لا يقتصر أول معرض مشترك للصناعات الخفيفة بين أفغانستان وأوزبكستان على عرض المنتجات فحسب، بل يعكس محاولة من البلدين لتوسيع طبيعة العلاقة الاقتصادية من حركة التجارة والترانزيت إلى الاستثمار والإنتاج المشترك وربط سلاسل التوريد بالأسواق الإقليمية.
وافتُتح المعرض، الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول، في مركز ترمذ الدولي للتجارة، بمشاركة مسؤولين وممثلين عن القطاع الخاص من البلدين، على أن يستمر ثلاثة أيام بمشاركة أكثر من 100 جناح تعرض منتجات أفغانية وأوزبكية في قطاعات متعددة.
ويأتي تنظيم المعرض في سياق اتصالات اقتصادية متزايدة بين كابل وطشقند، مع تركيز أفغاني على توسيع أسواق صادراته والاستفادة من موقع أوزبكستان كبوابة نحو أسواق آسيا الوسطى. وفي المقابل، توفر السوق الأفغانية مجالًا لتوسيع حركة المنتجات والاستثمارات والخدمات المرتبطة بالتجارة العابرة للحدود.
اختبار الانتقال إلى الإنتاج المشترك
قال وزير الصناعة والتجارة الأفغاني، نور الدين عزيزي خلال مراسم الافتتاح، إن العلاقات بين البلدين شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا في مجالات التجارة والترانزيت والتعاون الاقتصادي، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تستهدف الانتقال من التبادل التجاري إلى الإنتاج المشترك والاستثمار وإنشاء سلاسل توريد وتوسيع الصادرات.
وتحمل هذه النقلة أهمية مختلفة عن مجرد زيادة حجم التجارة، إذ إن إقامة مشاريع إنتاجية مشتركة يمكن أن تربط الشركات الأفغانية بمصادر التكنولوجيا والآلات والأسواق الإقليمية في أوزبكستان، بينما قد تمنح الشركات الأوزبكية وصولًا أكبر إلى المواد الخام والمنتجات الزراعية والصناعات الخفيفة الأفغانية.
ويبرز قطاع الصناعات الخفيفة باعتباره أحد المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذا التكامل، إذ تشمل المنتجات الأفغانية المعروضة السجاد والمنسوجات والملابس والمنتجات الجلدية والقطن والفواكه المجففة والزعفران والأحجار الكريمة والحرف اليدوية، بينما تمتلك أوزبكستان قاعدة صناعية وخبرات في مجالات التكنولوجيا والمنسوجات وصناعة الآلات والتصنيع.
التمويل في قلب المعادلة
ومن أبرز التطورات التي شهدها المعرض توقيع مذكرة تعاون بين مصرف "غضنفر" وسوق "أوزيكس" الأوزبكي للسلع، تتضمن آلية دفع تسمح للتاجر الأفغاني بإيداع 10% من قيمة الطلب، على أن يسدد النسبة المتبقية بعد تجهيز البضائع.
وتستهدف هذه الآلية تسهيل عمليات الشراء عبر الحدود وتقليل العقبات المرتبطة بالدفع، كما تفتح المجال أمام التجار الأوزبكيين لشراء المنتجات الأفغانية. ويكتسب توفير أدوات مالية للتجارة أهمية خاصة في العلاقات التجارية الإقليمية، إذ إن سهولة الدفع وتمويل الصفقات عنصر أساسي في تحويل الاتفاقات التجارية إلى معاملات منتظمة.
لكن نجاح هذه الآلية سيعتمد عمليًا على حجم استخدامها من قبل الشركات، ومدى قدرتها على تسريع دورة التجارة وتوفير ضمانات كافية للطرفين.
القطاع الخاص أمام اختبار حقيقي
وشدد الجانب الأفغاني خلال المعرض على أهمية عقد لقاءات أعمال مباشرة بين الشركات، في محاولة لتحويل الفعاليات التجارية من منصات لعرض المنتجات إلى قنوات لإبرام صفقات واستثمارات فعلية.
وتبقى هذه الخطوة هي الاختبار الأهم لأي مسار جديد في العلاقات الاقتصادية؛ فالمعارض والاتفاقيات توفر إطارًا للتواصل، لكن استمرار التعاون يتطلب عقودًا تجارية مستقرة، وتمويلًا مناسبًا، وإجراءات جمركية أكثر سهولة، وبنية نقل ولوجستيات قادرة على استيعاب حركة أكبر للسلع.
وفي هذا السياق، أكد المبعوث الخاص للرئيس الأوزبكي إلى أفغانستان، عصمت الله إيرغاشوف، أهمية تطوير فرص التجارة والترانزيت، بينما دعا والي سرخاندريا أولوغ بيك قاسموف إلى مواصلة التعاون الاقتصادي بين البلدين.
موقع أوزبكستان في التجارة الأفغانية
ويمنح الموقع الجغرافي لأوزبكستان أهمية خاصة بالنسبة لأفغانستان، التي تسعى إلى تنويع طرق التجارة والوصول إلى أسواق آسيا الوسطى. وتوفر ولاية سرخاندريا، التي تقع فيها مدينة ترمذ، نقطة اتصال مباشرة مع الأراضي الأفغانية، ما يجعلها إحدى المناطق الرئيسية في حركة التجارة البرية بين البلدين.
ومن هنا، فإن توسيع التعاون من الترانزيت إلى التصنيع يمكن أن يغير طبيعة العلاقة الاقتصادية تدريجيًا، إذا نجحت الشركات في بناء مشاريع مشتركة تتجاوز عمليات الاستيراد والتصدير التقليدية.
ويضع معرض ترمذ هذا الطموح أمام اختبار السوق: فالقيمة الحقيقية للفعالية لن تقاس بعدد الأجنحة والمنتجات المعروضة، وإنما بقدرتها على إنتاج عقود تجارية واستثمارات ومشاريع تصنيع جديدة تترك أثرًا مستمرًا في حركة التجارة بين أفغانستان وأوزبكستان.

