليه الدول الغربية.
وبذلك، لم يعد السؤال محصوراً في الدول التي ستعترف رسمياً بطالبان، بل في مدى استعداد الدول لإقامة علاقات عملية معها من دون اعتراف سياسي. فالنتيجة الأبرز للبيانات هي أن العزلة الرسمية لا تعني بالضرورة عزلة فعلية، وأن حكومة طالبان استطاعت أن تتحرك في مساحة وسطى بين غياب الشرعية الدولية الكاملة واتساع الانخراط الإقليمي.

