بقلم: عبد الهادي هادي
ترجمة: الملف الأفغاني
كلما عاد الحديث عن مقتل الرئيس الأفغاني السابق محمد نجيب الله، استعدتُ لقاءً جمعني بأحد كبار مسؤولي طالبان خلال السنوات الأولى من حكم الحركة. لا أقدّم ما سمعته يومها بوصفه جوابًا حاسمًا عن سؤال المسؤولية، بل شهادةً على حديث جرى بحضوري، أرى أن تدوينه قد يفيد في فهم واحدة من أكثر وقائع تاريخنا المعاصر إيلامًا.
في تلك السنوات، كانت طالبان تتيح قنوات محدودة للتواصل مع بعض المثقفين والشخصيات الأفغانية المقيمة في الخارج. وكان عدد منهم يتردّد على مجالس قادتها، ويعود بانطباعات إيجابية عن هدوئهم وحسن استماعهم وطريقتهم في إدارة الحوار.
وقد تجاوز بعض هؤلاء حدود التواصل، فقدّموا أنفسهم باعتبارهم مقرّبين من الحركة أو ممثلين غير رسميين لها، فيما انشغل آخرون بالإشادة ببعض قادتها. كانت تلك أجواء المرحلة كما عرفتها، وفي سياقها جاءت الرحلة التي أستعيد تفاصيلها هنا.
رافقتُ إحدى الشخصيات التي كانت على صلة بمسؤولي طالبان في زيارة إلى أفغانستان، شملت جلال آباد وكابل، ثم مناطق أخرى، بينها لوغر وقندهار. استُقبلنا في جلال آباد، ومنها توجّهنا إلى العاصمة، حيث أقمنا ثلاثة أيام.
في اليوم الثالث، دُعينا إلى مأدبة غداء خاصة في منطقة شيوكي، على ضفاف أحد مجاري المياه، بحضور مسؤول بارز في الحركة. كان اللقاء بعيدًا عن الرسميات، وغلبت على الأحاديث موضوعات شخصية واجتماعية، إلى أن طرح أحد الحاضرين سؤالًا غيّر مسار الجلسة:
«لماذا علّقتم نجيب الله بهذه السرعة؟»
استرعى السؤال انتباه الجميع. وردّ المسؤول بما معناه أن مخاطبيه أصحاب خبرة ومعرفة بالسياسة الإقليمية والدولية، وأنه كان يتوقّع منهم أسئلة أكثر عمقًا. ثم سأل:
«هل كان نجيب لقمة صغيرة إلى هذا الحد حتى نتمكّن نحن من ابتلاعها؟»
وأتبع ذلك بقوله:
«نجيب لم يكن لقمة صغيرة، ولم تكن أفواهنا كبيرة إلى الحد الذي يجعلنا قادرين على ابتلاعه».
لم يكن هذا جوابًا صريحًا، فتبعه سؤال أكثر مباشرة:
«إذن، من قتل نجيب الله وعلّقه؟»
قال المسؤول إن قيادة طالبان لم تكن تعلم مسبقًا بعملية القتل، وإنها لم تتلقَّ خبرها إلا بعد وقوعها. ووفق ما رواه لنا، فإن قادة الحركة، بمن فيهم الملا محمد عمر، علموا بالأمر بعد دخول طالبان إلى كابل، وكان الجثمان قد أصبح في طريقه إلى ساحة آريانا قبل وصول الخبر إليهم.
وأضاف أن القيادة وجدت نفسها أمام واقعة حدثت بالفعل، ولم يكن أمامها سوى التعامل معها.
ذلك هو مضمون ما سمعته في ذلك اللقاء. لم يسمِّ المسؤول الجهة التي نفّذت القتل، ولم يقدّم أمامنا دليلًا يؤيّد روايته. كان كلامه نفيًا لعلم القيادة المسبق، لكنه لم يتضمّن إجابة واضحة عن هوية المنفّذين أو الجهة التي أصدرت الأمر.
وأنا أستعيد هذه الشهادة اليوم، أجد من الضروري التمييز بين ما شهدته بنفسي وما نُقل إليّ. لقد حضرتُ الحديث وسمعتُ الرواية، لكنني لم أشهد واقعة مقتل نجيب الله، ولا أملك، استنادًا إلى ذلك اللقاء وحده، ما يتيح إثبات المسؤولية أو نفيها.
كذلك، فإن نفي علم القيادة المسبق، حتى لو ثبت، لا يكفي وحده لحسم مسألة تورّط أفراد أو جهات تابعة للحركة. وهذه أسئلة لم يجب عنها الحديث الذي دار أمامنا.
قُتل نجيب الله في كابل عام 1996، مع سيطرة طالبان على العاصمة. أما تحديد تسلسل الأحداث، وهوية من اتخذ القرار ومن نفّذه، ومدى علم القيادات به، فيحتاج إلى مقابلة الشهادات بعضها ببعض، وفحص الوثائق والمصادر المتاحة عن تلك الأيام.
لهذا أدوّن ما سمعته باعتباره شهادة محدودة بظروفها ومصدرها، قابلة للفحص والمقارنة. فقد مضت عقود على الواقعة، وما زال السؤال يستحق إجابة تستند إلى الأدلة: من قتل نجيب الله، ومن أمر بقتله؟

