لم تعد الغارات الجوية الباكستانية على الأراضي الأفغانية مجرد تطور عسكري عابر في مسار التوتر بين البلدين، بل باتت تترك آثارًا مباشرة على حياة الأسر المدنية، بعدما تحولت المنازل والممتلكات في المناطق المتاخمة لخط “ديوراند” إلى ساحة للخطر. وأعادت الغارات الأخيرة على ولايتي كونر وبكتيكا، فجر الاثنين، ملف الضحايا المدنيين والسيادة الأفغانية إلى الواجهة، وسط دعوات محلية ودولية لوقف التصعيد واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
وفي قرية “بتن” بمديرية نورغل في ولاية كونر شرقي أفغانستان، لم يجد مبين خان سوى أنقاض منزل أسرته بعد الغارة، فقد والده ووالدته وشقيقته، فيما أصيب أربعة آخرون من أفراد الأسرة. وقالت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان “يوناما” إنها تحققت من مقتل ثلاثة مدنيين، رجل وامرأة وطفلة، وإصابة أربعة آخرين في غارات جوية وقعت في كونر في الساعات الأولى من يوم 21 سبتمبر/أيلول.
وتكشف شهادة مبين جانبًا من الكلفة الإنسانية التي لا تظهر في البيانات العسكرية؛ فالمنزل الذي كان والده قد بناه بعد بيع جزء من أرضه لم يعد قائمًا، كما نفقت المواشي التي كانت الأسرة تعتمد عليها. وقال إن الغارة لم تترك للأسرة منزلًا أو ممتلكات يمكنها العودة إليها، لتتحول الضربة الجوية إلى مأساة ممتدة تتجاوز لحظة سقوط القنابل إلى فقدان المأوى ومصادر العيش.
من منزل عائلي إلى أنقاض
لم تكن الأسرة وحدها التي عبّرت عن غضبها. فقد قال عبدالستار، أحد أقارب الضحايا، إن الهجمات الباكستانية أسفرت، عن سقوط مدنيين وتدمير منازل في مناسبات متكررة، بينما تساءل ميرزا، أحد أفراد الأسرة، عن مبرر استهداف الأفغان، مستندًا إلى الروابط الدينية والاجتماعية بين الشعبين.
وتعكس هذه الشهادات شعورًا متزايدًا لدى سكان المناطق القريبة من “ديوراند” بأن المدنيين يدفعون ثمنًا مباشرًا للصراع الأمني بين إسلام آباد وكابول، خصوصًا عندما تقع الضربات في مناطق مأهولة أو تطال منشآت مدنية.
ولم تقتصر الغارات الأخيرة على كونر؛ فقد استهدفت أيضًا منطقتين في مديرية برمل بولاية بكتيكا، حيث أفادت السلطات الأفغانية بتدمير منزل غير مأهول ومتجر، دون تسجيل ضحايا في تلك المواقع. وأكدت تقارير دولية أن الضربات جاءت بعد فترة قاربت ثلاثة أشهر من الهدوء النسبي بين الجانبين.
روايتان متعارضتان.. والضحايا المدنيون حقيقة موثقة
تقدم إسلام آباد رواية مختلفة عن الغارات، إذ أعلنت وزارة الإعلام الباكستانية أن العمليات استهدفت مواقع لمسلحين، وقالت إن 28 شخصًا وصفتهم بأنهم “إرهابيون” قُتلوا، بينهم عناصر مرتبطة بتدريب منفذي هجمات انتحارية. وفي المقابل، قالت السلطات الأفغانية إن الغارات أصابت مناطق مدنية وأدت إلى مقتل ثلاثة أفراد من أسرة واحدة وإصابة أربعة آخرين.
وبينما تتباين روايتا الطرفين بشأن طبيعة الأهداف العسكرية والخسائر، فإن مقتل مدنيين في كونر لم يعد مجرد ادعاء صادر عن طرف في النزاع؛ إذ أكدت يوناما مقتل ثلاثة مدنيين وإصابة أربعة آخرين، كما وثقت وكالات إعلام دولية كالجزيرة وغيرها سقوط مدنيين في الغارات، كما جددت بعثة الأمم المتحدة “يوناما” دعوتها إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني لمنع سقوط ضحايا مدنيين وقالت إنها سجلت أكثر من 1100 حالة وفاة وإصابة بين المدنيين في أفغانستان نتيجة الغارات والهجمات منذ بداية عام 2026.
وتبرز هذه المعطيات أن الخلاف الأمني بين البلدين لم يعد محصورًا في الاتهامات المتبادلة بشأن الجماعات المسلحة، بل بات يحمل تداعيات إنسانية مباشرة على سكان المناطق المستهدفة، الذين يجدون أنفسهم في مرمى التصعيد رغم عدم مشاركتهم في العمليات المسلحة.
سكان بكتيكا: الحرب ليست حلًا
في بكتيكا، حيث طالت الغارات مناطق أخرى، دعا السكان المجتمع الدولي والدول الإسلامية والجهات القادرة على الوساطة إلى الضغط على باكستان لمنع تكرار الهجمات.
وقال عبدالعزيز، أحد سكان الولاية، إن الأفغان عاشوا عقودًا من الحرب، وإن إعادة البلاد إلى دائرة المواجهة المسلحة لن تؤدي إلى حل المشكلات. كما دعا محمد أكبر إلى تحرك دولي وإسلامي لوقف التصعيد، معتبرًا أن استمرار الضربات سيزيد من حالة عدم الاستقرار.
وتتجاوز هذه المطالب الجانب السياسي؛ إذ تعكس خشية السكان من أن تتحول المناطق المحاذية لـ “ديوراند” إلى مسرح دائم للعمليات العسكرية، بما يهدد الأسر ومصادر رزقها ويزيد من معاناة المجتمعات التي أنهكتها عقود الحرب.
وفي المقابل، أكد بعض سكان بكتيكا أن استمرار الضربات سيدفعهم إلى الوقوف إلى جانب القوات الأفغانية للدفاع عن أراضيهم، في مؤشر على أن استمرار العمليات العسكرية قد يزيد من حدة المشاعر الشعبية ويجعل احتواء التوتر أكثر صعوبة.
سجل متكرر للضربات على امتداد خط “ديوراند”
وتأتي الغارات الأخيرة في سياق أوسع من التوتر العسكري بين أفغانستان وباكستان. ووفق مراجعة نشرتها قناة “آمو” استنادًا إلى تقارير أممية، شهدت الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى سبتمبر/أيلول 2026 ما لا يقل عن 15 غارة جوية أو بطائرات مسيّرة داخل أفغانستان، قالت القناة إنها أسفرت عن مقتل 364 مدنيًا وإصابة 346 آخرين، وتحتاج هذه الأرقام، مثل غيرها من حصيلة النزاعات، إلى قراءة دقيقة بحسب كل حادثة ومصدر توثيقها.
وفي مارس/آذار الماضي، شهدت أطراف خط “ديوراند” واحدة من أكثر مراحل التصعيد حدة، قبل أن يتراجع مستوى المواجهة خلال الأشهر التالية. وقالت مصادر دولية إن الخلاف يرتبط أساسًا باتهامات باكستانية لكابول بالسماح لجماعات مسلحة بشن هجمات انطلاقًا من الأراضي الأفغانية، وهي اتهامات تنفيها السلطات الأفغانية وتعتبر أن المشكلات الأمنية داخل باكستان شأن داخلي.
ومن منظور كابول، فإن معالجة المخاوف الأمنية لا يمكن أن تكون عبر الضربات الجوية داخل الأراضي الأفغانية، بل من خلال الحوار والآليات الأمنية والسياسية، خصوصًا أن أي خطأ في تحديد الأهداف قد يحول عملية تستهدف مسلحين، وفق الرواية الباكستانية، إلى مأساة تصيب أسرة بأكملها.
بين الأمن والسيادة وحماية المدنيين
أعادت الغارات الأخيرة كذلك مسألة السيادة الأفغانية إلى صدارة الخلاف؛ فقد استدعت وزارة الخارجية الأفغانية القائم بالأعمال الباكستاني في كابول وسلمته احتجاجًا رسميًا على ما وصفته بانتهاك المجال الجوي الأفغاني واستهداف مناطق مدنية، فيما رفضت كابول الربط بين الهجمات داخل باكستان وبين وجود جماعات مسلحة في الأراضي الأفغانية.
وفي المقابل، تقول إسلام آباد إن ضرباتها تأتي في إطار مواجهة تهديدات أمنية مرتبطة بجماعات مسلحة، خصوصًا بعد هجمات دامية داخل باكستان دون تقديم أدلة. لكن تحويل هذا الخلاف إلى عمليات عسكرية داخل الأراضي الأفغانية يضع المدنيين في دائرة الخطر ويزيد من تعقيد أي مسار للتفاهم بين البلدين.
ولهذا تكتسب الدعوة الأممية إلى احترام القانون الدولي الإنساني، ومطالبات سكان كونر وبكتيكا الأخيرة أهمية خاصة؛ فحتى عندما تكون هناك مخاوف أمنية حقيقية، فإن حماية المدنيين تبقى التزامًا أساسيًا، ولا ينبغي أن تصبح المنازل والأسر والممتلكات المدنية ثمنًا للتوترات الأمنية بين الدول.
وفي كونر، تختصر أنقاض منزل مبين خان المشهد كله: أسرة فقدت ثلاثة من أفرادها، وأربعة آخرون يحملون آثار الإصابة، ومنزل بُني بعد سنوات من العمل تحول خلال لحظات إلى ركام. وبينما تتبادل كابول وإسلام آباد الاتهامات بشأن أسباب التصعيد، يبقى المدنيون في المناطق الحدودية الطرف الأكثر تعرضًا لتبعاته، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى وقف الضربات، والتحقيق المستقل في الحوادث، والعودة إلى مسار يمنع تكرارها بدل توسيع دائرة المواجهة.

