داود ياسر
تبحث الحكومة الأفغانية عن منافذ تقلّص اعتمادها على باكستان، فيما تسعى طهران إلى تحويل الممرات التجارية وإمدادات الطاقة إلى نفوذ في ملفات الأمن والمياه والتوازنات الإقليمية.
تتشكّل العلاقة بين إيران وأفغانستان عند تقاطع الضرورات الاقتصادية والحسابات الأمنية. فالحركة تحتاج إلى طرق تجارية مستقرة وإمدادات من الوقود والكهرباء والسلع الأساسية، بينما ترى طهران في هذه الاحتياجات فرصة لتعزيز موقعها في أفغانستان، وبناء أدوات تأثير في قرارات السلطة الحاكمة.
ويكتسب ميناء تشابهار وخط السكك الحديدية خواف–هرات أهمية تتجاوز النقل والتبادل التجاري. فهما يفتحان أمام كابل بدائل لتخفيف اعتمادها على المسارات الباكستانية، ويمنحان إيران موقعًا أوسع في شبكة المصالح التي يعتمد عليها الاقتصاد الأفغاني. ومع ذلك، يبقى تحويل هذا الموقع إلى مكاسب سياسية وأمنية مرهونًا بطبيعة التفاهمات مع قيادة طالبان ومدى التزامها بها.
الممرات البديلة تعيد توزيع النفوذ
يدفع التوتر بين كابل و إسلام أباد إلى البحث عن خيارات تقلّل تأثر تجارتها بالخلافات السياسية وتعطّل حركة العبور. وفي بلد حبيس مثل أفغانستان، تمثّل القدرة على الوصول المنتظم إلى الموانئ والأسواق الخارجية عنصرًا أساسيًا في الاستقرار الاقتصادي.
هنا تتعزّز أهمية المسارات الإيرانية. فميناء تشابهار يوفر منفذًا بحريًا للتجارة الأفغانية، بينما يتيح الربط السككي عبر خواف–هرات توسيع حركة البضائع بين البلدين. وكلما ازدادت موثوقية هذه المسارات وقدرتها الاستيعابية، ارتفعت قيمتها في حسابات كابل.
وتستفيد طهران من هذا التحول عبر تنشيط موانئها وشبكات النقل وأسواق التصدير. كما يتيح لها تعزيز حضورها في تجارة العبور الإقليمية، وإن كان ذلك لا يعني خروج باكستان من المعادلة أو انتهاء قدرة إسلام آباد على التأثير.
طالبان تبحث عن متنفس اقتصادي وحضور إقليمي
تحصل طالبان من العلاقة مع إيران على مكاسب تتصل مباشرة بقدرتها على إدارة البلاد: تنويع منافذ التجارة، وتأمين احتياجات السوق، وتوسيع التعامل مع القوى الإقليمية.
فتوافر طرق بديلة للاستيراد والتصدير يخفّف الضغوط الناجمة عن اضطراب المسارات الباكستانية. كما تساعد إمدادات الطاقة والسلع الإيرانية في تلبية احتياجات الاقتصاد الأفغاني، وتعزّز التعاملات التجارية قدرة الطرفين على استمرار التبادل في ظل القيود المالية.
سياسيًا، يوفّر استمرار التواصل الدبلوماسي مع طهران مساحة للحركة لتثبيت حضورها الإقليمي. ويمنحها هذا التعامل قبولًا عمليًا بوصفها السلطة القائمة في كابل، مع بقاء الفارق بين التواصل معها والاعتراف القانوني الرسمي بحكومتها.
وتسعى طالبان إلى توسيع هذه المكاسب مع الاحتفاظ بهامش استقلال في قراراتها الداخلية والخارجية، وهو ما يجعل حدود التأثير الإيراني موضع اختبار دائم.
طهران تجمع بين السوق والحدود والمياه
تتوزع المصالح الإيرانية في أفغانستان على ملفات اقتصادية وأمنية ومائية مترابطة. فالسوق الأفغانية تستوعب سلعًا ومشتقات طاقة إيرانية، وتتيح فرصًا للتبادل في ظروف تزيد فيها العقوبات صعوبة الوصول إلى الأسواق والقنوات المالية الدولية.
ويمثل قطاع التعدين مجالًا محتملًا لتوسيع التعاون، لكنه يظل مرتبطًا بتوافر البنية التحتية والتمويل والضمانات اللازمة للاستثمار، ولا يمكن اعتباره مكسبًا محسومًا.
وفي المجال الأمني، تولي طهران أهمية لضبط الحدود المشتركة، والحد من التهريب، ومنع تسلل الجماعات المسلحة، ولا سيما تنظيم «داعش خراسان». وتبقى حصة إيران من مياه نهر هلمند من أكثر الملفات حساسية، لما لها من صلة مباشرة بالأوضاع المعيشية والبيئية في المناطق الإيرانية الحدودية.
وتضاف إلى ذلك أوضاع الشيعة والناطقين بالفارسية في أفغانستان، وهي قضية تحمل أبعادًا اجتماعية وثقافية وسياسية في حسابات إيران وعلاقاتها بالمجتمع الأفغاني.
معادلة كابل وقندهار تختبر النفوذ الإيراني
يواجه الرهان الإيراني معضلة تتعلق بآلية اتخاذ القرار داخل طالبان. فاحتياجات الإدارة والاقتصاد في كابل تدفع نحو توسيع التعاون، بينما تظل القرارات الكبرى مرتبطة بالقيادة العليا في قندهار وحساباتها السياسية والأيديولوجية.
ولهذا، قد يتقدّم التعاون في النقل والطاقة والتجارة من دون أن يصاحبه تقدّم مماثل في الملفات الخلافية. فحاجة طالبان إلى المنافع الاقتصادية لا تعني بالضرورة استعدادها لتقديم تنازلات تراها متصلة بسلطتها أو توجهاتها الداخلية.
وتبرز هنا المسافة بين اتساع الحضور الاقتصادي الإيراني وفاعلية تأثيره السياسي. إذ تستطيع طهران زيادة صادراتها وتعزيز دور ممراتها التجارية، لكنها تحتاج إلى تفاهمات واضحة حتى ينعكس ذلك على أمن الحدود وإدارة المياه والقضايا الاجتماعية التي تهمها.
تشابهار بين العائد التجاري والقدرة على التأثير
تمنح التسهيلات المرتبطة بتشابهار الطرفين مصالح مباشرة. فأفغانستان تكسب منفذًا إضافيًا، وإيران تستفيد من خدمات النقل والتخزين والعبور ومن توسيع التجارة.
أما القيمة الاستراتيجية للميناء فتتحدد بمدى اعتماد التجارة الأفغانية عليه، وصعوبة الاستعاضة عنه، وقدرة طهران على إدراجه ضمن تفاوض أوسع. فالنفوذ الناشئ عن البنية التحتية يتراكم مع الاستخدام المنتظم والاستثمارات طويلة الأجل.
لكن توظيف هذا النفوذ ينطوي أيضًا على حسابات دقيقة. فاستقرار الممرات يخدم المصالح الإيرانية، وأي اضطراب فيها قد يدفع كابل إلى تسريع البحث عن بدائل. لذلك، تتوقف فاعلية الورقة التجارية على الموازنة بين تقديم الحوافز وربطها بالتزامات متبادلة، مع الحفاظ على جاذبية المسار الإيراني.
الرهان الحاسم: تحويل الاعتماد إلى تفاهمات مستقرة
تسعى إيران إلى ترسيخ موقع يجعل مصالحها جزءًا من حسابات طالبان اليومية، مستفيدة من حاجة أفغانستان إلى المنافذ والطاقة والأسواق. وفي المقابل، تحاول الحركة تنويع شركائها والحصول على أكبر قدر من الفوائد، مع الحد من القيود السياسية التي قد تترتب عليها.
وسيظهر وزن هذه العلاقة في النتائج التي تتجاوز أرقام التجارة: انتظام التعاون الحدودي، والتقدم في ملف هلمند، ومدى معالجة القضايا المرتبطة بحقوق المكونات الاجتماعية.
وبين تشابهار وقندهار، يظل السؤال الاستراتيجي مفتوحًا: هل تستطيع طهران تحويل مركزيتها الاقتصادية إلى تأثير مستدام في قرارات طالبان، أم يتوسع التعاون التجاري فيما تبقى الملفات الأكثر حساسية معلّقة؟

